مدوّنة سلوك أم قواعد للأخلاق؟

بشير العدل

لا زالت الجماعة الصحافية في بلادي مصر، تعمل تحت ضغط الوقت وردّ الفعل الخارجي، وهو العمل الذي لا يمكن أن يأتي بثماره المرجوة، خاصة أنّ الضغوط وردّ الفعل تدفعانها إلى تقديم منتجات صحافية وإعلامية «مسلوقة» أو «مستهلكة» لا تلقى القبول لدى شريحة كبيرة من أبناء المهنة وكذلك من المجتمع.

فمنذ أن مارست حكومة المهندس إبراهيم محلب، المُقالة، الضغط عليها من أجل إنجاز المشروع الموحّد للصحافة والإعلام، وقامت بتشكيل لجنة من كبار الصحافيين والنقباء السابقين، نالت انتقادات عنيفة من جانب نقابة الصحافيين، واعتبرتها تدخلاً في اختصاص أصيل لها، وحتى تتفادى تلك الأزمة بادرت اللجنة المنوط بها وضع المشروع بتقديمه إلى الحكومة، وعلى عجالة، تحت ضغط الوقت، حتى خرج مشروعاً «مسلوقاً» لم يُراع الأزمات الحقيقية التي تواجه الصحافة وأبناء المهنة، فضلاً عن الاعتوار المهني والدستوري اللذين أصاباه، حتى أصبح وهو في أدراج الحكومة، محلّ انتقاد واسع النطاق من جانب الصحافيين أنفسهم.

ثم كانت غضبة الرئيس عبد الفتاح السيسي من الأداء الإعلامي، والتي أعلنها صراحة خلال إحدى الندوات التثقيفية بالقوات المسلحة، والتي وعد فيها بتقديم شكوى إلى الشعب من الأداء الإعلامي. وهي الغضبة التي دفعت أيضاً الجماعة الصحافية والإعلامية عموماً إلى تحرك جديد، من أجل التأكيد على ميثاق الشرف الإعلامي، وضرورة تطبيقه، فبادرت نقابتنا العريقة الصحافيين بعقد اجتماعات مع مَن له علاقة بالصحافة والإعلام، ومع مَن ليست له علاقة بها أيضاً.

وبعد اجتماعات امتدّت لأسابيع مع رؤساء تحرير الصحف، واتحاد الإذاعة والتليفزيون، ونقابات ليس لها وجود، وغرفة يُقال عنها إعلامية، في حين أنها تجارية بحتة، شارك في تأسيسها رجال الأعمال من الذين يملكون الفضائيات، التي كانت أول مَن خرج على الأداء الإعلامي المهني، وعلى ميثاق الشرف الصحافي، الذي تعهّد به الصحافيون وأقرّوا بتطبيقه.

بعد ذلك كله خرج علينا المجتمعون بما قالوا إنها «مدوّنة السلوك الإعلامي» والتي تهدف إلى ضبط الأداء الإعلامي عن طريق مجموعة من المبادئ، منها عدم الخلط بين الخبر والرأي، وعدم الدخول في مشاحنات، واحترام قيم المجتمع، والامتناع عن التحريض على طوائف الشعب، وغير ذلك من النقاط، التي أعلنها نقيب الصحافيين يحيى قلاش.

وبعد تلك الاجتماعات والمشاورات والمداولات كلّها، لم يتمّ عرض أيّ من الأمور المتعلقة بالصحافة والإعلام على الوسط الصحافي، سواء أكان ذلك في مشروع القانون الموحّد للصحافة والإعلام، أم حتى في مدوّنة السلوك الإعلامي الأخيرة، وإنما تمّ الاكتفاء بدعوة عدد محدود، من دون عرض شامل وأوسع على الجماعة الصحافية، مما كان له أبلغ الأثر لدى الوسط الصحافي، الذي كاد أن ينصرف عن شؤون مهنته.

وقد سبق وأن تناولنا مشروع القانون الموحّد للصحافة والإعلام بالرأي، وانتهينا إلى رفضه والمطالبة بتعديله، أما في ما يتعلق بمدوّنة السلوك التي تمّ الإعلان عنها الاثنين 14/12/2015 وللتعرّف على مدى جدواها لا بدّ من طرح بعض الأسئلة التي تبدو على الأقلّ عندي على جانب كبير من الأهمية منها: هل أتت المدوّنة بجديد يختلف عما جاء في القوانين المنظمة للصحافة، ومنها القانون 76 لسنة 1970 والقانون 96 لسنة 1996 وميثاق الشرف الصحافي؟

ومن الأسئلة الهامة أيضاً: هل هناك جهة تملك حق تنفيذ المدوّنة؟ وما هي العقوبات على عدم الالتزام بها؟

سؤال ثالث: هل تجبّ المدوّنة ما قبلها من قوانين ومواثيق شرف صحافية تمّ وضعها منذ عقود من الزمان؟

الإجابة، ببساطة، على كلّ ما سبق هو النفي، وهو ما يعني أنّ المنتج في هذه الحالة «مستهلك» ولم يأتِ بجديد.

ما أقوله ليس تجنياً على الوسط الصحافي، الذي أنتمي إليه، أو انتقاصاً من جهود يبذلها مخلصون من أجل المهنة ومن أجل وطنهم، ولكنه نوع من مكاشفة النفس ومصارحتها بمتطلبات العمل وآلياته أيضاً، خاصة أنّ المجتمع في بلادي مصر، يتعرّض لحالة استقطاب خطيرة، تخدمها الرسالة الإعلامية، التي غاب عنها الضمير القيمي والمجتمعي والأخلاقي، فكانت شكوى الجميع منه.

إذن، نحن لسنا في حاجة إلى مدوّنة سلوك، ولكننا في حاجة إلى قواعد للأخلاق، تؤكد على ضرورة الالتزام بالمعايير والثوابت القيمية والأخلاقية في المجتمع، وضرورة مراعاة الظروف العصيبة التي تمرّ بها بلادي مصر.

فنحن لدينا تخمة من القوانين والمواثيق، وهي في حاجة إلى تطبيق والتزام قبل أن نغضّ الطرف عنها ونتغاضى عن تطبيقها بما يلزمه ذلك من آليات قد تغضب البعض، غير أنّ ذلك يعدّ أمراً ضرورياً للابتعاد عن سياسة تخليص المصالح وسيطرتها على نظم الإدارة في كثير من الجهات ذات الصلة بالصحافة والإعلام في بلادي مصر.

كاتب وصحافي مصري

مقرّر لجنة الدفاع عن استقلال الصحافة

eladl254 yahoo.com

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق