العلاقات الأميركية التركية بين العقوبات والضرورات الاستراتيجية

د. هدى رزق

يجتمع كلّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، في واشنطن في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي. من أجل البحث في العلاقات الأميركية التركية. يدّعي ترامب انّ أردوغان صديقه، ولكن كلما ساءت العلاقات الثنائية بين البلدين سيكون الفوز حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أما الخاسرون فهم الأكراد السوريون، الذين ما زالوا يعتمدون على النفوذ الأميركي مع أنقرة.

ساد اعتقاد انّ الرئيس التركي قد يلغي رحلته الى واشنطن بعد أن أقرّ مجلس النواب الأميركي تشريعاً يعترف بالمذبحة الأرمنية ويعتبرها إبادة جماعية، الأمر الذي اعتبره الأتراك خطوة مسيئة الى مشاعرهم وهم يخشون ان يكون وراءها عقوبات تحتم على تركيا دفع أموال كتعويضات…

قد يواجه أردوغان إبان هذه الزيارة احتجاجات كبيرة في الشوارع الأميركية وفي الكابيتوال هول، عقب العملية العسكرية التي خاضها في سورية نبع السلام ، كانت مواقف المشرّعين قد تأرجحت تجاه تركيا في فترة سابقة لكنها تفاقمت مع هذا التوغل في الأراضي السورية.

علاقة ترامب – أردوغان هي الجزء الوحيد من العلاقة الأميركية التركية التي تعمل الآن، والاتفاقات الثنائية ستحدث على الأرجح بين الرئيسين… ترامب هو لوحده المرتبط بعلاقة مع أردوغان لكن لا أحد، حتى في إدارته، يشاركه هذا التقارب، بل على العكس تماماً، في اجتماع عُقد في بروكسل في 24 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي صرّح وزير الدفاع مارك إسبر بأنّ تركيا وضعت الولايات المتحدة في وضع رهيب للغاية من خلال إطلاق عمليتها في شمال سورية.

وعليه فالصداقة بين ترامب وأردوغان لا تغيّر حقيقة أنّ العلاقات التركية الأميركية تمرّ بأزمة كبيرة لأول مرة في تاريخها. أظهرت عملية نبع السلام مدى غضب الكونغرس ضدّ أردوغان وترامب إذ يتصاعد الحماس لفرض عقوبات على تركيا، ونتيجة لكلّ هذه الديناميات السلبية، أصبح التوجه هو عزل تركيا.

المطلوب إذن من إدارة ترامب المضيّ قدُماً في فرض عقوبات على قضيتين خارج العملية العسكرية…

ـ الأولى تتعلق بالمصرف التركي هالك بنك ، الذي يتهمه المدّعون الأميركيون بالمشاركة في خطة للتهرّب من العقوبات الأميركية على إيران.

والثانية، سيُلزم مشروع القانون الرئيس الأميركي بفرض عقوبات على تركيا بموجب اتفاقية التجارة الخارجية CAATSA بسبب الـ أس 400 بشكل مباشر في مشروع القانون، والذي تمّ التصويت عليه.

كذلك سيتطلب مشروع القانون من السلطات الأميركية التحقيق في ثروة أردوغان وعائلته، وسيكون على الرئيس اتخاذ تدابير لتجميد أيّ أصول لأردوغان مرتبطة بالولايات المتحدة، لذلك يُعتقد انّ الرئيس التركي سوف يركّز على استعادة العلاقات الأميركية التركية التي تضرّرت بعد توغل أنقرة العسكري.

يعتقد الخبراء انه اذا استطاع أردوغان مقابلة بعض أعضاء مجلس الشيوخ المؤثرين الذين قد لا يزال لديهم بعض التعاطف مع تركيا، واستخدام التسويات لتسهيل أهدافه، مثل إطلاق سراح متين توبوز، موظف القنصلية الأميركية المسجون في تركيا منذ أكثر من عامين بتهم تتعلق بالإرهاب. او تأجيل تفعيل أس 400 ، أو فرض تأخير غير محدّد على عمليات التسليم المستقبلية لنظام الصواريخ، كما أوضحت مديرية صناعة الدفاع التركية، فإنّ الرئيس التركي ربما سيفوز بأصوات عدد من أعضاء مجلس الشيوخ لمنع تجاوز سلطات الرئيس عبر الفيتو.

إلا أنّ المشكلة تمكن في أنّ هالك بنك التركي المملوك للدولة التركية يواجه مجموعة منفصلة من العقوبات بسبب تسهيله المعاملات المالية التي ساعدت إيران على تجنّب العقوبات الأميركية، ومن غير المرجح ان يؤثر ضغط البيت الأبيض على إجراءات المحكمة من قبل وزارة العدل الأميركية. لكن ماذا في يد أردوغان؟

كشف الرئيس التركي يوم الخميس الماضي أنّ زوجة زعيم تنظيم داعش المقتول أبو بكر البغدادي كانت رهن الاحتجاز التركي. على الرغم من أنها كانت رهن الاحتجاز منذ يونيو/ حزيران 2018، لكن أنباء اعتقالها انتشرت فقط هذا الأسبوع، وبعد وقت قصير من اعتقال القوات التركية الأخت الكبرى لزعيم داعش، قد يكون هذا الخبر رسالة لتبيان انّ أنقرة جادة في محاربة داعش.

قد يستعمل أردوغان حجته الرئيسية دعم الولايات المتحدة لوحدات الحماية التي يعتبرها جناحاً عسكرياً من حزب العمال الكردستاني وانّ الولايات المتحدة الأميركية سلحتهم وهم يشكلون خطر على تركيا وكان لا بدّ من إبعادهم عن الحدود التركية.

أما ترامب فليس لديه على عكس منتقديه تعلق بالأكراد ولا العداء لتركيا، وقال عن الأكراد إنهم ليسوا ملائكة ، بينما يعترف بهم كمقاتلين وشركاء. ليس لديه مصلحة في التحيّز بين تركيا والأكراد. لكن أردوغان يرى أنّ عملية نبع السلام كانت بمثابة اختبار محسوس لأصدقاء تركيا. وهو يعتبر ترامب صديقاً ويتوقع تعاطفاً وليس تهديدات بفرض عقوبات.

تركيا التزمت بوقف إطلاق النار في 17 تشرين الأول/ أكتوبر بعد اجتماعها في 14 منه مع نائب الرئيس مايك بنس، يمكن إقناع ترامب من قبل أردوغان بأنّ وحدات حماية الشعب لم تختف بعد من المنطقة الآمنة، وبالتالي فإنّ العبء يقع على الأكراد وليس على تركيا. لكن على أردوغان ان يفهم انّ الولايات المتحدة تعتبر قوات سورية الديمقراطية شريكاً قيّماً، وطالما تمركز مقاتلوها خارج المنطقة الآمنة، فهم يرون انه على تركيا عدم قصفهم والا سيعاقبوها…

إلا انه وبالنظر إلى الطبيعة العدائية للعلاقات الأميركية مع موسكو، والعداء مع كلّ من دمشق وطهران، فإنّ عزل تركيا بشكل أكبر لا يمكنه إلا أن يعمل على تقييد الدبلوماسية الأميركية في سورية، هذه مبرّرات قد تكون مقنعة للكونغرس لوقف النزيف في العلاقات الأميركية التركية. إذ يرى مراقبون انه من الأفضل ان تعمل واسنطن مع شركائها الأتراك رغم الصعوبات…

اضف رد