مؤسسة الرئاسة في مصر.. علاقة متأرجحة مع الكنيسة القبطية

القاهرة ـ فارس رياض الجيرودي

أعاد مشهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وسط المصلين الأقباط في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في القاهرة مهنئاً بعيد ميلاد السيد المسيح وفقاً للتقويم القبطي طرح ملف علاقة الرئاسة المصرية بالكنيسة القبطية، وهي علاقة معقدة تخللها الكثير من التأرجح والمد الجزر مع اختلاف العهود وتتالي رؤساء الجمهورية.

ويبدو السيسي في علاقته بالكنيسة المصرية أقرب لانتهاج نهج التقرب والانفتاح الذي انتهجه سلفه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي عرف عنه أنه بنى علاقة شخصية قوية مع البابا كيرلس السادس، 8 آب 1902- 9 آذار 1971 بطريرك الكرازة المرقسية في الفترة ما بين 10 أيار 1959 و9 آذار 1971، حيث يقول الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، في كتابه «خريف الغضب» عن علاقة عبد الناصر والبابا كيرليس: «كانت العلاقات بين جمال عبد الناصر وكيرلس السادس علاقات ممتازة وكان بينهما إعجاب متبادل وكان معروفاً أن البطريرك يستطيع مقابلة عبد الناصر في أي وقت يشاء».

ولعل أول مشكلة واجهت البابا كيرلس السادس مع بداية توليه منصبه بطريركاً هي رغبته في بناء كاتدرائية جديدة في أرض الأنبا رويس بالعباسية ولم يكن لديه الاعتمادات المالية الكافية ويروي الأستاذ محمد حسنين هيكل، أنه تلقى دعوة شخصية من البابا كيرلس للقائه فتوجه إليه، وفي هذا اللقاء فاتح البابا هيكل في الموضوع وأبدى له حرجه من مفاتحة الرئيس في الأمر مباشرة، وعندما فاتح هيكل الرئيس في الأمر أبدى تفهماً كاملاً فكان يرى أهمية وحقوق الأقباط في النسيج المصري الواحد ثم إنه كان على وعي كامل بالمركز الممتاز للكنيسة القبطية ودورها الأساسي في تاريخ مصر، وهكذا قرر أن تساهم الدولة بنصف مليون جنيه في بناء الكاتدرائية الجديدة، نصفها يدفع نقداً ونصفها الآخر يدفع عيناً بواسطة شركات المقاولات التابعة للقطاع العام، والتي يمكن أن يعهد إليها بعملية البناء.

وبالفعل تم وضع حجر الأساس في بناء الكاتدرائية في 24 تموز 1965 بحضور الرئيس عبد الناصر والبابا كيرلس السادس، حيث ألقى الرئيس عبد الناصر خطاباً قال فيه: أيها الأخوة يسرني أن أشترك معكم اليوم في إرساء حجر الأساس للكاتدرائية الجديدة. فحينما تقابلت أخيراً مع البابا في منزلي فاتحته في بناء الكاتدرائية وأن الحكومة مستعدة للمساهمة في هذا الموضوع، ولم يكن القصد من هذا فعلاً المساهمة المادية، فالمساهمة المادية أمرها سهل ويسير ولكنني كنت أقصد الناحية المعنوية. إن هذه الثورة قامت أصلا على المحبة ولم تقم أبداً بأي حال من الأحوال على الكراهية والتعصب، هذه الثورة قامت وهي تدعو إلى المساواة ولتكافؤ الفرص والمحبة والمساوة لأنه بالمحبة والمساواة وتكافؤ الفرص نستطيع أن نبني المجتمع الصحيح السليم الذي نريده والذي نادت به الأديان.

ويروى لنا محمود فوزى في كتابه «البابا كيرلس السادس وعبدالناصر» أن البابا كيرلس السادس زار الرئيس ناصر ذات يوم في منزله فجاء إليه أولاده، وكل منهم معه حصالته ثم وقفوا أمامه وقال له الرئيس: «أنا علمت أولادي وفهمتهم إن اللي يتبرع لكنيسة زي اللي يتبرع لجامع، والأولاد لما عرفوا إنك بتبنى كاتدرائية صمموا على المساهمة فيها. وقالوا حنحوش قرشين ولما ييجي البابا كيرلس حنقدمهم له، وأرجو ألا تكسفهم وخذ منهم تبرعاتهم»، فأخرج البابا كيرلس منديله ووضعه على حجره ووضع أولاد عبدالناصر تبرعاتهم ثم لفها وشكرهم وباركهم، وكانت الزيارة الثانية لناصر للكنيسة عام 1968 عندما ألقى كلمة لمناسبة افتتاح كاتدرائية العباسية.

وتدهورت العلاقات في عهد الرئيس أنور السادات، حيث جاءت الزيارة الأولى والأخيرة له للمقر الباباوي في أكتوبر 1977، وظهر فيها البابا شنودة وهو يؤدي صلاته بالتزامن مع صلاة الظهر التي أداها «السادات» ونائبه آنذاك حسني مبارك، وممدوح سالم، رئيس الوزراء في ذلك الوقت.

وبدأ تأزم العلاقة بين السادات والبابا شنودة ، بداية من رفض البابا اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع «إسرائيل» .

وزاد الأمر تعقيداً عندما ووجه الرئيس السادات بتظاهرات مناهضة له أثناء زياته لأميركا حيث طلب من البابا شنودة وقف هذه التظاهرات لكن لم تأت الاستجابة سريعة فاعتبر السادات ذلك تحدياً له من البابا.

وأصدرت بعدها أجهزة الأمن، قراراً أبلغته للبابا، مفاده أن يتوقف عن إلقاء درسه الأسبوعي، الأمر الذي رفضه البابا، الذي قرر تصعيد الأمر بأن أصدر قراراً بدوره بعدم الاحتفال بالعيد في الكنيسة، وعدم استقبال المسؤولين الرسميين الذين يوفدون من قبل الدولة عادة للتهنئة.

ووصل الأمر إلى ذروته عندما كتب في رسالته التي طافت بكل الكنائس المصرية قبيل الاحتفال بالعيد أن هذه القرارات جاءت «احتجاجاً على اضطهاد الأقباط في مصر»، وكانت هذه المرة الوحيدة التي يقر فيها البابا علانية بوجود اضطهاد للأقباط في مصر، ولم يفعلها بعد ذلك مطلقاً.

أصبحت القطيعة بين «السادات» والبابا «شنودة» هي عنوان المشهد، ولذا كان من المنطقي أن يطول عقاب البابا في أيام «السادات» الأخيرة عندما أصدر في سبتمبر عام 1981 قراره بالتحفظ على 1531 من الشخصيات العامة المعارضة، لم يكن مصير البابا الاعتقال وإنما كان تحديد الإقامة في الدير بوادي النطرون.

وتحسنت علاقة الكنيسة بالرئاسة المصرية جزئياً في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي بدأ حكمه بالإفراج عن المعتقلين، وكان اللقاء بين مبارك والبابا شنودة كنوع من تهدئة للأمور بين الرئاسة والأقباط في مصر.

وزار مبارك الكنسية مرتين، الأولى كانت عام 2000 عندما ذهب لتقديم العزاء في رحيل الفريق فؤاد عزيز غالي، بينما كانت الثانية عام 2006 لتقديم العزاء في رحيل حنا ناشد عضو المكتب السياسي للحزب الوطني الحاكم حينها، وبعدها اكتفى الرئيس بإرسال برقيات تهئنة لبابا وإرسال مندوبيبن لتقديم التهئنه في أعياد الميلاد.

وتولى البابا تواضرس الثاني- خلال فترة حكم الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، كرسي الباباوية في مصر بعد وفاة البابا شنودة، وتعرض مرسى لانتقادات في ذلك الوقت لعدم حضوره حفل تنصيب البابا تواضروس.

واكتفى مرسى بإرسال المندوبين للتهنئة في أعياد الميلاد، ولم يذهب إلى الكنسية… وفي الاحتفال بعيد الميلاد المجيد ذهب رئيس الوزراء هشام قنديل نائبًا عن مرسي. فقام البابا تواضرس بذكر اسم الحاضرين، ولكن لم يصفق أحد من الأقباط له. بينما فعلوا ذلك عندما ذكر اسم عبد الفتاح السيسي- وزير الدفاع آنذاك.

من هنا بدأت العلاقة التي توصف بالحميمة بين وزير الدفاع السابق ورئيس الجمهورية المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، والذي حرص على زيارة الكنيسة في عيد الميلاد العام الماضي عقب عودته من الأمم المتحدة، وكانت الزيارة مفاجئة للجميع حيث كانت أول مرة يزور فيها رئيس مصري الأقباط في عيد الميلاد.

ورسخ السيسي زيارة الكنيسة في عيد الميلاد كعادة رئاسية، فقام للمرة الثانية على التوالي بزيار الكاتدرائية المرقسية بالعباسة الأربعاء الماضي للاحتفال والتهنئة بعيد الميلاد المجيد، حيث ألقى كلمة أوصى فيها المصريين بعدم الاختلاف والتماسك مهما كانت الظروف.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق