الأسد وتغيّر النظرة الأوروبية… الأسباب والدوافع

جمال الكندي

التغيّر السريعة مؤخراً في التصريحات الأوروبية تجاه الرئيس بشار الأسد، والتي كانت فاتحتها التصريحات الأميركية في إمكانية مشاركة الجيش السوري في حلف محاربة «داعش»، تعتبر من منظومة الفكر البراغماتي الأميركي الذي يتغيّر بتغيّر المعطيات، وهذا ما تتميّز به السياسة الأميركية، وطبعاً حينما تتغيّر السياسة الأميركية تجاه أيّ قضية في الشرق الأوسط تكرّ المسبحة الأوروبية وراء ما يقوله الأميركان ،ما عدا من لا يعلمون في السياسة شيئاً، ويعتمدون على تغيّر مواقف الآخرين بالبترو دولار، وهم باتوا معروفين وتحرّكهم الشخصنة السياسية إنْ صحّ التعبير، وعقولهم السياسية تحرّكها ايديولوجيات طائفية تتلاقى مع المصالح الأميركية.

من هنا بدأت عداوة هذه الأنظمة للرئيس الأسد، وحدّدت لها وبتناغم غربي وإقليمي عناوين معينة كان الغرض منها استمالة المجتمع العربي والغربي إليها وإلى ما تنطق به آلتها الإعلامية، وجعل القضية في عيون العالم قضية رأي عام دولي وحقوق إنسان. إنها الشماعة التي يُراد من خلالها استهداف كلّ نظام لا يمشي وراء الفكر الأميركي والغربي، وطبعاً أدواته في المنطقة هي بعض الرجعيات العربية التي تنفذ وتقول سمعاً وطاعة لأنّ في بعض مفردات هذا الاستهداف نصراً معيّناً لها بسبب المنطلق الايديولوجي والفكري.

إنّ تلاقي المصالح بين الغرب وبعض المسمّيات العربية في المنطقة، وإجادة أميركا اللعب على المتناقضات في البنية الفكرية والاثنية للمجتمعات العربية عموماً وللمجتمع السوري خاصة، ولد هذا التحالف الشيطاني الذي دمّر وما زال يدمّر سورية والعراق واليمن.

مشكلة الأميركان والأوروبيّين تجاه أدواتهم أنهم يتغيّرون لأسباب معينة، ويلعبون بأدواتهم ويحرجونهم في كثير من الأوقات، وذلك لسبب معيّن لا يعرفه اخوتنا العرب وهو انّ السياسة فنّ الممكن، وهي هلامية الشكل انْ صحّ التعبير، تتغيّر بتغيّر الواقع والميدان وتجدّد المعطيات على الأرض.

الأسد تغيّر في عيون الأميركان والأوروبيين! فبعد ان كان رجالات البيت الأبيض يتقوّلون برحيله صبح مساء، نرى اليوم أنّ النغمة تغيّرت وتبدّلت وأصبح الأسد هو الضامن والحامي لأمن المنطقة بأكملها، وهو مفتاح القضاء على الإرهاب الذي نراه اليوم يدخل وبدون استئذان إلى الساحات الأوروبية والعربية، وهذا بسبب وهم زرعه أعداء سورية أسمه «الجهاديون»، فقالوا إنهم هم من سينتصر لأميركا و»إسرائيل» من عقدة اسمها الرئيس بشار الأسد، فانقلب السحر على الساحر كما يُقال، وأصبح من يستهدف الأسد في عرينه يهدّد الأمن والسلم الأوروبي والأميركي، لذلك كان لزاماً ان تتغيّر النغمة الأميركية والأوروبية تجاه شخص الرئيس الأسد وتبدأ معها المراجعات التي ولّدت التخبّطات في التصريحات من هنا وهناك… مرة تقترب من الأسد ومرة تحاول إرضاء البنك المتنقل الداعم للإرهابيين في المنطقة.

انّ تغيّر اللهجة الغربية تجاه الأسد لها دوافعها ومبرّراتها، فبعد خمس سنوات من الدعم المادي واللوجستي والإعلامي التحريضي ضدّ الأسد، اعترف الغرب ولو من وراء الكواليس بأنّ الرئيس السوري الأسد يمتلك قاعدة شعبية كبيرة ليس فقط في مناطق نفوذه كما كان يروّج لها حلفاء أميركا، بل أتضح ان شعبيته هي سورية وهي من أسباب ثباته على الأرض، ولو كان الموضوع كما تروّج له الآلة الإعلامية المناهظة للحكومة السورية لرحل الأسد إلى موسكو أو طهران كما رحل حلفاء أميركا بسبب الثورات العربية.

أدرك الغرب أنّ الأسد قائد لجيش نظامي عقائدي بوصلته فلسطين والجولان وعدوّه الأول هو الكيان الصهيوني، والحركات المسلحة على الأرض السورية والتي لا تعرف لها هوية واضحة هي الخطر على كيان الدولة السورية الموحدة وتنوّعها وعلمانيتها، حينما أدرك الجندي السوري ذلك حارب خلف قيادته مستبسلاً دفاعاً عن الأرض والعرض والوطن، وهذا ما أذهل الأميركان وجعلهم يتخبّطون في تصريحاتهم لأنهم كان يعتقدون أنّ من سيقف وراء الأسد هم فقط من ينتمون إليه، فلم يدركوا أنها مسالة وطن وعقيدة قتالية تربّى عليها كلّ مواطن سوري منذ صغره، وأثمرت هذا الصمود التاريخي والأسطوري الذي أسقط كلّ المخططات ضدّ سورية العروبة.

التقدّم الميداني الكبير للجيش السوري، وسقوط أدوات الغرب على الأرض واحدةً تلو الأخرى، كان من عوامل تغيّر اللهجة الغربية تجاه شخص الرئيس الأسد، وإدراك الغرب بأنّ هنالك حلفاء لسورية صامدون في دعم حليفهم الأسد، ومدركون لقواعد اللعبة السياسية ويستثمرونها باستنزاف الأميركي وأدواته على الأرض السورية، وكانت من أسباب الوصول إلى تفاهمات معيّنة تتجنّب الحديث الذي أصبح مملاً عن مستقبل الرئيس الأسد، والتدرّج الزمني للغرب في مسألة ترك مصير الأسد للشعب السوري أصبح واضح المعالم، وإنْ لم يعلن ذلك صراحة.

التغيّر الكبير الذي حدث عند الأميركان والأوروبيين هو في طيّ صفحة الحديث السابق والذي يردّدونه بأنه لا مكان للأسد في أيّ مرحلة انتقالية في سورية، وهذا لم يكن ليحدث لولا ثبات الجيش السوري واللحمة الشعبية الكبيرة وراء الرئيس الأسد وجدية حلفاء سورية في الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي للحكومة السورية.

هي فرصة اليوم أكثر من غيرها لإحداث تغيّر في بنية التحالف الغربي في شأن سورية، فبعد خمس سنوات من الدعم الغير محدود للأدوات على الأرض ماذا حصدت أميركا وأوروبا من ورائهم؟ حصدت مارداً متعطشاً للدماء اسمه «داعش» وأخواته، والذي خلط جميع الأوراق فبعد ان كان أداة من أدوات محاولة إسقاط الأسد لإيصال سورية إلى «الفوضى الخلاقة» حسب التوصيف الأميركي، أصبح اليوم يهدّد السلم الأوروبي بل العالمي، وكشفت الأحداث انّ الحليف التركي هو من يسمّن هذا الكائن الذي رأينا كيف أرعب فرنسا وغيّر من تصريحات رئيسها الذي اعترف وقال بأنّ عدونا الأول ليس الأسد بل هو «داعش»، وهذه هي العناوين المقبلة لتسوية الأزمة السورية على أساس محاربة «داعش» ومن يدور في فلكه والمحافظة على وحدة الأرض السورية وهو ما سنشهده في اجتماع نيويورك المقبل.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى