تركيا تخوض كباشاً مع روسيا في ظلّ ديمقراطية مريضة وامتعاض أوروبيّ

إعداد وترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق

لا شكّ في أنّ تركيا الأردوغانية، شكّلت مشهداً نافراً خلال السنوات الماضية، لا سيما عام 2015. فعلى أكثر من صعيد، كانت تركيا محور اهتمام إعلاميّ واسع عربياً وإقليمياً وعالمياً. إذ لم يفهم تصرّفاتها أحد، لا من الحلفاء ولا حتى من الخصوم والأعداء. تنادي بـ«الديمقراطية لسورية»، بينما أردوغان يغتال الديمقراطية في بلاده. تنادي بالأمن والحرية للسوريين، بينما يقمع أردوغان الحرّيات ويكمّ الأفواه ويعتقل الصحافيين. تشارك تركيا في تحالف دوليّ ضدّ الإرهاب، بينما توظّف أراضيها وحدودها وإمكانياتها لدعم الإرهابيين لا سيما «داعش».

في هذا التقرير الذي يشمل ثلاثة مواضيع مختلفة المضمون والمصدر، نحاول قدر الإمكان أن نسلّط الضوء على تركيا الأردوغانية، كيف تضع نفسها في كباش مع القيصر الروسي، في وقت تعاني ديمقراطيتها من المرض، وتعاني أيضاً من امتعاض الدول الأوروبيّة، لا سيما إزاء نيّة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبيّ.

القيصر ضدّ السلطان

كتبت جوليا لوفي في «فورين بوليسي»:

يرى بوتين وأردوغان نفسيهما كوريثين لامبراطوريتين عظيمتين، ولكن مجرد استعراض الطائرات المقاتلة، وتبادل الحديث الخشن لا يُمكن أن يُخفي تدهور هاتين الامبراطوريتين.

قبل أن تكون شبه جزيرة القرم روسية أو أوكرانية أو حتى سوفياتية، كانت تركية. حسناً، للدقة كانت عثمانية. وكما احتلت روسيا القرم مؤخراً عام 2014 كانت قد احتلتها من قبل منذ فترة طويلة، عام 1783 على وجه الدقة. كان هذا بعد حرب استمرت لمدة لست سنوات مع الأتراك، وقامت البحرية الروسية فيها بسحق البحرية العثمانية. وانتهى هذا الصراع بمعاهدة «كيتشوك كاينارجي»، والتي تم توقيعها عام 1774.

يرى كثيرون من المؤرخين أن تلك المعاهدة كانت أولى خطوات الانهيار الطويل والبطيء جداً للامبراطورية العثمانية. كانت تلك هي المرّة الأولى على الإطلاق تخسر فيها الدولة العثمانية أراض مسلمة أمام قوة مسيحية، وحدث هذا حين خسرت القرم على إثر تلك المعاهدة. عارض تتار القرم المسلمون بشدة استيلاء روسيا على شبه الجزيرة مؤخراً، إذ كان أسلافهم من رعايا الدولة العثمانية الذين تخلّت عنهم بعد المعاهدة، وقد وقعوا مرة أخرى أمام الروس، والذين ضيقوا عليهم بدورهم وكما كتب برنارد لويس عن هذه المعركة والاتفاقية بعد ما يقارب 200 سنة: «كانت بمثابة نقطة التحوّل في العلاقات بين أوروبا والشرق الأوسط».

بالطبع، لم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي يتصادم فيها الروس مع الأتراك. فخلال القرنين بعد المعاهدة، تصادموا مرات عديدة، وتوغلت الامبراطورية الروسية أكثر وأكثر في قلب أراضي الامبراطورية العثمانية: البلقان والقوقاز والبحر الأسود والدردنيل.

وقد كتب أحد صغار الضباط الروس عن تجربته في قتال الأتراك والفرنسيين والإنكليز في القرم، عام 1854، في كتاب بعنوان: «قصص سيفاستوبول»، وكان هذا هو العمل الثاني للشاب ليو تولستوي.

ما سبق يُفسر لنا ما حدث بالأمس القريب، عندما تصادم الروس والأتراك حول ما كان، أين ومتى؟ في الأجواء فوق بقعة صغيرة من الأرض. وأن هذا ليس بالجديد على هاتين الامبراطوريتين السابقتين.

هذا هو ما يُشكل هويتهم. فكلٌ من تركيا وروسيا تملك قلب وروح ونفسية امبراطورية ضخمة متعددة الأعراق، تلك القلوب لا تزال تنبض بداخل الصدور المحرومة من أطرافها التي قُطعت عنها، وما تزال تلك الامبراطوريات تشتاق وتسعى إلى ضم تلك الأطراف مرة أخرى. تتواجد كلتاهما الآن، وقد تقلصت قوتهما إلى حد كبير، وأصبحتا مجرد قوى إقليمية تتصارع لتُعيد تأثيرها مرة أخرى بما يتناسب مع تاريخها كامبراطورية. وفي سبيلهم لفعل ذلك يُعيدون مواقفهم القديمة كأنها ذاكرة خاصة.

ويمكننا أن نرى هذا الأمر في ما كتب المدون البارز المؤيد للكرملين ماكسيم كونونينكو: «عندما تسافر إلى تركيا، هل تثق ولو بتركيّ واحد؟»، وأضاف: «والأمر نفسه مع كل من يتحدثون بِاسم تركيا اليوم. كلهم أتراك ولا يمكنك أن تثق بهم».

وصف بعض الروس إسقاط الطائرة بعبارات ضخمة فقالوا: «هذه المرة الأولى ـ على الإطلاق ـ يحدث اشتباك عسكري حقيقي بين روسيا والناتو». كما كتب موقع «Slon.ru». وعلى العكس، صورت الرواية الرسمية الروسية الأمر بخلاف ذلك، ووصفوه بأنه صراع بين روسيا وبين الأتراك المتهورين سريعي الغضب. وخُصّصت ليلتها جميع وسائل الإعلام هناك لتغطية الحادث فقط، وعملت على تضخيم خبر أن واشنطن وأوروبا وحتى الناتو قضوا طوال يوم الثلاثاء في معاتبة تركيا، ومحاولة تهدئة الأوضاع وتجنب فكرة أن توغلاً إقليمياً واحداً قامت به طائرة واحدة من الممكن أن يؤدّي إلى صراع أكبر.

وإن دلّ هذا على أيّ شيء، فإنما يدلّ على أن الناتو وأوروبا كانوا الأشخاص الصالحين في هذا التفسير للأحداث. وهي المرة الأولى في التاريخ الحديث. لماذا؟ لأن تركيا ـ وهي الشرير في هذه الرؤية للقصة ـ تحاول إفشال تحالف كبير وتاريخي في الحرب ضدّ الإرهاب، والذي تُمثل روسيا أهم محاوره.

كما أدّت التهدئة التي قادتها القوى الغربية لأن تقول وسائل الإعلام هناك بأن هذا التدخل كان واجباً حتى لا يضر هذا الصدام الحرب على الإرهاب بشكل عام، وعلى «داعش» بشكل خاص. هذا هو لبّ الموضوع، فروسيا ترى نفسها تقوم بالدور الضروري لحماية العالم المتحضر ضد تهديد الإرهاب، وهو الأمر الذي يُفيد فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بالقدر نفسه الذي يفيد روسيا. ولم يُذكر في التقارير أنه لا يُفيد تركيا أو أنها حكومة متعاطفة مع الإسلاميين ويُشبه هذا الدور الذي ترسمه وسائل الإعلام الروسية لروسيا، الصورة التي رسموها عن دورهم في الحرب العالمية الثانية، وخاصة مؤخراً. فهم يرون أن روسيا حاربت الخطر الفاشي لمصلحة الغرب ناكر الجميل، والذي كان ليغرق لولا مساعدة موسكو.

ولهذا السبب خلف الدعاية والمناورات الجيوسياسية الساخرة، ترى موسكو الانتقادات الغربية تجاه دورها في سورية مُحبطاً للغاية، ومهيناً أيضاً. بالنسبة إلى روسيا، هذه الدعاوى قديمة قدم التاريخ. فهي ترى في ما يحدث مجهود قرون لمنع الطموحات التوسعية الروسية في كل وقت ممكن من دون سبب واضح، لدرجة الاصطفاف مع العثمانيين المسلمين ضد الحكم المسيحي في منتصف القرن التاسع عشر. ومما يثير حنق روسيا أكثر أن هذا التدخل الغربي المستمر عطل التوسعات الإمبريالية الروسية كثيراً.

وفي الوقت نفسه، فلطالما نظرت روسيا للأتراك كمنطقة عازلة جيدة أمام التوسعات الغربية. «إن كنّا سمحنا للحكومة التركية بالاستمرار في التواجد في أوروبا ـ في ظل تأثير تفوّقنا السائد ـ فلأن ذلك يناسبنا أكثر من أيّ بديل آخر، من الذين من الممكن ان ينهضوا على أنقاضها»، كما كتب كارل نيسيلرود وزير خارجية الامبراطورية الروسية عام 1830. هل يبدو هذا مألوفاً؟ الرغبة في الحفاظ على الاستقرار للقوى المكروهة المجاورة، حتى مع تآكل أطراف روسيا البعيدة، قديم ومحفور عميقاً في نفسية الدولة الروسية. هذه القوى موجودة بشكل أو بآخر كمرايا ترى فيها روسيا نفسها كامبراطورية قوية.

ذكرتُ كل هذه الأحداث والمواضيع التاريخية لأن الصراع الدائر حول الطائرة الروسية والأجواء التركية ـ تبعاً لمصادري في الحكومة الأميركية أنها كانت بالفعل في الأجواء التركية ـ ليس حول الطائرة نفسها، أو الأجواء، ولا «داعش»، ولا حتى الناتو. كل ما يدور هو حول الامبراطوريتين الروسية والعثمانية، واللتين لا تزالان تتفككان بعنف حتى اليوم، حتى بعد مرور عقود طويلة من بعد لحظة إعلان انتهائهم رسمياً من الوجود. انظر إلى أوكرانيا ومولدوفا، انظر إلى سورية والعراق. هذه هي تبعات احتضار الامبراطورية، الذيول الطويلة من إرثهم، اهتزازاتهم الأخيرة، بينما يحاول العالم تسهيل هذه الاهتزازات الانتقالية.

كما يتعلق الأمر كذلك برجلين، فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، فهما يريان نفسيهما كوريثين لعروش هاتين الامبراطوريتين البائدتين منذ زمن. ويريدان أن يحييا هاتين الامبراطوريتين في أذهان أتباعهما، ويلوّحان دائماً أمام أعينهم بصور مجسّمة من عظمة الماضي. فلا مفاجأة هنا في أن يزيد عدد اللاعبين في الصراع السوري.

على أوروبا أن تحذر من تركيا

كتب آدريال كاسونتا لصحيفة «ناشونال إنترست» الأميركية:

لا يبدو أن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، الذي صادف أن يكون حاصلاً على شهادة جامعية في التاريخ، قد أبدى اهتماماً كبيراً خلال دراسته. يبدو بوضوح كما لو أنه غاب عن هذا الدرس المهم من المفكر السياسي الفرنسي آلِكسيس دي توكفيل: «التاريخ هو معرض من الصور التي يوجد فيها عدد قليل من النسخ الأصلية والعديد من النسخ».

أعلن رئيس الوزراء البولندي السابق في أواخر الشهر الماضي على حسابه الرسمي على «تويتر» أن قمة الاتحاد الأوروبي وتركيا التي تم عقدها في 29 تشرين الثاني الماضي كانت تهدف إلى «إعادة تنشيط علاقاتنا ووقف تدفق الهجرة». وقد اتخذ هذا القرار في ضوء أزمة اللاجئين الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

وفقاً لاتفاق الشهر الماضي على خطة عمل لدعم تركيا في تخفيف عبء اللاجئين في أوروبا، قدم القادة الأوروبيون لتركيا حزمة سخية جداً تتألف من ثلاثة مليارات يورو من المساعدات على مدى سنتين، وتخفيف القيود على تأشيرات الدخول ومتابعة سريعة من الاتحاد الأوروبي لعضوية تركيا داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد وصف هذا العرض من قبل العديد بأنه «صفقة قذرة»، يرجع ذلك إلى حقيقة عدم وجود توافق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في شأن تمويل تلك الصفقة.

ففي حين ستتكفل ميزانية الاتحاد الأوروبي بحوالى 500 مليون يورو من قيمة الصفقة، ستأتي الملياران ونصف المليار يورو المتبقية من مساهمات الدول الأعضاء، حيث يستند المبلغ المطلوب من كل دولة على الصيغة المستخدمة نفسها لتحديد مساهمات الدول الأعضاء لميزانية الاتحاد الأوروبي.

وهذا يعني أن ألمانيا ستضطر لدفع أكثر من 534 مليون يورو، تليها بريطانيا بحوالى 410 ملايين يورو وفرنسا بحوالى 386 مليون يورو.

رغم أن برلين هي أكبر مساهم، فقد كسرت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل، التي وضعها استعدادها لتحمل ما يقارب مليون لاجئ هذا الصيف تحت ضغط سياسي كبير في الداخل، كسرت البروتوكول لزيارة الرئيس رجب طيب أردوغان قبل الانتخابات في بلاده، كما أنها ضغطت على باقي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق.

ومع ذلك، عورضت الفكرة بشدّة من دول وسط وشرق أوروبا كالمجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك وبولندا، وهي الدول التي لديها مخاوف جدّية في شأن وضع الكثير من التركيز على مشاركة دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي في شؤون الاتحاد الأوروبي.

كما ذكر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال قمة الهجرة في مالطا الشهر الماضي: «نحن لا نريد أن نجلس لإجراء محادثات مع تركيا، ما يجعلها تعتقد أنها فرصتنا الأخيرة لإنقاذنا».

والواقع أن هذا الكاتب لديه مخاوف جدية من مصداقية تركيا في الدخول في هذا التحالف، عندما يبدو أن جيراننا الغربيين يظهرون جاهزية لوضع قيمنا الأوروبية جانباً في السعي إلى حل أزمة اللاجئين، وبعد الصلاة الرئيسة التي أعلن فيها فولتير: «عندما يتعلق الأمر بالمال، يصبح الجميع على دين واحد».

ومن المدهش تماماً كيف يمكننا أن نمارس النفاق في أعقاب الإرهاب والحاجة الملحة إلى الدفاع عن طريقتنا في العيش، من أجل غضّ الطرف عن إخفاقات حقوق الإنسان في تركيا والإذعان للمطالب المالية لأنقرة، مع العلم أن «رغبة تركيا نفسها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أساساً يكتنفها أسباب اقتصادية، بدلاً من تحسين نوعية الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد»، كما يقول فادي حكورة، المحلل في مؤسسة «تشاتام هاوس».

ما هو أكثر من ذلك، في ضوء التقارير التي نشرت من قبل الصحافيين المسجونين بشكل غير قانوني في هذا البلد، حول إمدادات الأسلحة التركية إلى الجهاديين في سورية، والعدوان الأخير نحو موسكو التي تساعد في هزيمة تنظيم «داعش» بعد هجمات باريس، إذ تم إسقاط طائرة حربية روسية، يبدو أن السيناريو نفسه من عام 1855 يتكرر.

ومع ذلك، وفقاً لدونالد تاسك، «لا خيارات أخرى لدينا» من إبرام الاتفاق مع البلد الذي ليست له جذور تاريخية وثقافية متجذّرة في أوروبا.

الديمقراطية في تركيا مريضة

كتبت رايدا آسيموفيتش آكيول في صحيفة «مونيتور» الأميركية:

مؤخراً، أفرج كل من البروفسور علي كارج أوغلو من جامعة «كوج»، والبروفسور أرسين كالايسيغلو من جامعة «سابانجي» عن نتائج دراستهم التي حملت عنوان «المواطنة في تركيا والعالم: تقرير بحثي للعام 2014 صادر عن برنامج المسح الاجتماعي الدولي ISSP ». وقد أجريت الدراسة بدعم من مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية في تركيا، وذلك كجزء من برنامج المسح الاجتماعي الدولي الذي نُفّذ في 43 بلداً.

تستند النتائج على إجابات من مقابلات أجريت وجهاً لوجه مع 1509 من الأشخاص شملهم الاستطلاع في 58 محافظة تركية، في الفترة ما بين 13 شباط و6 نيسان.

ومنذ أن كان مفهوم المواطنة هو في صميم الديمقراطية، فإن هذه الدراسة التي سعت إلى العثور على إجابات على أسئلة تتعلق بفهم الأشخاص المستطلعة آراؤهم حول المواطنة ـ تساهم بمعلومات هامة عن حالة الديمقراطية في تركيا. استندت أسئلة الاستقصاء على موضوعات تتعلق بالعلاقة بين الدولة والفرد حول مسائل مثل دفع الضرائب، وطاعة القانون، والتصويت في الانتخابات، والمشاركة في المنظمات المدنية، وتقبل الخلاف والثقة الشخصية.

كانت إحدى النتائج الأكثر إثارة للدهشة في هذه الدراسة هي أن نسبة عالية بشكل ملحوظ من المستطلعين 76 في المئة رأوا إجراء الاستطلاع باعتباره جزءاً مهماً جداً من كونهم مواطنين صالحين. ومن بين جميع الدول المشاركة في الاستطلاع، سجلت تركيا أعلى معدلات في هذا الصدد. وبالمثل، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة 73 في المئة واليابان 72 في المئة ، ساهمت تركيا بأعلى معدّل من المستطلعين 73 في المئة الذين يدّعون أن سداد الضرائب عنصر أساسي آخر من المواطنة الصالحة.

علاوة على ذلك، عبّر المشاركون عن احترامهم للقانون، والتسامح نحو من يخالفونهم الرأي، ومساعدة الآخرين من الفقراء كعناصر هامة أخرى من كونهم مواطنين صالحين، وذلك وفقاً لفهمهم لهذه الفكرة. وعموماً، اتضح أن المشاركين في الاستطلاع من تركيا يفهمون «المواطنة الصالحة» بطريقة مثالية جداً. وهذا يمكن أن يمثل علامة على ما يعرف بِاسم «رغبة التحيز الاجتماعية» في العلوم الاجتماعية، وذلك لأن ردوداً متناقضة على أسئلة أخرى أظهرت التعصب بدلاً من ذلك. على سبيل المثال، قال عدد كبير من المشاركين إنه من غير المقبول السماح باجتماعات علنية للجماعات التي ينظر إليها على أنها مختلفة أو تشكل تهديداً.

إضافة إلى ذلك، وفي حين أن المواطنين في الديمقراطيات لهم حقوق، فإن عليهم أيضاً مسؤوليات تتطلب مشاركتهم في الحياة السياسية والمدنية. وبناءً على ذلك، كما تظهر هذه الدراسة، فإن الوضع في تركيا يختلف كثيراً عن الديمقراطيات الراسخة التي شاركت في الاستطلاع، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسويسرا والدول الاسكندنافية.

على سبيل المثال، تصنف النتائج تركيا على أنها من بين البلدان الأقل مشاركة في الحياة السياسية. فقد سعى 12 في المئة فقط منهم خلف عضوية حزب سياسي. وقال 10 في المئة فقط إنهم شاركوا في تظاهرة سياسية مرة واحدة على الأقل، وقال 72 في المئة ممن شملهم الاستطلاع إنهم لم يشاركوا في أي تظاهرات، وقال 14 في المئة فقط إنهم وقّعوا على عريضة.

وعلاوة على ذلك، قال 89 في المئة ممّن شملهم الاستطلاع إنهم ليسوا أعضاء في أي نقابة، في حين ولغرض المقارنة، يقلّ العدد في الديمقراطيات المتقدمة مثل فنلندا والدنمارك والسويد عن 40 في المئة. والمثير للدهشة أنّ 93 في المئة من أفراد العينة قالوا إنهم لم يكونوا جزءاً من أي تنظيم ديني، وهي نسبة تشكل 51 في المئة من مواطني تلك البلدان المشاركة في الاستطلاع. وبالمثل، أكد 88 في المئة من أفراد العينة التركية أيضاً أنهم ليسوا أعضاء في أي نادٍ رياضي أو جمعية ثقافية، و91 في المئة لم ينضموا أبداً إلى أي منظمة طوعية. تشير كل هذه النتائج إلى المواطنة السلبية، أو انعدام المشاركة المدنية في المجتمع المدني. لا عجب أن الجميع يتجنب الأنشطة المنظمة بغض النظر عن طبيعتها. فكلمة «orgut»، التي تعني التنظيم، تحمل معنى سلبياً تاريخياً باللغة التركية، ما يعني عموماً، نشاطاً إجرامياً غير قانوني.

وإلى جانب هذه الأرقام المنخفضة بشدة للمشاركة السياسية، هناك أيضاً تفاعل ضئيل جدّاً بين الأفراد. فبالنظر إلى أنه في يوم عمل نموذجي، قالت غالبية المستطلَعين إنهم يتواصلون مع عدد قليل جداً لا يتجاوز 4 أشخاص، وقالت المجموعة التي تليها من المستطلعين إنهم يتواصلون مع 5 إلى 9 أشخاص، حيث تغدو صعوبة عملية تشكيل الروابط المشتركة والشبكات الاجتماعية مع غيرهم من المواطنين أكثر وضوحاً.

ونتيجة لذلك، فإن غالبية الناس الذين يتفاعل معهم الأتراك على أساس يومي ليسوا سوى أقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم. ومما لا يثير الدهشة، ولسنوات طويلة، وضعت عدة دراسات تركيا من بين الدول التي لديها أدنى معدل للثقة بين الأشخاص في العالم. في هذه الدراسة أيضاً، قال 1.5 في المئة فقط من المستطلعين إنه يمكن الوثوق في الناس بصفة عامة، وذكر 13 في المئة فقط أن الناس يمكن الوثوق بهم بشكل عام. وذكر ثلاثة من أصل أربعة أفراد، أو 75 في المئة من المستطلعين، أنه إذا كان الشخص غير مألوف لهم، فإن هذا لا يعمل لصالحهم، ويعتقد 7 في المئة فقط أن الناس يحاولون دائماً أن يكونوا صادقين.

وبالتالي، إذا كان المواطنون في تركيا لا يثقون في بعضهم البعض، ونادراً ما يختلطون مع الغرباء، فإنه يصبح أكثر قابلية للفهم كيف أن بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الناس في تركيا، التصويت ما يزال هو النشاط السياسي الرئيس أو الوحيد.

عندما يتعلق الأمر بالسياسيين وأنشطتهم، فإن 51 في المئة من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أن السياسيين يفضلون مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة. وعلى صعيد مشابه، ذكر 18 في المئة من أفراد العيّنة بأن كل موظف عمومي تقريباً شارك في نوع من الفساد، وذكر 33 في المئة منهم أن الكثير من الناس كانوا متورطين في الفساد. وذكر حوالى 22 في المئة منهم أيضاً أن مجموعة صغيرة من الناس كانت فاسدة، بينما قال 3 في المئة إنه لا وجود للفاسدين في مجال الخدمة العامة. وأعطى مواطنو الدول الأخرى إجابات مماثلة على هذا السؤال، ولكن بالنظر إلى فضائح الفساد الحكومية الضخمة التي تم الإعلان عنها في كانون الأول من العام 2013، فمن اللافت أن ما يقارب من نصف المواطنين الأتراك إما لم يتأثروا بهذا أو لم يصدقوا مزاعم الفساد. وأحد الأسباب المحتملة لنتيجة كهذه هو قوة وسائل الإعلام. إذ ينبغي إعلام المواطنين حول القضايا العامة ويكونون قادرين على التعبير عن آرائهم، ولكن غالبية الناس في تركيا 78 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع يحصلون على أخبارهم من التلفزيون. وفي هذا الصدد، قال كارج أوغلو «التغطية الإعلامية المنحازة للغاية لا تبشر بالخير بالنسبة إلى المصير النهائي للديمقراطية في البلاد».

في نهاية المطاف، عندما يتعلق الأمر بمسألة الفعالية الشاملة للديمقراطية في تركيا، يعتقد نحو 40 في المئة من المستطلعين أن الديمقراطية تؤدّى بشكل جيد، في حين يعتقد 40 في المئة آخرون عكس ذلك تماماً، وهو ما يعكس الاستقطاب السياسي في تركيا. هذا الاستنتاج هو على النقيض من الدول المشاركة في الاستطلاع التي تتمتع بديمقراطيات راسخة. بينما تقول جامعة «سابانجي» إن هناك تحسّناً كبيراً 9 في المئة في هذا التصور مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن، ولا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به للحفاظ على صعود نسبة التصور الإيجابي عن الديمقراطية.

بشكل عام، أكد هذا المسح أن التصويت نشاط سياسي كبير في تركيا، وخلاف ذلك يبدو أن الجميع لا يهتم إلا بشؤونه الخاصة، وذلك من أجل الحصول على مكاسب فردية والتفاعل مع الأفراد المألوفين فقط أو ما شابه ذلك. في مثل هذا المجتمع، لا يمكن الجزم بأن الديمقراطية ستظل في صحة جيدة. فالمزيد من جنون الشك والاستقطاب والتسييس المفرط للمجتمع لن يساعد على ذلك. وطالما هناك خوف شديد من الدولة كسلطة عقاب بدلاً من سلطة خدمة، فإن رعاية القيم المدنية وتشجيع المشاركة السياسية في تركيا ستبقى مجرد أمنيات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق