آراء ودراساتكتاب بناء

اعرف عدوّك (5)

} وجدي المصري

 «إنّ صيحة اللاسامية القبيحة هي العصا

 التي يستعملها الصهاينة لحمل غير اليهود

على قبول وجهة النظر الصهيونية بشأن

 الأحداث العالمية أو التزام الصمت»

                   الصحافي هارولد د.بايتي

 

السامية مصطلح يُقال «إنّ أول من أطلقه هو أ.ل.شلوزر قصد منه وصف الشعوب التي كانت لها علاقة بالعبريين ولغتهم. والتعبير مأخوذ من اسم سام بن نوح (شم بالعبرية)، وهو الجدّ المزعوم للعبريين ولأقوام توارتية أخرى. وتتحدّث التوراة العبرية عن شعوب تحدّرت من سام دون أن تصفها بالسامية». هذا الكلام ورد في كتاب التوراة جاءت من جزيرة العرب للمؤرخ كمال الصليبي. وبإمكاننا أن نستنتج من كلام كمال الصليبي هذا عدة أمور. أولها أنّ سام هو شخصية أسطورية بدليل قوله: «الجد المزعوم». وثانيها أنّ التوراة لم تقل عن الجماعات التي تحدّرت من أبناء سام إنهّا شعوب سامية، وهذا أيضاً يثبت أنّ هذا التعبير مستحدث. وثالثها أنّ استحداث هذا التعبير لم يُقصد منه الدلالة على سلالات محدّدة، وإنّما أراد مُطلقه أن يميّز بين اللغات القديمة التي كانت سائدة أيام ظهور العبرانيين على مسرح التاريخ، وحيث وجد علماء اللغات علاقة وثيقة وجذرية بين اللغات التي كانت منتشرة في منطقة الشرق الأوسط. وأختلف الدارسون بشأن هذه اللغات، فمنهم من اعتبر أنّ اللغة العربية هي أساس جميع اللغات، وهؤلاء هم العروبيون الوهميون، ومنهم من اعتبر العبرية إحدى اللغات القديمة، أمّا الدارسون الموضوعيون فرأوا أنّ اللغة الأولى هي اللغة المسمارية، لغة السومريين، لكنها كانت لغة رسوم، وكان على البشرية انتظار الإبداع الكنعاني الذي اخترع الأبجدية الأولى ومنها، لا من غيرها، برزت اللغات الأخرى استناداً إلى عاملين اثنين: الأول تمثّــل بالتفاعل الحياتي للشعوب التي كانت تقطن سورية الطبيعية، والثاني تمثّل بالتفاعل الذي كان يتم مع الشعوب التي كانت تلجأ الى سورية الطبيعية، ومنها القبائل التي كانت تنطلق من الجزيرة العربية، إمّا هرباً من قساوة الصحراء فاستقرّت في سورية، وإمّا بدافع الغزوات أو التجارة مما كان يحتّم التفاعل مع السكان الأصليين وهذه الأبجدية الكنعانية نقلها كنعانيو الساحل، الذين أطلق عليهم أهل اليونان لقب الفينيقين، إلى بلاد اليونان التي استطاع مفكّروها على تطوير حروف هذه الأبجدية لتتناسب مع لغتهم المحكية فكانت اللغة اليونانية القديمة أولى اللغات المكتوبة في أوروبا، وأتت بعدها اللاتينية التي أنطلقت من روما وبدأت تفرض نفسها كأم لكلّ اللغات الأوروبية. وبعد الكنعانية سيطرت الآرامية على كامل سورية الطبيعية بل تعدّتها لتصبح اللغة الأكثر تداولاً كالإنكليزية في أيامنا هذه، والأرامية هي اللغة التي استعملها كتبة التوراة في القرن السادس قبل الميلاد وذلك لأنّ العبرية كانت لهجة كنعانية محلية غير مكتوبة. ثم حلّت لاحقاً السريانية مكان الأرامية. فهل كانت الآرامية والسريانية لغتين جديدتين على الساحة السورية؟ بالطبع لا، فهما تطوّر للغة الأم أي الكنعانية.

ونحن إن عدنا الى أسطورة التكوين التوراتية وتتبّعنا ذرّية سام بن نوح لعلمنا أنّ بني سام هم: «عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام»، تكوين 10 :22. ثم لاحق كاتب التوراة ذرية أرام وأفكشاد وأهمل ذرية كلّ من عيلام وأشور ولود. ومن ذرية أرام وأرفكشاد يلفتنا اسم ولد واحد هو عابر، فهل هذا العابر هو أبو العبرانيين، أم أنهّم سموا كذلك لأنّ ابراهيم عبر النهر (دون ذكر أي نهر) هو ومن كان معه من عائلته، فأطلق لاحقاً على ذريته اسم العبرانيين؟

وما يهمّنا من كلّ ذلك هو التركيز على مسألتين. في ما خصّ كلمة السامية. الأولى هي المسألة اللغوية والتي أثارها شلوزر كما ذكرنا والذي انطلق من النص التوراتي الذي يعتبر أنّ تفرّق الأمم وتعدّد اللغات حصل بعدما نزل يهوه وخرّب برج بابل الذي، بحسب التوراة كان بنو آدم يقومون ببنائه. «فنزل الربّ (يهوه) لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الربّ (لمن قال ومن سمعه يقول؟) هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كلّ ما ينوون أن يعملوه. هلمّ ننزل ونبلبل (مع من كان يتكلّم يهوه؟ وهل (الله) بحاجة الى من يعاونه لتنفيذ ما ينوي القيام به؟) هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبدّدهم الربّ (يهوه) من هناك على وجه كلّ الأرض. فكفّوا عن بنيان المدينة. لذلك دعي أسمها بابل. لأنّ الربّ هناك بلبل لسان كلّ الأرض» تكوين 11: 5-9.وعلى هذا الكلام لنا ملاحظات عدة غير التي وضعتها بين هلالين داخل النص». الملاحظة الأولى هي أنّ هذا التفسير لتعدد الأمم واللغات هو تفسير بسيط سخيف يجافي الواقع والعلم. والملاحظة الثانية هي أنّ كاتب هذا النص تقصّد تزوير الحقيقة التي برزت بعد اكتشاف مدينة بابل أواخر القرن الثامن عشر، حيث دلّت الوثائق أنهّا مدينة بناها البابليون وكانت حاضرة العلم والفن، ازدهرت في عهد الملك حمورابي (1792 – 1750 ق.م)، وهذا يعني نسبياً أنّها مدينة حديثة إذا ما قسنا وجودها مع وجود الإنسان الأسطوري الأول أي آدم. والملاحظة الثالثة وهي التي تؤكد أيضاً تزوير كاتب التوراة هي أنّ اسم بابل يعني باب الإله إستناداً إلى أبحاث كلّ علماء اللغات القديمة، لا علاقة له بفعل بلبل كما فسّره كاتب التوراة. والملاحظة الرابعة هي أنّه كان على الإنسان أن ينتظر ملايين السنين من التطور كي يصل الى مرحلة بناء المدن والأبراج، وكاتب التوراة جعله يقوم بذلك منذ أن وُجد على سطح الأرض. والملاحظة الخامسة هي بمثابة تساؤل حول السبب الذي دعا الربّ (يهوه) لأن ينزل لتدمير المدينة والبرج وبلبلة لسان من كانوا يبنونهما، فممّ خاف الربّ (يهوه) وعلى ماذا خاف ليقوم بهذا العمل؟ سؤالان برسم مفسّري العهد القديم ومتفذلكي التأويلات.

وإذا كان العلم اليوم يُثبت أن ما ورد في أسفار التوراة، خاصة تكوين وخروج، هو من باب الأساطير أولاً، وهو من باب التأثر والتقليد والسرقة عن أساطير الأقدمين ثانياً، فهذا يعني أنّ كلّ الشخصيات التي تم الإعتماد عليها لبناء فكرة الشعوب السامية، هي شخصيات وهمية خيالية، وبالتالي فكلّ ما بُني على خيال هو وهم أيضاً لا يمتّ الى الحقيقة بصلة. ومن هذا المنطلق يمكننا القول بإنّه إذا لم يكن هناك وجود فعلي لنوح، فإنّه من نافل القول أن لا يكون هناك وجود لأولاده. ففكرة تشعّب الأمم من أولاده الثلاثة فكرة سخيفة لا تعدو كونها مجرد محاولة بدائية لتفسير تعدّد الشعوب فوق هذه الأرض. ونحن إن سلّمنا بهذه المقولة التي تحصر النوع البشري بثلاثة من أولاد نوح، فمن حقّنا أن نتساءل: لماذا كلّ هذا التركيز على الساميين، وبشيء أقلّ على الحاميين، في الوقت الذي تم طمس الذريّة اليافثية؟ وإذا كانت التوراة تقول إنّ أولاد سام هم عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام، ألا يعني هذا أنّ ذريّة هؤلاء الأولاد يجب أن تعتبر من الساميين؟ فلماذا حُصرت الذرية السامية ببني إسرائيل وأصبحت معاداة السامية تعني العداء لليهود فقط؟

لقد فرض الصهيانة هذا المصطلح على العالم أجمع، وأستغلّوا المفهوم الذي أسقطوه عليه، وجعلوا منه فزّاعة يواجهون بها كلّ من يحاول أن ينتقد سياسات دولة الإحتلال ضدّ الفلسطنيين بشكل خاص، وضدّ الكيانات السورية المحيطة بفلسطين بشكل عام. لقد مارسوا أبشع أنواع الترهيب والترغيب ليسكتوا كلّ الأصوات التي بدأت تتعالى في العالم أجمع متهمة دولة الإحتلال بالعنصرية، وتوصلوا إلى إجبار الأمم المتحدة على التراجع عن قرارها الذي اعتبر أنّ الصهيونية حركة عنصرية. أسكتوا وسائل الإعلام العالمية، أسكتوا السياسيين (السيناتور بول فندلي مثالاً)، أسكتوا المفكّرين والباحثين، وتوصلوا إلى إقناع الرأي العام العربي بهذه البدعة التي لا تستند إلى أيّ مرتكز علمي موضوعي.

يقول إسرائيل شاحاك في مؤلّفه الديانة اليهودية وتاريخ اليهود ما يلي: « إنّ معاداة السامية كانت، وإلى حدّ كبير، تعبيراً عمومياً لكراهية الغرباء. ولكنّ اليهودي كان في بلدان أوروبية عديدة، في حوالي العام 1900،الغريب الوحيد عملياً. فالعنصريون الألمان في أوائل القرن العشرين كانوا مبدئياً، يكرهون السود ويحتقرونهم، بقدر ما كانوا يكرهون اليهود ويحتقرونهم». وفي صفحة أخرى يقول: « إنّ الأنسان العنصري لا يكره فئة واحدة معيّنة. بل هو يكره كلّ من لا يمت إليه بصلة». وها نحن اليوم ما زلنا نلمس كراهية لدى بعض الشعوب لأي مواطن يستوطن بينها وهو ليس منها. ولنا بمشاعر نسبة كبيرة من الأميركيين تجاه السود، ولغاية اليوم، وتجاه المهاجرين من أميركا الجنوبية أكبر دليل على ذلك. حتى أنّ الكراهية تظهر بين أفراد الشعب الواحد، وكم نتندّر نحن في لبنان بأنّ أبناء المدينة هذه أو تلك يكرهون الغريب أي أيّ مواطن لبناني مثلهم تضطره ظروفه للإنتقال من قريته أو مدينته ليستقر بينهم. لكنّ الفرق كبير بين هذه المشاعر التي تظهر بين الشعوب، وبين مشاعر اليهود ضدّ منتقديهم، لأنّهم لا يتورعون عن استعمال شتى الأساليب، وصولاً إلى التصفية الجسدية أو المعنوية المادية، لكلّ من تسوّل له نفسه توجيه الإنتقاد لهم. ولكي يصبغوا على كراهيتهم للأغيار تبريراً يخفف من حدّة هذه الكراهية، تمسّكوا بلفظة السامية وإختزلوا معانيها حتى باتت تعني فقط وحصراً كراهية اليهود أمّا لماذا قام الصهاينة بهذا التحوير، فإنّ الإجابة بسيطة وتتمثل بسعيهم الى استغلال كلّ ما من شأنه، بداية، المساعدة على اختلاق إسرائيل، ثم بعد ذلك، استمر الإستغلال لإسكات كلّ من يتجرأ على انتقاد السياسة الإسرائيلية أو مفاعيل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وها هو الواقع نعيشه كلّ يوم، ليس فقط في الأراضي المحتلّة، بل في كلّ كيانات أمتنا، حيث يتقبل العالم أجمع كل ما تفعله دولة الإحتلال من قتل، ونهب، وتدمير، وحصار، وتهديد، وضم، ولا يرفع صوته حتى للتنديد وهو أبسط الإيمان، لكنّه يقيم الدنيا إن قام أحد الفلسطنيين بجرح، وليس بقتل، يهودي واحد. وما ذلك إلاّ لأنّ دول العالم تعرف حق المعرفة بأنّها إن اعترضت ستوصم مباشرة بمعاداة السامية، وأنّ اللوبي اليهودي العالمي سيضغط على الولايات المتحدة لكي تنزل العقوبات بهذه الدولة أو تلك، ممّا لا طاقة لها على احتماله، فتفضّل السكوت.

وكما أستغلّ اليهود الصهاينة مصطلح السامية، كذلك استغلوا مسألة ما يسمى بالهولوكوست أو المحرقة النازية. وكثيرة هي الأبحاث والدراسات التي تنفي هذه المحرقة كما صوّرها الصهاينة، وتنفي هذا العدد الكبير من القتلى الذي رسّخته الصهيونية في أذهان الناس وما زالت تقبض ثمنه حتى اليوم. لا يمكننا أن ننفي أنّ النازيين كانوا يكرهون اليهود نتيجة تآمرهم مع البريطانيين لدحر هتلر، ولكن في الوقت نفسه كـُــثر اليوم تخطوا الخوف وبدأوا يكشفون تآمر الصهاينة على بني جلدتهم لكي يستغلوا ذلك لدفع الدول المنتصرة في الحرب على مساعدتهم بالإستيلاء على أرض فلسطين. ومن يقرأ كتاب روجيه غارودي (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية،) وكتاب نورمان فنكلشتاين (كيف صنع اليهود الهولوكوست)، وكتاب الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر (السلام ممكن في الأراضي المقدسة)، لا بدّ وأن يدرك مدى الأكاذيب التي يفرضها الصهاينة على العالم على أنهّا حقائق ويستغلونها في سبيل غاياتهم التي لا يمكن وصفها إلا باللاإنسانية.

وخلاصة القول تبقى بأنّ السامية بدعة ليس لها أيّ مرتكز علمي، ولا أيّ إسناد تاريخي، ولقد أبتلعها العالم بأجمعه دون تفكير أو تدقيق، ترغيباً أو ترهيباً. هي بدعة تماماً ككّل تاريخ بني إسرائيل المبني على الأوهام والأكاذيب. ولئن كان اليهود لغاية اليوم، بل تحديداً في هذه الأيام، ما زالوا يشهرون السامية سيفاً مسلطاً فوق رقاب البشرية جمعاء، ألا يحق لنا بالمقابل أن نعلن عداءنا لهذه الفئة من الناس التي تريد تدميرنا وتهجيرنا والإستيلاء على المزيد من أراضينا؟ ألا يعتبر سكوتنا، بل ممالأتنا لسياسة دولة الاحتلال، جريمة نرتكبها بحق أنفسنا، وحق أجيالنا؟ نحن لا نكره اليهود لأنّهم يهود كما يحاولون إقناع العالم، بل لأنّهم استعملوا يهوديتهم لسرقة حضارتنا وأرضنا وحقّنا، ولن نجاري أحداً فنخاف من غضب الصهاينة إن نحن أنكرنا أكاذيبهم ووقفنا مع حق أمتنا بكلّ حبة تراب من أرضها.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق