الأصول الفلسطينية… بين الحقيقة التاريخية والنفاق اليهوديّ

بقلم الباحث فايز مقدسي

بحسب الدراسات والأبحاث التاريخية الحديثة، وبعد اكتشاف عدد من الألواح المسمارية والأبجدية في سورية والعراق ولبنان والأردن، وبعيداً عمّا جاء في التوراة من نصوص لا علاقة لها بالتاريخ والواقع، فهناك جماعات بشرية من حوض البحر المتوسط، ومن بعض الجزر التابعة اليوم لليونان وعلى رأسها جزيرة كريت، جاءت فجأة باتجاه سورية الطبيعية وتمكّنت بقوّتها العسكرية واستخدامها الحديد للمرّة الأولى في صنع الأسلحة، من أن تدمّر ممالك كثيرة على ساحل المتوسط، وأن تتغلّل في كلّ أرجاء المنطقة، وأن تستولي على عدد من الممالك والمدن السورية القديمة.

من بين هذه المجموعات البشرية المتوسطية، كانت مجموعة يُعتقد أنها أتت من جزيرة كريت، وهي المجموعة التي كانت تحمل اسم «الفلسطينيون»، من كلمة قديمة هي في الأصل «Phlistia» «فليستا»، دخلت أرض كنعان أو فلسطين، واستقرّت على ساحل المتوسط جنوب سورية، أي اليوم شريط غزة. وهناك مجموعة أخرى من الفلسطينيين استقرّت جنوب جبل الكرمل. وكانت جماعة أخرى من الفلسطينيين قد حاولت دخول مصر، غير أنها لم تنجح عسكرياً. وكانت قد قدمت من البحر المتوسط عن طريق جزيرة قبرص.

لعلّ تلك المجموعات البشرية كلّها، والمتفوّقة عسكرياً على جيوش المناطق التي دخلت إليها، جاءت مع السوريين المحاربين الأشداء كالحثيين والميتانيين والحوريين، والذين أطلق عليهم المصريون في الوثائق القديمة اسم «الهكسوس». والاسم يعني الفرسان أو الخيّالة، لأنهم كانوا أوّل من أدخل الحصان إلى الهلال الخصيب وإلى مصر بحيث أنّ بعضهم تمكّنوا من احتلال مصر الفرعونية حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأسّسوا سُلالة مالكة حكمت مصر زمناً طويلاً قبل أن يتمكّن المصريون من إخراجهم من مصر.

الساحل الفلسطيني الذي استقرّ فيه الفلسطينيون المتوسطيون امتد ـ وعلى نحو دائم ـ من غزّة إلى جنوب يافا. و كانت مدنهم الكبيرة آنذاك هي: غزة وعسقلان وأشدود وعثرون وجات، أو ربما «تل عرق» المنشية اليوم. ولقد انتشر مع وصولهم اسم جزيرة كريت، التي يرد اسمها أيضاً في النصوص التوراتية في صيغة «كفتور» سفر عاموس وسفر آراميا . ولو لم يكن للفلسطينين علاقة بكريت، لما ذكرها كتبة التوراة. بينما نعلم من نصوص أوغاريت الألف الثاني قبل الميلاد أنّ أحد أهم الملوك في سورية آنذاك، كان الملك الذي يحمل اسم جزيرة كريت، واسمه في النصوص يأتي في صيغة «ك ر ت»، أي «كيريت»، أو السلالة الملكية الكريتية. وما يربط هذا الملك بتاريخ الأردن وفلسطين أنه يقصّ كيف أنه فقد ذريته كلها و زوجته، فظهر له الله في الحلم وقال له أن يذهب إلى أرض كنعان/فلسطين، ويتوجّه إلى مملكة يُعتقد أنها كانت تقع في الأردن اسم الجالس على عرشها هو «بافل»، وأن يطلب منه يد ابنته الأميرة التي تُطلق عليها نصوص أوغاريت اسم «حورية»

أو «حوريت»، أو «حوراي»، ما يدل على جذورها السورية الحورية. وزواج الملك «كيريت» منها يدلّ على امتزاج الأجناس السورية في ما بينها، وهو أمر «نهى عنه الله في التوراة» ونبّه العبرانين إلى عدم الزواج والاختلاط بالكنعانيين والحثيين سكان فلسطين القديمة.

ولقد حرص الفلسطينييون في فلسطين على أن يكونوا دائماً قريبين من ساحل البحر. و لم يفضّلوا التوغّل إلى الداخل بعد دخولهم إلى أرض كنعان، ما يدل على أصولهم البحرية. كما أنّ الوثائق القديمة أثبتت أنهم سبقوا أخوتهم الفينيقيين ـ الكنعاتيين في الأسفار البحرية واكتشاف البحر المتوسط. كما أنهم قاموا ببناء مدينة «اللدّ» ومدينة «صقلع»، ثم توسّعوا إلى الداخل واستولوا على عدد من المدن الكنعانية. أما العبرانيين، فلا ذكر لهم سوى أنهم خضعوا لسيطرة الفلسطينيين الذين أدخلو الحديد إلى فلسطين وكانوا قوّة عسكرية لا تُقهر، حاربوا «الإسرائليين» وأخذوا منهم تابوت العهد واحتفظوا به، وهو التابوت الذي كان يضمّ ألواح وصايا موسى.

والرسوم والأنصاب التي تمّ العثور عليها في فلسطين تُعطي فكرة عن أشكال الفلسطينيين القدماء وتُبيّن معالمهم الأوروبية ـ المتوسطية ـ المشرقية. والجِرار الفخارية التي تمّ العثور عليها تُماثل إلى حدّ بعيد الجِرار التي تمّ العثور عليها في جزيرة كريت.

ونعلم أنهم شكّلوا خمس مدن ـ ممالك كانت تشكّل في ما بينها اتحاداً سياسياً وعسكرياً. ومن المثير للانتباه، أنّ كل ملك من ملوك المدن الفلسطينية كان، وكما بيّنت النقوش، يحمل اسم «سيرين SEREN» انظر سفر يشوع والقضاة وصموئيل . وهو الاسم نفسه الذي يأتي في نصوص أوغاريت ليدلّ على اسم «سورية»، أو «سوري» سيرين أو شيرين ، وبمعنى الأرض من جبال لبنان إلى كلّ أنحاء بلاد الشام الأخرى. وأن يحمل الملك الفلسطيني اسم «سوري»، فهو أولاً أمر يدلّ على السيادة، كما يدلّ اسم سورية. وثانياً يثبت موضوع أن الفلسطينيين استقرّوا في سورية واختلطوا بسكّانها الأموريين قبل دخولهم إلى أرض كنعان الجنوبية أي فلسطين.

ومن المفردات الفلسطينية القديمة التي بقيت كلمة «ق ب ع»، وتدل على الخوذة التي يضعها الجندي على رأسه والتي نستعملها إلى اليوم بمعنى غطاء للرأس أو «قبّعة». وهي من أصل لغوي حثّي سوري، وقد دخلت هذه الكلمة إلى اللاتينية في شكل «كبوت» لتدلّ على المعطف ثمّ عادت إلينا من اللاتينية فصارت «كبوت» تعني أيضاً المعطف. ما يدل على كون الفلسطينيين ومنذ البدء من المجموع السوري الذي تشكّل عبر التاريخ من امتزاج سومري ـ أموري ـ حثّي ـ ميتاني ـ كنعاني ـ فينيقي ـ آشوري ـ آرامي.

في عودة إلى جزيرة كريت

ثمّة حكاية معروفة وفيها دلالة كبرى، هي حكاية الأميرة السورية الشهيرة «أوروبا»، التي بحسب الأسطورة، خطفها الإله اليوناني «زوس»، وقد اتّخذ شكل ثور. ولما تراءى لها بشكله الحقيقي وأخبرها أنّه وقع في هواها وأنّه يريد الزواج بها وأن تعيش معه في بلاد الإغريق، أخبرته أنها لا تتحمّل الغربة عن بلادها وأهلها. وحتى يجعلها زوس لا تشعر بالغربة، مضى بها إلى جزيرة كريت وتزوّجها هناك. والحكاية تبيّن ـ ولو رمزياً ـ أن جزيرة كريت لم تكن أرض غربة بالنسبة إلى شخص آتٍ من سورية. وأن ـ وبهذا الزواج الرمزي ـ تمّ الاتحاد بين سكان كريت وسكان سورية. والأمر تدلّ عليه حكاية الأمير السوري «قدموس» الذي مضى يبحث عن أخته «أوروبا» فحمل معه الأبجدية الفينيقية وعلّم اليونان الكتابة ثمّ تزوج من أميرة يونانية و«ربّة» أيضاً هي «هارمونيا». وكلمة «هارمونيا» كما لا يجهل أحد، تدلّ على الانسجام والتوافق وتشير رمزياً إلى انسجام كلّ سكان المتوسط في مجموعة واحدة من بينهم الفلسطينون. ولا ننسى أنّ اسم «قدموس» أو «قدمو» يعني المشرقي أو القادم من الشرق. وربما أحفاد الأميرة «أوروبا» أو أحفاد «قدموس»، أو أحفاد «مينوس» السوري ابن «أوروبا» الذي أصبح ملكاً على كريت في ما بعد، أو أحفاد الأميرة السورية «أليسار» أو «عليشت» التي مضت إلى قبرص وكل جزر المتوسط، ومعها الكاهنات العذارى والبحّارة، وأسّست مدينة قرطاجة على ساحل تونس. ولا شكّ في أن زواج الكاهنات العذارى الفينيقيات في قبرص وغيرها من الجزر ترك أحفاداً كثيرين، ومن تلك الجزر أيضاً جزيرة مالطة التي سكنها السوريون سورية الطبيعية زمناً طويلاً في ما مضى، ولا يزال أحفادهم يعيشون فيها إلى اليوم. وأهل مالطة يتحدّثون بلغة هي نفسها تقريباً اللغة السورية الفينيقية القديمة. واسم مالطة نفسه من جذر سوري قديم هو «م ل ط» أي أفلت أو هرب. وهي كلمة لا تزال مستعملة في كل أنحاء بلاد الشام وبالمعنى نفسه. والسوري الذي يستمع إلى الصلاة المسيحية «أبانا الذي في السماوات» بلهجة أهل مالطة، لا يعاني من مشكلة في فهمها. وكلّ هذه الأسس المشتركة اجتماعياً ولغوياً في عيش مشترك دام زمناً طويلاً هو الذي أعطى وحدة المجموع السوري في كل أرجاء الهلال الخصيب وعلى رأسهم الفلسطينيون.

أمّا مقولة إنّ الفلسطينين قبائل عربية أتت من الجزيرة العربية مع الغزو الإسلامي، فمن الأهون على الإنسان أن يصدّق كتب التوراة من أن يصدّق تلك الحكاية.

نحن نجد أنّ الفلسطينيين وصلوا حضارياً إلى أعلى المراحل في النصف الثاني من القرن الحادي عشر ـ يعني قبل التاريخ المفترض لدخول العبرانيين إلى أرض كنعان ـ وإذا صدّقنا ما ترويه التوراة، فهذا يعني أن الفلسطينيين كانوا في أرض كنعان قبل اليهود وكانت هي بلادهم مع الكنعانيين والحثيين والأموريين الذين تشكّلَ الشعب الفلسطيني من امتزاج تلك الجماعات السورية.

ونعرف أنه، وعند بدء دخول القبائل العبرية إلى فلسطين، فإنّ الملوك الكنعانيين والحثيين والأموريين في فلسطين لم يتردّدوا لحظة في التحالف والاتحاد في ما بينهم لصدّ هجوم البدو الرعاة ـ اليهود.

والجدير ذكره، وفي عودة إلى فكرة الحضارة، أن الفلسطينيين قديماً اشتهروا بمعرفتهم مع أخوتهم الحثيين والكنعانيين كيفية صهر الحديد وصنع الأدوات الضرورية للزراعة كالمنجل والفأس والمحراث، ثمّ الأسلحة وهو أمر تُشير إليه نصوص أوغاريت. وتطلق على الصانع الماهر في المعادن اسم «ك ث ر ـ كوثر» أي عالي المعرفة ، ما جعل منهم شعباً متطوراً كان له الفضل في نقل العالم من عصر البرونز إلى عصر الحديد. كما كانوا مع أخوتهم الهكسوس السوريين أوّل من استعمل المركبات التي تجرّها الخيول في النقل وفي الحروب، لا الجمل والناقة. ولم يسكنوا الخيام، بل البيوت والمدن.

من الناحية الروحية ـ الدينية، كان الفلسطينييون كأهل الهلال الخصيب كلهم، يتعبّدون للرب «داجان» أو «دجن». وهو رب الزراعة والخصوبة «بعل»، والذي من اسمه أتى فعل «دجن يدجن». وكانت مدينة «أشدود» مقرّ الطقوس الدينية للرب «داجان» ولشريكته الربّة الشهيرة «عشتروت» أو «عشتار».

ويجب ألّا ننسى أنّ من هذا المجموع السوري، وبشكل أخص الفلسطيني، خرج الشخص الفلسطيني الذي أعطى العالم أهمّ وأكبر عقائده الروحية: يسوع المسيح. والفلسطينيون هم، وفي الوقت نفسه، أبناؤه وأهله. وهو عاش وعلّم ومات وقام في ما بينهم. وأيضاً مريم العذراء الفلسطينية حفيدة «عشتار» التي تنتصب المنحوتات التي تمثّلها اليوم ومنذ زمن طويل في كنائس العالم كلّها، وهي الفلسطينية التي لا يناديها الناس سوى بلقب «السيدة»، وكذلك «مريم المجدلية» وهي فلسطينية أخرى من مدينة «مجدل» الفلسطينية وهي امرأة فلسطينية قامت بدور كبير وعالي الشأن في حياة المسيح.

ولكن، تمّ بذل الجهد تاريخياً وعقائدياً لمحو التاريخ الفلسطيني وجعله تاريخاً يهودياً لإبعاد الفلسطينيين عنه على أساس أنهم في الأصل قبائل جاءت إلى فلسطين على ظهور الجمال من شبه الجزيرة العربية مع الغزو الإسلامي في القرن السابع الميلادي. فلا حق لهم بأرض كنعان أو فلسطين. وكثيرون من الفلسطينيين حتى اليوم يصدّقون خرافة كهذه.

ألم يكتب محمود درويش: سجّل أنا عربي؟!

ومن الغرابة بمكان، أنّ القرآن يذكر كثيراً بني «إسرائيل»، ويعظّم من شأنهم وينزل كتاباً إلهيا اسمه «الزبور» على «داود» باعتباره من الأنبياء. ولكنه لا يأتي على ذكر الفلسطينيين أبداً. ولا أحد يعرف شيئاً عن هذا الكتاب ولعلّه تحريف لكلمة «مزمور».

و«مزامير» التي سبق لليهود نقلها عن النصوص السورية القديمة مثلها في ذلك مثل «نشيد الإنشاد» المنقول عن نصوص وقصائد «العرس المقدّس» السومرية، علماً أنّ «داود» لم يتورّع عن اغتيال أحد قادة جيشه واسمه «أوريا» الحثّي للتمتّع جنسياً بزوجته، والأمر مذكور في التوراة. غير أنّ القرآن يجعل منه نبياً من أنبياء الله كما فعل مع من تبقى!

«يوسف» يحكم مصر ويقوم على أمورها السياسية والمالية زمناً طويلاً، وعلى رغم ذلك، لا ذكر له في كل الوثائق المصرية القديمة، وهي وثائق كانت تذكر أقل الأحداث أهمية مثل ماذا كانت وجبة الفرعون، وماذا ارتدت الملكة من ملابس؟

أما شخص حكم مصر مثل «يوسف»، وبحسب الروايات الدينية، وكانت علاقته قوية مع الفرعون ومع زوجة الفرعون، فلا ذكر له في تلك الوثائق، ما يعني أنّ الحكاية كلّها ملفقة تلفيقاً. ولا أساس واقعياً لها.

مراجع

اعتمد الباحث في كتابة هذا البحث على مراجع عدّة يذكر أهمها بالفرنسية:

ـ كتاب «نصوص الشرق القديم والنصوص التوراتية» «Ecrits de l Orient ancien et sourceq bibliqueq»… مؤلفون عدّة.

ـ كتاب «تاريخ سورية» لفيليب حتّي.

ـ كتاب «نصوص أوغاريتية» «Textes ougaritiques»… مؤلفون عدّة.

ـ كتاب «التاريخ يبدأ في سومر» «L Histoire commence Sumer»… س. كرامر.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى