محاربة الفساد

د. غالب أبو مصلح

هبّت رياح التغيير على لبنان، لتنتشله من مأزقه البنيوي الشامل وتضعه على مسار جديد على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة. ليست رياح التغيير عاصفة عابرة، بل هي رياح عاتية تشتد حيناً وتهدأ حيناً آخر لتعود إلى شدتها، لتستمر لأشهر وسنوات، لتحرّر الإنسان من افيون الطائفية والانقياد الأعمى لزعامات امتهنت المتاجرة بالجماهير وحقوقها ونتاج عملها، ولتعيد بناء لبنان الوطن وتهدم لبنان المزرعة، لتعيد للإنسان في لبنان حريته الفكرية والثقافية، لتعيد الديمقراطية الحقيقية والتقدم والعدالة والمساواة بين جميع المواطنين بالحقوق والواجبات.

لن تستسلم الطبقة الحاكمة الموحّدة والمتضامنة فيما بينها أمام ثورة الجماهير، وسوف تقاتل بكل الوسائل المتاحة لها لإسكات الجماهير الغاضبة الثائرة وإيقاف نهضتها ومسيرتها التحررية. ولدى الطبقة الحاكمة أسلحة عديدة استعملتها وستستعملها، وأهمها إثارة الغرائز الطائفية وتخويف الطوائف بالطوائف. لديها أدوات القمع الرسمية التي أعدّتها بإتقان وأنفقت عليها مليارات الدولارات التي سلبتها من عرق الجماهير ونتاجها. لديها زعران الميليشيات الطائفية المأجورين المدرّبين على البطش بالمتمرّدين الخارجين على قيادات الطوائف. لديها المال والإعلام ومؤسسات الدولة والكثير من مؤسسات الإنتاج المادي والخدمي، ولديها دول داعمة وطامعة بالسيطرة على لبنان الوطن والشعب. وعلى الجماهير الثائرة أن تُحسِن تنظيم صفوفها وبناء قياداتها الحقيقية الممثلة لمصالحها والقادرة على قيادتها على مسار التحرر والتنمية. على ثورة الجماهير أن تصوغ برنامجها بعقل علمي وبوضوح لتطرحه كبديل لبرامج الإصلاح الموهوم التي تطرحه، بنسخ متعددة، الطبقة الحاكمة. على الجماهير وقياداتها الجديدة أن تعتاد على الصبر والتضحية وعلى مراجعة ونقد مسيرتها باستمرار ليكون الفكر المتحرّر العلمي والعملي قائداً للنضال، وليكون النقد والمراجعة الدائمة لمسيرتها النضالية تصحيحاً للفكر ومسيرة النضال.

قدّمت الطبقة الحاكمة ورقة إصلاحية صنعتها على عجل، فيها بعض الوعود المكرّرة تاريخياً في المناسبات السياسية ومواسم الانتخابات البرلمانية، وفيها القفز فوق حقيقة المأزق البنيوي الشامل وعناصره الأساسية.

يدور نقاش اليوم عن محاربة الفساد من قبل مَن مارسوا الفساد أو سكتوا عنه لسنوات بل لعقود. وليس شعار محاربة الفساد كمحاربة الفقر و البطالة جديداً في أدبيات ووعود الطبقة الحاكمة. إن شعار محاربة الفساد والإثراء غير المشروع طرح وبحدّة منذ خمسينيات القرن الماضي وسنّت من اجله القوانين غير القابلة للتطبيق، حيث استمرّ توسّع الإثراء غير المشروع لرجال السلطة في ظل هذا القانون، والذي تم تعديله بحيث يستحيل تطبيقه. يقول المدّعي العام المالي القاضي علي إبراهيم إن هناك نظاماً قانونياً فاسداً يحمي الفساد والمفسدين في لبنان….. إن أكبر التحديات التي تواجه النيابة العامة المالية في مهمتها الصعبة في مكافحة الفساد هي الثغرات المرتبطة ببعض القوانين والتي على القاضي الالتزام بها…. لا يمكن للقاضي أن يأخذ عمل المشرّع وسن القوانين . ليست الثغرات في القوانين نتيجة جهل أو سهو، بل هي مقصودة لمنع محاسبة الفاسدين. هناك قوانين تحمي السارقين وتمكّن الأثرياء من التهرب من الضرائب ـ من سرقة المال العام ـ وأهمها قانون السرّية المصرفية، وقانون إنشاء شركات عقارية يتم تداول أسهمها وتوريثها دون إخضاعها لضريبة الإرث أو ضريبة بيع العقارات. هناك قوانين، مثل أحد بنود قانون لجنة الرقابة على المصارف، والتي تنكشف أمامهم السريّة المصرفية، يمنع تدخل المراقبين بشأن الضرائب والتهرب منها من قبل المصارف. فوق كل ذلك ليست سرقة المال العام، أو تلقي الرشى من المصارف والشركات والبنى الاحتكارية هي الشكل الوحيد للفساد الذي ينهب حقوق الجماهير ويُفقرها ويثقلها بالديون ويدفع بعضها إلى الهجرة طلباً للرزق. هل يقتصر الفساد على نهب المال العام أم يتعداه إلى نهب المال الخاص أيضاً؟ أليس إهمال الواجب فساداً؟ أليس امتناع الحكومات عن وضع مشروع موازنة يُقدَّم لمجلس النواب، ووضع قطع حساب للسنة السابقة يوافق عليه مجلس النواب فساداً؟ أليس سكوت مجلس النواب عن فعل الحكومات هذا، ولمدة 12 سنة فساداً كبيراً، حيث تمّت جباية الأموال وإنفاقها خارج إطار القوانين، وسبب هدراً هائلاً للمال العام؟ أليس تعطيل ديوان المحاسبة وإهمال تقاريره، وتعطيل التفتيش المالي والإداري وتعطيل مجلس الخدمة المدنية وتوظيف المحاسيب وتلزيم المشاريع خارج إطار القوانين فساداً؟ أليس تفريع الجامعة اللبنانية وسيطرة ميليشيات الطوائف على فروعها والتحكم بأدائها وبأساتذتها وتسخيرها لمآرب وأهواء عصابات الطوائف فساداً؟.. هذه بعض ضروب الفساد ومزاريبه وبنيته.

علينا أن نحدد ونعرّف الفساد لنتمكن من حصاره وتضييق نطاقه.

ليس الفساد ظاهرة فردية، بل هو ظاهرة لها أبعادها القانونية والتشريعية والإدارية والأخلاقية والثقافية. كل عمل ينتهك حقوق المواطنين المادية والمعنوية والحقوقية وينتهك شرعة حقوق الإنسان بأجياله الثلاثة هو فساد. والكلام بشكل مبتور جداً عن الفساد هو ضرب من الفساد. فالقاضي الذي لا يعطي المواطن حقه، والعسكري ـ في أي سلك كان ـ ينتهك حرية المواطن وحقه، أو لا يقوم بواجبه بالدفاع عنه، وكل موظف لا يقوم بواجبه في خدمة المواطن، هو فاسد. فالنظام اللبناني والسلطات اللبنانية كتلة هائلة من الفساد.

دعنا نحصر بحثنا بالفساد المالي ونقول إن الفساد المالي أو المادي هو الحصول على المال العام أو الخاص دون حق، كما التقاعس والإهمال الذي يمكّن الآخرين من سلب مال الغير دون مقابل ودون حق.

يبدو أن حجم الفساد المالي في لبنان هائلٌ وأكبر مما يتصوّره المتشائمون. تقول وزارة المال الخزينة الأميركية إن أموال الفساد في لبنان، ما بقي منها في لبنان وما تسرّب إلى الخارج، بين سنة 1982 وسنة 2019 يزيد عن 800 مليار دولار أميركي. والخزانة الأميركية أكثر اطّلاعاً على واقع لبنان وتفاصيله من أية جهة أخرى، لبنانية أو أجنبية. للخزينة الأميركية أتباعها في الإدارات اللبنانية. هي المسيطرة على ما يسمى إجماع واشنطن أي الخزينة اللبنانية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبرامج هذه المؤسسات مثل UNBP العاملة في الإدارات اللبنانية وخاصة وزارتي المال والاقتصاد، كما مراقبة ومتابعة صندوق النقد لأداء الاقتصاد اللبناني عبر اجتماعات سنوية مع ممثليه. وللخزينة الأميركية هيئة التحقيق الخاصة ، التي تمّ إنشاؤها في مصرف لبنان بهدف معلن هو مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ـ يعني تمويل حزب الله بشكل خاص ـ، ومنع المواطنين الأميركيين من التهرّب من ضريبة دخلهم للخزينة، وذلك بجانب أهداف أخرى لمراقبة الشركات والمؤسسات والأفراد. لدى الخزانة الأميركية حواسيب ذات قدرات هائلة لتتبع أعمال وحسابات كل مواطن لبناني وكل مؤسسة لبنانية. تقدّم هيئة التحقيق الخاصة التي كان يرأسها محمد البعاصيري، والتي رُفعت السرية المصرفية من أمامها، إلى الخزانة الأميركية. لكن محمد البعاصيري، وهو رئيس مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو رئيس هيئة التحقيق الخاصة يقول جريدة السفير 02/04/2005 إن هذه المجموعة تسعى إلى تغيير الفكرة المأخوذة عن العالم العربي كمصدر للإرهاب وتمويله، وإن طبيعة عمل المجموعة تطوعيّة تعاونية، ولم تؤسس بالاتفاق بين أعضائها. هي لا تنبثق عن معاهدة دولية، هي مستقلة عن أية هيئة أو مؤسسة دولية أخرى تحدد عملها ونظمها وإجراءاتها . هيئة تطوعية مستقلة غير تابعة لأحد تتخطى في عملها السرية المصرفية المقدسة في لبنان، تموضعت صدفة في مصرف لبنان ويأخذ المتطوّعون فيها رواتب مرتفعة جداً من مصرف لبنان وتعمل لوجه الله ولتحسين صورة العرب في العالم وفي أميركا خاصة. صدّق محمد بعاصيري إن استطعت.

إن الحد الأدنى لأموال الشعب اللبناني المنهوبة في سنة 2019 ستصل إلى أكثر من 28 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الناتج المحلي القائم والمقدّر. والسؤال، كيف يتمّ نهب نصف الناتج اللبناني ومن ينهب شعب لبنان؟ سنحدد أدوات النهب هذه وسنركّز على أهمها ونقدر حجم نهب بعضها.

البُنى الاحتكارية للنظام

يمتاز لبنان عن بقية دول العالم بأن ليس لديه قوانين تمنع الاحتكار، بل لديه قوانين تحمي الاحتكار ـ حماية الوكالات الحصرية. تم بناء احتكارات جديدة منذ مؤتمر الطائف عبر خصخصة مؤسسات عامة، كما عبر قوانين جديدة، مثل قطاع النفط وتجارة المشتقات النفطية التي كانت امتيازاً للقطاع العام فتحوّلت الى احتكار خاص للتجارة في المشتقات النفطية والغاز المنزلي، بعد تعطيل وتدمير مصفاتي الزهراني وطرابلس ومنع إصلاحهما او إعادة بنائهما. تم بناء احتكار ضخم من شركات نفط اجنبية أُضيف اليها شركتان واحدة تابعة للرئيس نبيه بري، الذي سيطر على البنى النفطية في الزهراني، وأخرى لرئيس الحزب التقمي الاشتراكي وليد جنبلاط في الجية. تم تخصيص البريد وإنشاء شركة ليبان بوست بعد مضاعفة رسوم البريد أضعافاً عدة وأُعطيت امتيازات وصلاحيات خاصة برعاية الرئيس فؤاد السنيورة. تتحكم البنى الاحتكارية بسوق الدواء والمستشفيات، واستيراد المواد الغذائية ومدخلات قطاع البناء بما فيها تجارة الحديد والأخشاب الخ… . أما صناعة الإسمنت فتشكل احتكاراً ثلاثياً، يمنع إقامة مصانع جديدة في لبنان وينتج أكثر من حاجة السوق اللبنانية ويصدر قسماً كبيراً من إنتاجه إلى السوق العالمية. يبيع طن الإسمنت الأسمر في السوق المحلية بـ 120 للطن الواحد، ويصدر إلى السوق العالمية بسعر يتراوح بين 50 و60 للطن الواحد. ورفع هذا الاحتكار إنتاجه في العقود الثلاثة السابقة من 1.6 مليون طن إلى 10 ملايين طن حتى سنة 2016.

هناك البنية الاحتكارية المميّزة لقطاع المصارف، وهو القطاع الأكثر نفوذاً في لبنان. ليس في دول العالم ما يشبه جمعية المصارف اللبنانية، حيث يُمنع التنسيق و التشاور بين المصارف كي تحدد آليات السوق مستوى الفوائد، وبإشراف البنوك المركزية، من أجل ضبط كلفة الأموال، وخدمة القطاعات الاقتصاد كافة. كما تشكل المصارف التجارية جزءاً من بنية الأسواق المالية وليس كل السوق المالي كما هو الحال في لبنان. تمنع القوانين المعمول بها في العالم التنسيق بين المصارف . أما في لبنان فقد تم الاعتراف رسمياً بـ جمعية المصارف بعد مؤتمر الطائف، وأصبحت صنواً لمصرف لبنان، وأخذت في إصدار التعاميم التي تحدّد معدلات الفائدة بدل تركها لآليات السوق، وتساوم مع مصرف لبنان ووزارة المالية حول معدلات الفائدة على سندات الخزينة، وهو أمر غريب عن أداء أسواق المال في العالم. تتحكّم جمعية المصارف بالتشريع في القضايا المالية وذلك عبر نفوذها الواسع في مجلس النواب والوزراء، حيث يتلقى أكثرية النواب والوزراء الحاليين والسابقين رواتب من المصارف التجارية بحجة عملهم لدى المصارف كأعضاء في مجلس إدارتها أو كمستشارين لديها. تمنع جمعية المصارف من إقامة مصارف متخصصة للإقراض المتوسط والطويل الأجل، وقيام مؤسسات مالية للوساطة، كما إعادة قيام سوق مالية رسمية بورصة تقوم بمنافسة المصارف في إطار الوساطة المالية وتمويل الشركات. ينام قانون البورصة الذي وضعه مصرف لبنان في أدراج وزير المالية منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي. كما تمنع جمعية المصارف إقامة سوق مالية ثانوية فعلية وعميقة. تتوسع كلفة الوساطة المالية في لبنان إلى أكثر من خمس نقاط مئوية، بينما لا تتعدى كلفة الوساطة في العالم واحداً في المئة عادةً أي الهوة بين الفائدتين الدائنة والمدينة .

تشمل البنى الاحتكارية قطاع المطاحن المحميّ جداً والذي ينهب المال العام وقطاع التعليم بكل مراحله، ويعيق تطوير المدارس الرسمية كما الجامعة اللبنانية، وذلك لمصلحة التعليم الخاص التابع بمعظمه للطوائف، وبشكل خاص للجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، على صعيد التعليم الجامعي.

تطول قائمة البنى الاحتكارية الشاملة التي تتحكم بجميع قطاعات الاقتصاد اللبناني. اشترطت السوق الأوروبية إلغاء حماية الوكالات الحصرية عندما عقدت المعاهدة الاقتصادية مع لبنان. أقرَّ المجلس النيابي هذا القانون، وتأجل العمل بموجبه لبضعة أشهر حتى يتسنى للاحتكارات التجارية تصفية أوضاعها. ولم تنته الـ بضعة أشهر منذ تسعينيات القرن الماضي. تمّ إقفال صندوق الدواء دون مرسوم أو قانون، وكان قد أُنشئ لتأمين الدواء للقطاع العام وبنصف كلفة شرائه من القطاع الخاص، وذلك في سنة 1972.

باختصار شديد، يمكننا القول إن نظام الاحتكارات يرفع كلفة المعيشة للشعب اللبناني بنسبة 35 على الأقل، ويستنزف الاقتصاد اللبناني بمبلغ لا يقل عن 14 مليار دولار في السنة، ويرفع إسقاط البنى الاحتكارية الدخل الحقيقي لكافة اللبنانيين بنسبة لا تقل عن 35 . فلماذا لا يتكلم أرباب الحكم عن هذا النهب الكبير والفساد العظيم في النظام اللبناني؟ البنية الاحتكارية تموّل رجال السياسة وتشتري ولاءهم.

قطاع المال

يتولى مصرف لبنان مهمة السياسة النقدية والإشراف على السوق المالية، وبشكل خاص على قطاع المصارف، الذي يتكوّن من مصارف تجارية فقط ـ بعد دفع المصارف المتخصصة الى الإفلاس في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد إلغاء البورصة وعدم سماح القطاع المصرفي بتجديدها وإعادة العمل بها. فقانون البورصة ينام في أدراج وزير المالية منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي.

لم يقم المصرف المركزي بدوره في تنمية الاقتصاد اللبناني، وانحصرت استهدافاته ـ بعد مؤتمر الطائف ـ بربط سعر صرف الليرة بالدولار الذي تحدد السياسات الأميركية سعر صرفه بالنسبة للعملات العالمية، ويتذبذب سعر صرفه الحقيقي بمعدلات واسعة ، وبزيادة ربحية المصارف ورفع ملاءتها وزيادة رؤوس أموالها، وهو هدف غريب في حقل السياسات النقدية في العالم. نتج عن هذه السياسة رفع سعر الصرف الحقيقي لليرة إبان تسعينيات القرن الماضي بما يقارب 100 ، وتم طرد القطاع الخاص من سوق الإقراض بسبب ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية على سندات الخزينة الى حوالي 18 كمعدل سنوي.

أدّت هذه السياسات النقدية الى إلحاق أضرار فادحة بقطاعات الإنتاج وتدني قدرة السلع والخدمات اللبنانية على المنافسة داخل لبنان وخارجه، وإقفال آلاف المصانع أو تهجيرها إلى أسواق سورية ومصر والخليج. كما أن هذه السياسات النقدية ساهمت في تراجع نصيب قطاع الصناعة الى ما لا يزيد عن الـ 4 من الناتج المحلي القائم بعد ان كان في حدود الـ 16 في السبعينيات. وكذلك انهار إنتاج القطاع الزراعي الى حوالي 4 من الناتج المحلي القائم.

أدت هذه السياسات الى ارتفاع ربحية المصارف وثروات الأثرياء، وإلى تدفقات نقدية كبيرة إلى السوق المالية اللبنانية، ليس للتوظيف المنتج بل للمضاربات والاستفادة من الفوائد الحقيقية الفاحشة على سندات الدين اللبنانية. أدّى ذلك أيضاً الى تسارع نمو الدين العام، والذي ارتفع من 1.75 مليار دولار في أواخر سنة 1992 الى ما يقارب الـ 100 مليار دولار اليوم أرقام الدين العام الرسمية لا تحتسب الديون غير المسنّدة، وتطرح من قيمة سندات الدين كل ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان، ومنه ودائع الضمان الاجتماعي . إن امتناع المصارف عن زيادة إقراضها للخزينة ودفع مصرف لبنان الى زيادة نصيبه من إقراض الخزينة حتى قارب الـ 50 من مجمل الدين المسنّد، والى ضخ كميات كبيرة من السيولة في السوق وإعادة سحب السيولة الفائضة عبر شهادات إيداع بفوائد تفوق الفوائد المماثلة على سندات الخزينة بواحد في المئة، وكذلك دفع فوائد مرتفعة على ودائع المصارف بالعملات الأجنبية خاصة لدى مصرف لبنان. بجانب كل ذلك ابتدع مصرف لبنان الهندسة المالية التي يوزع عبرها الفوائد غير المستحقة على المصارف، وعلى حساب المال العام.

إن مجمل هذه الآليات تؤدي الى ضخ أرباح فاحشة الى المصارف وجيوب الأثرياء في لبنان والخارج. أصبحت السيولة الفائضة عن حاجة السوق في لبنان ضخمة جداً وتشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد. من المعترف به عالمياً أنه إذا زاد حجم الكتلة النقدية لأي بلد عن 90 من الناتج المحلي على الأكثر، تتحول الى عبء على الاقتصاد. في لبنان نمت الكتلة النقدية الى 400 من حجم الناتج المحلي وشكلت عبئاً كبيراً تستنزف المال العام وتُقعد الاقتصاد وتحول مردود الديون الى الخارج. فقرار المصارف تمسك به المصارف الكبرى وقرارها بيد أكبر المساهمين فيها. وأكبر المساهمين يتمثل بالبنوك الأجنبية. فـ بنك اوف نيويورك يمتلك وحده 34.37 من أسهم بنك لبنان والمهجر، بينما تمتلك عائلة الأزهري 2.82 من أسهمه. ويمتلك دويتش بانك 29.3 من أسهم بنك عوده، بينما تمتلك عائلة عوده 7 منه. في إطار الشركات الكبرى، من المعروف أن مَن يمتلك أكثر من 15 من أسهم الشركات يسيطر على إدارتها وتوجيهها. فالمصارف اللبنانية تهتم فقط بتعظيم أرباحها وتفرض سياسات مناقضة للمصلحة الوطنية اللبنانية في السوق المالية، وعلى مصرف لبنان ووزارة المالية. تقول جمعية المصارف فالنظام المصرفي اللبناني هو جزء من هذا النظام المصرفي العالمي والذي تسيطر عليه الخزينة الأميركية أو إجماع واشنطن لمصلحة الولايات المتحدة واستهدافاتها، وتتعاون السلطات المالية والنقدية في لبنان مع الإدارة الأميركية من أجل حماية لبنان ونظامه المالي . السفير 16/05/2016 .

عبر هذه التركيبة اللبنانية التابعة تمّ بناء آليات يتم عبرها ضخّ كامل أرباح مصرف لبنان، والتي تقدّر بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً إلى المصارف، بجانب ما تضخّه الهندسات المالية التي بلغت سنة 2016 أكثر من 5.5 مليار دولار، ناهيك عن الفوائد الحقيقية الفاحشة على الدين العام، وكميات سندات الدين التي كانت تقدّم للمصارف بما يفيض كثيراً عن حاجة الخزينة، وذلك تلبية لمصالح المصارف والمضاربين.

نتيجة مجمل السياسات النقدية والمالية والاقتصادية تم إفقار الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، منذ وصول الرئيس الحريري الى السلطة. تشير دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ـ بيروت ـ لسنوات 92 99 الآتي:

ارتفاع دخل الطبقة العليا بمعدل 4.8 سنوياً.

تراجع دخل الطبقة الوسطى بمعدل 8.4 سنوياً.

تراجع دخل الطبقة الدنيا بمعدل 4.6 سنوياً.

أدّت مسيرة الإفقار هذه ونمو الفروقات الطبقية للمداخيل حسب تقرير للإسكوا في أواسط سنة 2016، إلى تراجع الأمن الغذائي لدى السكان في لبنان، بحيث أصبح 31 منهم غير قادرين على تناول طعام صحّي ومغذٍّ على مدار سنة . دفعت هذه الحاجة أعداداً متزايدة من الشعب للاستدانة من المصارف لتلبية احتياجاتها الملحّة، وقال مدير عام وزارة المالية ألان بيفاني في 20/11/2015 إن 864 ألف فرد ومؤسسة أفادوا من تسهيلات مصرفية بحلول حزيران . وقال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ارتفع عدد الأفراد المدينين للمصارف اللبنانية من حوالي 70,000 عام 1993 إلى أكثر من 700,000 حالياً الأخبار 16/09/2015 . وارتفعت تسليفات المصارف للأفراد الى 27,060 مليار ليرة في سنة 2015، أي الى 29.17 من مجمل تسليفات المصارف لقطاعات الاقتصاد، مقارنة بنسبة 1.15 للزراعة و 0.19 للصناعة.

يمكننا القول إن ما يتمّ نهبه من المال العام والخاص، نتيجة الفوائد الفاحشة ونتيجة آليات تحويل أرباح مصرف لبنان وحقوق الخزينة، ونتيجة الأرباح والفوائد غير العادلة للأفراد والقطاع الخاص، تفوق سنوياً الـ 9 مليارات دولار. يمثل هذا الرقم حوالى 3.8 من حجم الكتلة النقدية في لبنان.

نهب حقوق وأموال الخزينة

تبلغ واردات الخزينة من ضريبة الأرباح على أصحاب العمل 7 من واردات الموازنة، وضريبة الدخل على الأفراد 8 ، كما تبلغ واردات الخزينة من الضرائب غير المباشرة 85 . في معظم دول العالم، تبلغ الضرائب على الأرباح والمداخيل 80 من الضخّ الضريبي ضرائب تصاعدية على شرائح الدخل الموحّد . أي أن على السلطة في لبنان رفع واردات الضرائب المباشرة نسبة 65 عبر تشريعات جديدة كما عبر كشف حسابات المكلفين من قبل وزارة المالية، ورفع السرّيّة المصرفيّة عن هذه الحسابات حتى لا يتمكن المكلفون الأثرياء وأصحاب المداخيل المرتفعة والمصارف والشركات والمؤسسات من التهرب من ضريبة الدخل، كما يفعلون بحماية السرّيّة المصرفيّة. كما تمّ التشريع لإعفاء الأثرياء من ضريبة الإرث، عبر نقل ملكية الأموال في المصارف تحت غطاء السرّيّة المصرفيّة، و الحسابات المشتركة . تم تشريع قوانين تتيح تأليف شركات عقارية يتم تداول أسهمها وموجوداتها دون الخضوع لضريبة نقل الملكيّة. ولكن هذا الحق محصور بالنافذين فقط، حيث يحتاج تأليف شركة عقارية لقرار وزاري! ومَن هم القادرون على الحصول على قرار وزاري؟

يتم ضبط هدر المال العام أيضاً عبر إلغاء إعفاء العديد من المؤسسات والقطاعات من الضرائب، مثل المستشفيات والمدارس والكليّات والأوقاف ومؤسساتها، وكلها يبغي الربح ويحقق ارباحاً ضخمة غير خاضعة للضريبة. ومنع تهريب المستوردات من الجمارك عبر المنافذ الرسمية وغير الرسمية التي تقع تحت هيمنة الميليشيات الطائفية، أو عبر الرشوة والاحتيال.

يضاف إلى كل هذا الهدر للمال العام هدر الإنفاق العام عبر الوزارات وعبر مخصّصات المساعدات التي توزعها رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء.

يمكن تقدير أموال الخزينة المنهوبة عبر قوانين وتشريعات رسمية أو عبر آليات الفساد بأكثر من 7 مليارات دولار في السنة.

وإذا ما جمعنا تقديراتنا لنهب المال العام والخاص في هذا النظام، كما ورد أعلاه، فإن مجمل الأموال المنهوبة تصل الى حدود 30 مليار دولار سنوياً اليوم.

إن حل مشكلة لبنان المالية والاقتصادية تكمن في لبنان وليس في باريس أو واشنطن. وبإمكان حكم نظيف حقاً وغير خاضع لديكتاتورية رؤوس الأموال ولإجماع واشنطن أن يستعيد ولو ثلث الأموال المنهوبة من جيوش الفاسدين والمحتكرين، وأن يؤمن وفراً مرتفعاً للموازنة تمكّن الحكم من رفع نسبة التوظيف المنتج في الإنفاق العام الى أكثر من 50 بدل الصفر في المئة في مشروع موازنة 2020، وبإمكان حكم الشعب أن يضاعف المداخيل الحقيقية لأوسع الجماهير، عبر إسقاط نظام الاحتكارات وتطهير الفاسدين في الإدارة، وعبر الإنفاق الاجتماعي الضروري مثل تأمين التعليم والتطبيب اللائق والنقل العام عبر مؤسسات القطاع العام.

أمام كل هذا الفساد وشموليته لا مفرّ من إسقاط هذا النظام وكافة رموزه وقواه.

خبير اقتصادي لبناني

اضف رد