ماذا يقول المغتربون السوريون؟ روسيا وسورية تتبادلان الوفاء

تامر يوسف بلبيسي

حكايات الدول كحكايات البشر، فيها بدلاً من الخبز والملح صدق ووفاء ومواقف ودماء، وفي ما يقابلها كذب ورياء ومكر ودهاء، وبعضٌ يستعمِلُ بعضاً ومَن يقيم للأخلاق في السياسة مكاناً يقابله مَنْ لا يقيم إلا للمصالح الحساب، وأهل الأخلاق في السياسة يتقنون حساب المصالح، لكنّهم يرون الأخلاق أساساً منها، لأنها تصنع المصداقية وتخلق الثقة وهي رساميل يعرفها البشر كما تعرفها الدول.

بين سورية وروسيا تاريخ من العلاقات يمتدّ عقوداً في السياسة المعاصرة، لم يشعر السوريون يوماً أنها تنال من سيادتهم، أو أنها تُملي عليهم لحساب الحليف مواقف أو تبعات، ولا شعروا في الأزمات أنهم بلا غطاء أو بلا سند وبلا حليف، وكانوا يستشعرون في المقابل أنهم حليف يُعتدّ به ويُعتَمَد عليه، وأنّ بلدَهم موضع فخر مَن يُحالف، ولو كان العكس لصار السؤال لماذا دائماً يتعرّض حلفاء سورية للترغيب والترهيب كيف يفكّون حلفهم بها، ولماذا تسأل سورية دائماً عن حلفائها وتشكل تحالفاتها هدفاً دائماً لأعدائها، ويوم تفتح ملفات التفاهم والتفاوض مع الذين خاصموها مراراً يكون أول الكلام عن التحالفات.

ما قالته كاترينا الثانية عن مكانة دمشق كبوابة لأمن موسكو قبل قرنين من الزمان وهي قيصر من قياصرة روسيا الذين سجل لهم التاريخ الانتصارات والإنجازات، لا يزال قولاً صالحاً اليوم ليردّده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما تصنعه الجغرافيا لا يتمكّن البشر من العبث به، لذلك كان السوريون يتساءلون عن الخلل الذي أصاب السياسة التركية التي تشتري الأزمات مع الجيران من روسيا إلى إيران إلى العراق وسورية وأرمينيا واليونان، حتى استبدلت شعارها الذي قام على «عداوات صفر مع الجيران» إلى «صفر جيران»، كأنها جزيرة وسط المحيطات لا جارَ لها يهتمّ لها وتهتمّ له.

في توقيت مناسب نجحت روسيا وسورية بتسييل المصادر العميقة لقوة العلاقة بينهما لفرض معادلة جديدة جعلت اللعبة التي أرادها البعض استنزافاً لسورية بواسطة التنظيمات الإرهابية المتطرفة وراءنا، فما كان مطلوباً هو أن لا تستردّ سورية عافيتها ولا تنهزم كلياً أمام الإرهاب، وها هي وقائع الميدان تقول إنّ ذلك أمر ولّى عهده، وها هو وزير خارجية بلدنا الحبيب وليد المعلم الذي صار بنظر الكثيرين علامة فارقة في الديبلوماسية، يقول إنّ العدّ التنازلي للإرهاب قد بدأ في سورية بفعل التعاون السوري الروسي.

ما حدث يوم أُسقطت الطائرة الروسية بنيران تركية على المستوى الشعبي في سورية، هو الذي يتحدّث عن طبيعة العلاقة بين البلدين ومستوى نجاحها، فالدول التي تتعاون ولا يصير تعاون قياداتها مشاعر وعواطف لدى الشعوب تكون قد فشلت في صناعة التحالفات، وتضع هذه التحالفات كلما تعرّضت لمحنة أمام الخطر، لأنها لا تملك الحماية من الشعوب، لقد شعر كلّ سوري أنّ النيران التي استهدفت الطائرة الروسية تمسّ شيئاً منه، وأنّ الطيار الذي استشهد واحد من طياري الجيش العربي السوري وكان الفخر الشعبي السوري بالعملية البطولية للجيش بإعادة الطيار الثاني سليماً، كما كان السوريون ينتظرون مواقف الرئيس الروسي ويتابعونها بمشاعرهم وهم يرفعون رؤوسهم فخراً بأنّ حليفهم فارس من فرسان السياسة الدولية وشجعانها.

يحبّ السوريون تودّداً تسمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «أبو علي» برمزية اللقب الشعبي وربطه بالفروسية والرجولة، كما يحبّون أن يروا القوة والضعف بمقياس الوقوف مع بلدهم أو مناصبته العداء، فيرون قوة روسيا ببركة الوقفة مع سورية وضعف تركيا بلعنة الانقلاب على سورية.

يقول المغتربون السوريون إنهم يحبّون كلّ بلاد العالم وشعوبها بقياس تعاملهم الطيّب مع السوريين الذين يعملون في بلاد الاغتراب ويُسهمون في نهضة البلاد التي يعيشون فيها بإخلاص ويحترمون مواقفها وحقوقها وقوانينها وخصوصيتها، حتى لو كانت مخالفة لما يحبّون، عندما يتعلّق الأمر ببلدهم، لكنّهم يُحبّون أن يميّزوا بمزيد من الحب والاحترام مَن يقف مع بلدهم وقضاياه، وهذا حال كلّ شعب فلا يعتبنّ أحد علينا إنْ أحببنا بلده، لكننا أحببنا بلدنا أكثر.

مغترب عربي سوري في الكويت

رئيس مجلس إدارة قناة «زنوبيا» الفضائية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى