أناشيد «أبو الزلف» السوريّة على مسرح دار الأوبرا

دمشق ـ سامر اسماعيل

تابع الفنان عدنان فتح الله مشروعه الفني اللافت، مفتتحاً أمسية الفرقة الوطنية للموسيقى العربية بمقطوعة «سماعي عجم عشيران» لأمير البزق محمد عبد الكريم، وفاجأ المايسترو السوري جمهوره في دار الأوبرا ببرنامج حافل من روائع التراث في الموسيقى الشرقية، مقدماً مقطوعة من مقام «تحميل حجاز» يصوغ لحنيّ جديد وفق توزيع عالي المستوى استلهم فيه روح الموروث الشعبي من أغانٍ وأهازيج وموشحات سورية.

تميز برنامج الأمسية الفنية للفرقة الوطنية بتقديم موشح «يا غريب الدار» لمؤلفه أحمد المشتكاوي، إذ أعاد الفنان كمال سكيكر توزيع هذا الموشح بأسلوبية لحنية ومقامية أبرز من خلالها جماليات موسيقى الشرق وقدرتها على التعبير عن قوة الجمل اللحنية وعبقريتها اللامحدودة في تكوين جوقة من الآلات المنسجمة مع طابع الموشح كفن قائم بذاته.

تفرّدت أمسية الفرقة الوطنية بوصلة من «الزوالف السورية» التي أطلت على هذا النوع الغنائي السوري الأصيل فأدت الفرقة «الزلف الجزراوية» والحلبية والريفية والصحراوية بتوزيع جديد الفنان عدنان سعدو فتح الله، بمشاركة لافتة من الفنان عبد الناصر هاشم على آلة الزورنا.

يقول الفنان عدنان فتح الله انه فضل تقديم أشهر عملين من أعمال أمير البزق محمد عبد الكريم أبرزهما أغنية «رقة حسنك وسمارك» والتي أداها كورال الفرقة بدلاً من أداء لسوليست، إذ كان التمرين على هاتين المقطوعتين صعباً جداً، خاصة العمل مع أكثر من عشرين مغنياً ومغنية تمرنوا أكثر من شهر على إتقان العرب الغنائية.

يرى فتح الله أن سورية تملك إمكانات ومواهب عالية في الموسيقى والغناء الشرقي، معتبراً أن الجمهور لمس ذلك في الأمسية عبر مشاركة الفنان نزار عمران الذي عزف المقامات الشرقية على آلة الترومبيت بأسلوب فني راق، وعمران واحد من ثلاثة أو أربعة عازفين في العالم يؤدون المقامات الشرقية على آلة غربية الترومبيت. مشيراً إلى أن أمسية اليوم تميزت بعزف مقطوعة «ليلة القبض على فاطمة» للموسيقي المصري عمر خيرت، فمشروع الفرقة أساساً هو صون التراث الموسيقي بطريقة أكاديمية لناحية التأليف الموسيقي والبناء الهرموني والتوزيع الأوركسترالي الذي يقدم في الحفلات، بالإضافة إلى تقديم تجارب جديدة لمؤلفين موسيقيين يطرحون صوغهم الفني الجريء في كل أمسية تقدم في دار الأوبرا، فضلاً عن أن الفرقة عملت منذ تأسيسها عام 1990 على استضافة عازف مهم في كل حفلة تقيمها، معرّفةً الجمهور ببصمته الموسيقية.

يلفت فتح الله أن مشروع الفرقة الوطنية للموسيقى العربية، بالإضافة غلى مشروع موسيقى صلحي الوادي، هما تجربتان أنجزنا لمواجهة التيار المبتذل الذي كرّسته السوق النفطية عبر محطاتها التلفزيونية التي سعت إلى تخريب الذائقة السمعية لدى المتلقي، فنحن نشهد ويا للأسف اليوم أن كثيرا من الشباب والشابات من الجيل الجديد غير مطلعين على تجارب أم كلثوم أو محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش، وهذا ما يُعمل على إعادته الى ذهنية الأجيال الشابة من خلال التحفيز على البحث عن أعمال طربية خالدة في المدرسة الموسيقية العربية. وكشف فتح الله أن دار الأوبرا السورية تعمل حالياً على إنتاج أربعة ألبومات موسيقية للحفلات الأربع التي قدمتها الفرقة، والعمل جارٍ مع إدارة الدار على متابعة العمليات الفنية لطباعة الألبومات الأربعة من أغلفة وميديا وتسويق لها، فضلاً عن التأكيد على جودة تسجيل الصوت والتوزيع والاهتمام بأدق التفاصيل التي تضمن خروج هذه الألبومات بأبهى صيغة للجمهور.

وحول تقديم الفرقة مقطوعات غنائية مشتقة من «الزوالف السورية» يقول فتح الله: «لكل منطقة سورية في الزلف الخاص بها لناحية الكلام واللحن، إذ ظهر تأثير البيئة بشكل جلي وواضح في الكلمات، ومن ثم في البناء الموسيقي للحن، فالزلف كنوع غنائي من أهم قوالب تراثنا الشعبي الذي علينا صونه وتطويره وتقديمه بأفضل صورة».

من ناحيته، يقول العازف نزار عمران إن علاقته بآلة الترومبيت لم تتغير منذ خمسة عشر عاماً إذ عمل على هذه الآلة كي يخرجها من إطار هويتها الكشفية أو كآلة مراسم نحو هوية لآلة فصيحة قادرة على قول الجمل والمقامات الشرقية، إذ أصبت في ذلك مهارات عديدة قدمته اليوم في إطار أوركسترا شرقية، وهذا عائد إلى جرأة المايسترو عدنان فتح الله الذي ضمّه إلى أمسيته بقوّة فكانت هذه المشاركة الفرصة التي كان ينتظرها منذ زمن بعيد. موضحاً أنه حاول في أمسية الفرقة الوطنية للموسيقى العربية أن يخرج آلة الترومبيت من وظيفتها كآلة خاصة بأمسيات الجاز لتكون منافسة لآلة الناي وقادرة على التعبير عن المقامات الشرقية برشاقة وخفة آلات التخت الشرقي التقليدي، فهذا مشروعه الذي كان ينتظر تحقيقه منذ سنوات طويلة، آملاً في أن يكون وُفّق في ما يصبو إليه، فضلاً عن طموحه إلى تعليم طلاب المعهد العالي للموسيقى العزف على آلة الترومبيت الشرقي، فهو يسعى منذ زمن إلى تأسيس مدرسة في سورية لتعليم هذا الأسلوب الخاص في العزف.

يضيف عمران أنه خلال عمله على آلة الترومبيت لسنوات طويلة كوّن شراكات فكرية وفنية مع كثير من العازفين، مثل باسل رجوب ويزن صباغ، وثمة مشاريع عديدة مشتركة كان آخرها مع المايسترو عدنان فتح الله والفنان إياد عثمان من خلال فهم جماعي للخط الذي يُعمل عليه في الموسيقى الشرقية، عبر تقيم مقطوعتين هما «أحبك» و»مسمعي» التي تجمع بين مقامات موسيقى الشرق وتقنيات العزف على آلة غربية هي الترومبيت. ويعمل الموسيقيون السوريون اليوم على تثبيت مشروعهم الفني الذي عملوا عليه لسنوات في ظل الأزمة التي أصابت البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، للمحافظة على الموجود وتخفيف حجم الخسائر وتعويض غياب بعض الموسيقيين الذي غادروا سورية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق