أولى

للذين يعيشون الهلع

في إطار حرب نفسية وبأدوات إعلامية حديثة عملاقة تنتشر بين اللبنانيين أحاديث عن خوف من الانهيار. ويشترك في الهلع بعض النخب التي ينطلق بعضها من نيّات خبيثة وبعضها الآخر من نيات طيبة؛ وكلهم بنسبة كبيرة يصدق ما يقوله عن الانهيار.

في تاريخنا القريب والمتوسط نموذجان لما هو مشابه أمامنا. فالحديث عن الوضع الاقتصادي والمالي الراهن، رغم قسوة مظاهره لم يصل وليس سهلاً أن يصل لما بلغناه في عام 1990، حيث تتيح أي عودة للأرقام إلى تبيّن كيف كان ينتقل سعر الدولار من يوم لآخر بقفزات بلغت في بعض الأحيان 100% في أسبوع و500% في شهر، في ظل قيام المصرف المركزي بالدفاع عن سعر الصرف. وهنا لا نتحدث عن الأزمة التي أطاحت الرئيس عمر كرامي وحكومته تمهيداً لمجيء الرئيس رفيق الحريري بل عن المرحلة التي صعد خلالها سعر الدولار من 3 ليرات إلى 17 ليرة ومن 17 إلى 100 ومن 100 إلى 300 ومن 300 إلى 1000، وكثير من اللبنانيين لا ينتبه إلى أن الدولار يومها وفي ظل حكومتين تتقاسمان السلطة وحرب مفتوحة على جبهات عدة قفز خلال ثلاث سنوات أي ألف يوم من 10 ليرات إلى 3000 ليرة، أي 300 ضعف، بمعدل 3 أضعاف كل 10 أيام. وهذا يعني بقياس الوضع الراهن خلال 100 يوم من بداية أزمة الدولار وقبل انطلاق الحراك، أن يكون سعر الدولار اليوم 30 ضعفاً لما كان عليه أي 45000 ليرة للدولار وأربعة ملايين ونصف مليون ليرة للمئة دولار، بينما السعر اليوم وخلال مئة يوم يتحرّك ضمن هامش يعلو ويهبط 30 % ودون أي تدخل ما يعني أن الزيادة ناتجة عن طلب تسبّبت به عمليات تحويل مسحوبات اللبنانيين من الليرة الى الدولار وتوقف الارتفاع عند استنفاد هذه العمليات.

على الصعيد السياسي، التهويل بالانهيار بسبب المواجهة مع الأميركيين يُعيدنا لمشهد عام 2005، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفي ظل حكومة وغالبية نيابية في موقف عدائي للمقاومة وهجوم أميركي لبناء الشرق الأوسط الجديد توّج بحرب تموز 2006 ولم يتيسّر لهذا الهجوم أن يحقق شيئاً. بينما اليوم كل شيء مختلف جذرياً عسكرياً وسياسياً ونيابياً ودولياً وإقليمياً.

الوضع بحاجة لمعالجات جدّية. وهذا ضروريّ ولا يجوز التقليل من أهميّته، لكن الهلع جزء من حرب نفسيّة يخوضها الأميركيون ومن غير الجائز الوقوع فيها أو تركها تمرّ بصفتها حقيقة.

التعليق السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى