حديث الجمعة

قالت له

قالت له: في زمن الكورونا لا عذر للتقبيل ولا تهاون في العناق.

قال لها: وصار التخاطب كما المصافحة من خلف قناع أو من وراء منديل.

قالت: وماذا يبقى من الحب؟

قال لها: نكتشف كيف كان الحب في الزمن الجميل.

قالت: وكيف؟

قال: نمسك معاً الكتاب ذاته ونقرأ كل بصوت عالٍ فقرة أو فصلاً ونتداول ما قرأنا مرة بحماس الاختلاف ومرة بابتسامة الاكتشاف.

قالت: وماذا أيضاً؟

قال: يقف كل منا على طرف الشرفة أمام حوض ملأناه بالتربة نزرع ورداً وخضرة ونسقيها بماء نظيف ونتنافس في تحدّي مواعيد القطاف.

قالت له: ألا ترى شبهاً بين القناع الصحي في زمن الكورونا والنقاب اليمني القديم؟

قال: وأراه شبيهاً بمنديل زورو يلفه على نصف وجهه الأسفل ليخطف حبيبته وراء ظهره على ظهر حصان.

قالت: تساوى الرجل والمرأة في زمن الكورونا بالنقاب.

قال: تساوى البشر جميعاً حاكماً ومحكوماً، كما الغني والفقير وصار الخوف جامعاً بين الناس لا يميّز عرقاً ولا جنساً ولا ديناً ولا يقف وراء حدود طلباً لتأشيرة ولا يتّقي منه الناس مهما كانت لديهم أسلحة وجيوش وأموال ومراتب فيتسلل إلى أنف الملك والأمير، كما ينفذ إلى أنف المتشرّد الفقير.

قالت: ويزيدنا إدراكاً أن الموت يقبع خلف الأذن تقديراً لمعاني الحب الخالدة فندرك تفاهة التخاصم وسخافة التعالي وحماسة الأنا وتسرّع الصراخ وعبثية الفراق.

قال لها: يصير العناق تمنياً ليس فقط لأنه ممنوع عنا، بل لأنه استحقاق للمعاني التي نتبادلها ويصير الاشتياق تعبيراً عن العرفان وشكلاً من الشكر لا مجرد شوق للجسد، فتسقط الشرور التي تسللت إلى قلوبنا وتسقط النميمة ويسقط الحسد.

قالت: نستعمل كل المطهرات لنهرب من شر هذا الفيروس وهو يطهّر من الشرور كل النفوس.

قال لها: تعالي نخترع لزمن الكورونا قبلة وعناقاً.

قالت: أتذكر لعبتنا ونحن صغاراً نغني «أنا النحلة وأنا الدبور»؟

قال: أن نتبادل ظهورنا ونمسك أيدينا متعاكسة متشابكة من أكواعها ويحمل كل منا الآخر بالتناوب منحنياً إلى أسفل والآخر وجهه للأعلى محمولاً فوق ظهره ونحن نغني «أنا النحلة وأنا الدبور».

قالت: نعم هذا هو العناق.

قال لها: وما هي قبلة المشتاق؟

قالت: كدولاب الهواء نرقص وجوهنا متعاكسة واليمين تشبك اليمين من الكوع ونرسم برقضتنا الدوائر فلا تتقابل الوجوه ولا تتلامس الأيدي.

قال: الحب لا يعرف المستحيل في زمن الكورونا.

قالت: والكورونا لا يعرف المستحيل في زمن الحب.

ضحكا وأخذ كل منهما جهة على رصيف يمشيان بوتيرة واحدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق