الوطنكتاب بناء

هل ينفع «التعريب» في حماية «النيل»؟

} د. وفيق إبراهيم

«أم الدنيا» كما يصف المصريون بلدهم مهدّدة بالعطش الشديد بسبب الرفض الإثيوبي بالمحافظة على حصة مصر من نهر النيل.

فيستمرّ الأحباش ببناء سد النهضة منذ 2013 على الفرع الرئيسي للنهر وسط خلافات عميقة مع مصر واتفاق مع السودان.

مع محاولات أميركية لتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين لم تؤد الى نتيجة، وهنا يعتبر معظم المتابعين أن الأميركيين لم يستعملوا عبارات ضغط كافية لتنفيس العناد الأثيوبي غير المبرر، معتبرين أن تأسيس خلاف بين طرفي النزاع المائي من شأنه الدفع نحو حالة حرب تسحب مصر نهائياً من الشرق الأوسط الى مداها الأفريقي المجاور، كما تمنع إمكانية تحولها دولة قوية في العالم العربي.

ماذا يجري؟ منذ 2011 اعلنت اثيوبيا البدء ببناء سد النهضة على الفرع الرئيسي من نهر النيل الذي يواصل جريانه نحو السودان ومصر.

هناك معاهدات وأعراف تنظم اقتسام مياه هذا النهر، وأولها ما ينص عليه القانون الدولي، من ضرورة الالتزام بالأعراف والعادات المعمول بها تاريخياً في اقتسام مياه الأنهر الدولية العابرة للحدود، وكذلك العودة الى الاتفاقات المكتوبة في حالة وجودها، وهنا يصادف أن انجلتره الدولة المنتدبة على مصر منذ القرن التاسع عشر رعت اتفاقات بين الحكم المصري في تلك المرحلة وكل ممثلي بلدان على عدم تأسيس أي إنشاءات على النهر من شأنها تقليص حصة مصر منه.

ولم يسبق لأحد أن منع المياه عن «ام الدنيا» واستمر النيل يجري مؤدياً الى استقرار النظم الاجتماعية والزراعية في بلدان العبور.

لكن سد النهضة الإثيوبي خالف هذا الاستقرار  التاريخي الى حدود نسفه، فمنذ بداية العمل فيه في 2011 لم تعترض مصر ولا تحرك السودان، وفجأة ابتدأت الدولة المصرية بالاعتراض على السد منذ 2013 إنما بمعدلات خفيفة.

وفتحت أبواب مفاوضات «موسمية» يعلو الصراخ فيه حيناً متسربلاً بصمت مشبوه حيناً آخر، الى ان تبين ان سد النهضة مشروع كبير بكلفة اربعة مليارات دولار ينتهي العمل فيه في 2023 لكن توليد الطاقة من مياهه يبدأ في 2021.

وتبين ان هناك مشاركة اسرائيليةاميركية في بناء السد وتغطيته سياسياً، الى جانب دور صيني فنيّ واتضح أن السعودية لا يهمها في هذا المجال الا سحب إثيوبيا نحو حلف معها يجذب ايضاً دول القرن الأفريقي المجاورة، ومصر في اطار جبهة معادية، لليمن وكأن صنعاء هي التي تبني سدّ النهضة، ما يستدعي سؤال السيسي عن الظروف التي ترغمه على التحالف مع دولة حبشية تسرق مياه المصريين ضد دولة يمنية هي شقيقة لمصر في الانتماء القومي؟

لا بدّ أيضاً من التنبيه الى ان حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب يذهب تسعون بالمئة منها على الزراعة والصناعة ومياه الشرب.

بمعنى أن إنقاص الحصة المصرية بعد اكتمال وظائف سد النهضة في 2023 الى 25 مليار متر مكعب يؤدي على الفور الى تراجع حصة مصر نحو ستين بالمئة من حصصها المائية. وهذا يؤدي بدوره الى تراجع الزراعة والصناعة ومياه الشرب بمعدل خمسين في المئة على الأقل.

الا يعني هذا الأمر تهجير خمسين في المئة من الفلاحين المصريين ومنعهم من العمل في مجال الصناعة مع تعطيش نحو نصف المصريين.

بما يدفع نحو واحد من احتمالين لا ثالث لهما، يتأخر تطبيق خطته الى ما بعد انتهاء اعمال السد في 2023 وهما تفكيك مصر او تهجير أبنائها مع وجود احتمال ثالث وهو نشوب حرب مصريةإثيوبية قد تتحول معارك حدودية بين البلدين العاجزين عن الحسم النهائي. وهذا من شأنه استنزاف كامل لمصر وإنهاء كامل لكل قضايا العرب ما يُبقي على «اسرائيل» الدولة الأقوى والأقدر على تشكيل حلف مع الخليج والسياسي لمحاربة إيران وسورية وحزب الله والحشد الشعبي على مستوى الإقليم.

بالمقابل يحاول المصريون تعريب الصراع على «النيل» مع إثيوبيا، اعتقاداً منهم ان مثل هذا الامر يرغم الأحباش على الاقتناع بوجهة النظر المصرية التي وافقت في المفاوضات التي رعاها الاميركيون مؤخراً على إنزال حصتها من النهر الى حدود الاربعين مليار متر مكعب سنوياً، لكن إثيوبيا أصرت على خفض يصل الى 25 ملياراً مع حقها بملء السد بالمياه وفي كل الفصول، فيما تطالب مصر بحصر تعبئته في فصل الربيع لعدم الإضرار بمواسم الزراعة المصرية وحاجة مئة مليون مصري الى مياه الشرب.

مصر اذاً تتجه الى بناء شبكة أمان عربية معادية لإثيوبيا وهذه موجودة بكل تأكيد إنما يجب على الجميع أن يسأل عن فوائد تعريب الأزمة لمصر، وهل هي كافية للمحافظة على الحصة المصرية؟ بالطبع لا تكفي، لأن شبكة الامان العربية حول فلسطين تكاد تُنهي القضية الفلسطينية، منها ان المواقف الملتبسة بالنسبة لتركيا سمحت لأردوغان باحتلال اراض عربية في سورية والعراق وليبيا والتدخل في اليمن وتونس والمغرب والسودان وكثر من البلدان الاخرى.

لذلك فإن دعم الموقف المصري بتأييد عربي يجب ان يبدأ بسحب السودان من خانة التحالف مع إثيوبيا الى حالة بناء موقف مصريسوداني من موضوع عدم السماح بالاحتكار الاثيوبي لمياه النيل، هذا الى جانب الاستعداد «لإقناع عسكري» مدعوم عربياً بعد فشل كل الاساليب السياسية.

وهذا من شأنه إعادة اللحمة بين العرب على كل المستويات وإفهام إثيوبيا ان معركتها المتنوعة لن تكون مع مصر بمفردها. الأمر الذي يؤدي الى انهاء الالتباس الاميركي وعودة واشنطن الى الزام إثيوبيا بالمحافظة على حصة ام الدنيا من مياه النيل الذي قال فيه أبو التاريخ المؤرخ الاغريقي هيرودوت بأن مصر هي هبة النيل قبل ولادة إثيوبيا والسودان وكامل بلدان افريقيا بنحو خمسة آلاف عام فقط. فاتعظوا من التاريخ الذي لا يرحم ولا يعترف بركاكة السياسي وانصياعيته للأميركيين والاسرائيليين، فأم الدينا لا تتخلى عن نيلها مهما تراخت سلطاتها السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق