Latest News

ثلاثة ممنوعات أميركية تدعم الفراغ التدميري في لبنان والعراق

د. وفيق إبراهيم

تتصاعد الانتفاضات في لبنان والعراق وسط انسداد كامل في إمكانية نجاح المتفضين بالإمساك بالسلطة، أو تلبية الحاكمين للمطالب الشعبية.

ما الذي يتسبّب بهذه الإشكالية؟

يتملّك المتظاهرون إحساس أنهم على قيد خطوة من تدمير نظام أفقرهم متسبباً بتعميم جوع ونشر ثقافة خنوع واستسلام بوسائط قبلية ودينية وطائفية الى جانب القمع الأمني، حتى غابت عنهم الأسس الأولى للحياة العادية من مياه عذبة وكهرباء وصولاً الى بطالة متضخّمة وديون عامة سرق أموالها السياسيون. بالمقابل، يعتقد أصحاب النظامين اللبناني والعراقي بأن هذه الاتنفاضات ليست الا اضطرابات يمكن تسويتها بوسيلتين تلبية قسم منها، فيما يبرر استخدام الوسيلة الثانية أي القمع الأمني، وكفى الله المؤمنين شر «التغيير».

لقد بدا ان طرفي الصراع مخطئان في حساباتهما، فلا الدولة استجابت لأي شيء مما تحتاجه الناس ولا المتظاهرون تحوّلوا «ثورة» تسيطر على الحكم.

هناك نتيجة أخرى كامنة خلف صراعات الشوارع وهو هذا الفراغ المتطاول الذي أصاب الدولة بشكل شبه كامل، محدثاً تعطيلاً للمجتمع وموظفي الطبقة الوسطى هذا في لبنان أما في العراق فيبدو أن الفراغ أصاب العاصمة بغداد ومعظم المحافظات ذات الغالبية الشيعية مع أنحاء سنيّة قليلة.

هذا لا يعني أن الفساد السياسي العراقي أصاب الشيعة فقط، لكن هؤلاء يتعرّضون لإفقار متواصل منذ خمسينيات القرن الماضي، ليسوا لانتمائهم المذهبي، بل لأن مناطقهم كانت طيلة هذه المدة خارج مكوّنات الحكم العراقي الأساسي. فالفساد لا يفرق في سرقاته بين أبناء المذاهب.

القاسم المشترك هنا بين العراق ولبنان يتعلّق بوجود أميركي فاعل في كلا البلدين، هناك احتلال عسكري أميركي للعراق أضفت الدولة عليه طابعاً شرعياً، فنصب فيه قواعد عسكرية وعلاقات سياسية مع قوى من مختلف مكوّناته الكردية والسنية والشيعية والأقليات. أما في لبنان فللأميركيين نفوذ سياسي كبير وقوي لدى معظم أجزائه السياسية وصولاً إلى حدود التنسيق الكامل مع الكثير منها، وازداد هذا التنسيق مع صعود أدوار حزب الله في لبنان والإقليم، فبات هاجساً يؤرق النفوذ الأميركي وأعوانه اللبنانيين بارتباطاتهم الخليجية والإسرائيلية لقسم منهم.

هذا ما يجعل الطرفين الداخلي اللبناني والعراقي أسيرين «أوامر أميركية» تحذّرهم من صعود الحشد الشعبي العراقي في البنى الدستورية للدولة، وصعود حزب الله في لبنان والإقليم، الأمر الذي يجعل معظم الأحزاب السياسية اللبنانية والعراقية منصاعة لأوامر واشنطن، وبشكل كامل له أبعاده التاريخية.

لذلك فان ما يمكن ملاحظته هو وجود حراكين اثنين ضمن الانتفاضة الواحدة، الأول يعكس الهموم الاقتصادية للبنانيين والعراقيين، فيما يعكس الثاني رغبة أميركية بتدمير الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

هذا ما جعل الأميركيين يتفقون مع «مواليهم» المحليين ضرورة الاندساس في انتفاضات بيروت وبغداد، وتوجيهها على نحو يلبي طموحات المتفضين والمشروع الأميركي. وهذه الثنائية ظهرت في تظاهرات كل من العراق التي ربط أصحابها بين إفقار العراقيين والنفوذ الإيراني في بلادهم ولبنان، حيث تعلن تيارات حراكه عن دور لسلاح حزب الله في الفساد الداخلي.

علماً أن الفساد السياسي في العراق يشمل بعض السياسيين من الشيعة المتحالفة مع إيران والسنة المتحالفين مع تركيا والسعودية وأميركا، والأكراد في كردستان جنة الفساد الاقتصادي والنفطي المدعوم أميركياً وتركياً…

فلماذا حصره إذاً في الميدان الشيعي المتحالف مع إيران؟ هذا الى جانب ان الفساد في العراق تاريخي ويرقى الى تأسيس الحكم الهاشمي فيه وصولاً الى حكم البعثيين حتى مرحلة صدام.

لجهة لبنان، فالمعروف ان الفساد السياسي فيه ابتدأ منذ تأسيسة في 1948 لكنه تفاقم الى حدود دفع لبنان الى انهيار اقتصادي كبير مع حريرية سياسية أدارته منذ 1992 وتفتح فيه حتى الآن بازاراً كبيراً من فساد سياسي شمل معظم زعامات الطوائف بتحاصص تديره القيادات الحريرية على معظم زعماء الطوائف.

أما الاستثناء الوحيد فيكون حزب الله الذي أمن حضوراً سياسياً له في مجلس النواب وعبر وزراء يؤدون دوراً رقابياً سياسياً له، وارتحل الى الإقليم «محارباً» الإرهاب في إبحاثه ومشاكله في قتاله عند حدود لبنان الشرقية.

وهذا يفضح التأثير الأميركي على وجهة التظاهرات في لبنان والعراق، أي محاولة تحميل أسباب إفقار المجتمع فيهما إلى اعداء النفوذ الاميركي عند حزب الله والحشد الشعبي.

ما هي أبعاد اللعبة الأميركية؟

تقوم الاستراتيجية الأميركية على إحداث فراغ دستوري كبير لتمديد الانتفاضات في لبنان والعراق من دون معرفة المشاركين في حراكيهما، وذلك بثلاث خطوات:

الاولى: شل الحكومات وعدم السماح بتشكيل حكومات جديدة. وهذا ما يحدث في بغداد وبيروت، حيث تتعمّد القوى الداخلية المتواطئة منع عقد جلسات ورفض تشكيل حكومة، بما يؤدي الى العجز عن تحقيق اي مطلب للمتظاهرين، فتبقى الانتفاضات ساخنة.

الثانية: توفير مواكبة إعلامية كبيرة للمتظاهرين تضخم اي حادث أمني يتعرضون له، وتتهم به الادوات الامنية الرسمية، فيما تؤكد مصادر موثوقة أن الكثير من الاحداث الامنية مفبركة و»مصنفة» من جهات عراقية معادية للحشد الشعبي وبتسهيلات اميركية. هذا الى جانب اعتراف حزب القوات اللبنانية المنصاع للأميركيين بأنه وراء إقفال الطرقات في بيروت وجبل لبنان وأجزاء من الشمال.

اما الخطوة الثالثة، فتذهب نحو منع أي حوار بين المتظاهرين والسلطتين السياسيتين في البلدين. فهذا من شأنه تمديد الازمة على قاعدة «حوار الطرشان»، الأطرش الأول يطلق مطالب متنوّعة أولها إسقاط النظامين، والثاني أي النظامين السياسيين يسمعان، لكنهما يعجزان عن تحقيق أي مطلب لشل البنى القانونية والدستورية في بلديهما، بما ينتج استمرار تظاهرات لا تنتج الا فراغاً خطيراً، يدفع بدوره العراق ولبنان الى تصدع مؤسساته السياسية وتفاعلاته الاجتماعية وعلى أساس إعادة تنصيب سلطات جديدة ليس فيها حزب الله والحشد الشعبي.

هناك إضافة مختبئة خلف سطور الخطة الأميركية، وهي تأثير المشهدين العراقي واللبناني على أحداث إيران بما يؤدي الى إسقاط جمهوريتها الإسلامية او إضعاف دورها الإقليمي، وأخيراً هذا حلم أميركي لن يكون أقوى من دوره العسكري المهزوم، وينتمي الى فئة الأحلام التي تراود المراهقين.

اضف رد