أولىكتاب بناء

دونالد ترامب
وحروب «الأمة المختارة»

 

 

 

 توفيق شومان

 

 

انقلبت أفكار أبي الطب اليوناني أبقراط (460 ق.م ـ 370 ق.م) رأساً على عقب، حين اجتاح وباء الطاعون بلاد الإغريق في عام 430 ق. م، إذ ربط أبقراط علم الطبابة بالأخلاق وجعلهما متكاملين غير منفصلين، فحين رأى الناس يموتون صرعى الطاعون، قرّر إخراج الطب من عالم مغلق على الكهنة والتوارث والاحتكار، إلى عالم مفتوح لكلّ راغب ومريد ومريض.

بعد هذا الانقلاب ورث أبقراط لقباً إنسانياً سامياً، لعله الأرفع، وغدا يُعرف بأبي الطب في العوالم القديمة والحديثة.

ماذا يمكن أن يُقال عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين يحظر مستلزمات الوقاية من وباء كورونا عن إيران أو يحجرها عن الإيرانيين؟

الرئيس ترامب يقول إنه يخوض حروبه ويمارس سياساته في الخارج والداخل وفقاً لـ «مشيئة الله».

هكذا قال عن حربه التجارية مع الصين، فـ «الله اختارني لخوض هذه الحرب وإنجاز هذه المهمة».

وهكذا قال في تجمع انتخابي مع الإنجيليين قبل فترة قصيرة فـ «الله يقف إلى جانبنا وكلّ مذبح شيطاني يُرفع ضدّنا سيسقطه الله».

وقال مراراً وتكراراً إنّ إيران تقود «محور الشر».

هذا الخطاب الإيمانيّ ـ القدريّ وفقاً لتأويلات المستوطنين الأميركيين الأوائل، وعلى الرغم من مخالفته الصريحة لما تورده الأناجيل المقدّسة عن السيد المسيح وقوله على سبيل المثال: «إن ألقيتم السلام على إخوانكم وحدهم، فأيّ زيادة تفعلون؟ أوَليس الوثنيون يفعلون ذلك؟»، أو قوله: «إن أحببتم من يحبكم فأيّ أجر لكم؟»، فإنه يعيد إلقاء الضوء على مفهوم «الأمة الرسالية وأرض الميعاد» التي أسبغها أوائل الأميركيين على أنفسهم، واعتبارهم الأرض الأميركية المكتشفة حديثاً منحة من الله بهدف إقامة «الأمة الفاضلة».

قليل من التاريخ المعاصر والقريب قد يفيد:

أكثر الكتب المعروفة على المستوى العالمي، تناول نشوء الولايات المتحدة الأميركية، كتاب للفرنسي ألكسيس دو توكفيل (1805ـ 1859) بعنوان «الديمقراطية في أميركا» يقول فيه إنّ مؤرّخ السنوات الأولى للولايات المتحدة ناثانيل مورتون كتب عن مستوطنة «نيو إنيجلند» فقال: «إنه لواجب مقدس علينا، نحن الذين نال آباؤهم كثيراً من نعم الله، بإلهامهم إنشاء هذه المزرعة، أن نقوم بتخليد ذكراها، حتى نبيّن للأجيال المقبلة أنّ الواجب عليهم أن يحمدوا الله على ما أتاهم، وكيف أمر الله بنقل هذه الكروم وغرسها في الصحراء، وكيف طرد الوثنيين منها»، وفي الفترة نفسها كتب فرنسيس هيجنسون قائلاً: «نحن هنا نعلم الدين الحق والوصايا المقدسة، ولا نشك أن الله معنا، وحين يكون الله معنا، فمن يستطيع أن يكون ضدنا؟».

مثل هذه الكتابات المتحوّلة إلى عقيدة لدى شريحة من المستوطنين الأميركيين، ستجد لها مماثلات عدة في كتاباتهم وعقائدهم وممارسات أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وبحسب فرانك لامبرت في كتابه «الدين في السياسة الأميركية» أنّ أقوى الأساطير في الثقافة الشعبية الأميركية «أن الله اختار البراري الأميركية لإنزال نعمه عليها»، ويعتبر جاي باريني في كتابه «أرض الميعاد» أنّ من بين الكتب الثلاثة عشر التي غيّرت أميركا وشكلت عقلها الجمعي، كتاب لماري آنتين عن «أرض الميعاد» (1912)، وهو كتاب يحتلّ مكانة مرموقة في الثقافة الأميركية العامة، وعلى ما يقول ألمع المؤرّخين الأميركيين في القرن العشرين دانيال بورستين (1914ـ 2004) في كتابه الذائع الصيت «الأميركيون» إن جماعات من المهاجرين الآوائل كان لديها اليقين بأنها تسير على «الصراط المستقيم لبناء صهيون جديدة في الأرض الأميركية الجديدة».

قد يصعب حصر الكتابات والمؤلفات المتحدثة عن «الرسالية الأميركية»، غير أنّ هذه «الرسالية» كما يصفها ميشال بوغنون ـ موردان في كتاب «أميركا التوتاليتارية» أدّت بالولايات المتحدة إلى انتهاج سلوك سياسي على المستوى العالمي انطلاقاً من قاعدة إيديولوجية تقوم على محورين:

ـ الأول: الاقتناع بأنّ الولايات المتحدة مكلفة برسالة إلهية.

ـ الثاني: الاقتناع بأنّ تنفيذ هذه الرسالة يستلزم استخدام كلّ الوسائل بلا تحريم.

هنا بالضبط، يمكن العثور على خلفيات «تحريم» دونالد ترامب تزويد الإيرانيين بالوسائل الطبية المفترضة أو الإفراج عن أموالهم المجمّدة.

ومن هنا بالضبط يمكن فهم ما قالته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس ـ قبل تفشي وباء كورونا في الولايات المتحدة: «إننا نرى قادة إيرانيين يموتون»، وكذلك تصريح وزير التجارة الأميركية ويلبر روس حين قال: إنّ تفشي فيروس كورونا في الصين قد يفيد الاقتصاد الأميركي وينعش فرص العمل في الولايات المتحدة.

كلّ هذا يعيد عقارب إيديولوجيا الرؤساء الأميركيين إلى الوراء بعض الشيء:

ـ الرئيس بنيامين فرانكلين (1706ـ 1790) وقوله: إنّ مصلحة أميركا هي مصلحة الإنسانية.

ـ الرئيس جون آدامز (1735ـ 1826) حيث يقول: أميركا هي وطن وأرض السعادة البشرية.

تلك شواهد من الماضي البعيد نسبياً

ماذا عن الماضي المعيش والحاضر؟

المفكر الأميركي فرانسيس فوكويوما صاحب الكتاب الشهير «نهاية التاريخ»، يقول في كتاب له بعنوان «أميركا على المفترق» إنّ الأميركيين رأوا في هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية «نتيجة أخلاقية» وأنّ كثيرين منهم أدرجوا الحرب الأميركية على العراق في عام 1991 في سياق «الهيمنة الخيّرة التي تقدّم خيراً كونياً عاماً».

ينقل رئيس التحرير الأسبق لصحيفة «الحياة» جهاد الخازن في كتابه: «المحافظون الجدد والمسيحيون الصهيونيون» أنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال له نقلاً عن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الإبن: «إنّ الله أمره بمحاربة حركة طالبان وبقتال الرئيس العراقي صدام حسين».

آنذاك قال الرئيس بوش أيضاً: إنّ النصر حتمي في هذه الحرب لأنّ الله يقف إلى جانب قوى الخير التي تمثلها الولايات المتحدة».

الرئيس بوش قال: إنّ الله يقف إلى جانب أميركا، تماماً كما قال الرئيس ترامب: «إنّ الله يقف إلى جانبنا» في المجمع الانتخابي الإنجيلي، كما سبق القول.

ومثلما قال ترامب في المجمع نفسه: «كلّ مذبح شيطاني يُرفع ضدّنا سيسقطه الله»، كان قاله فرنسيس هيجنسون قبل مئتي عام: «لا نشك أنّ الله معنا، وحين يكون الله معنا، فمن يستطيع أن يكون ضدّنا؟».

القناعة نفسها والمفردات نفسها كأنها صراط لغوي واحد، وهو الأمر عينه الذي أبدع به الرئيس الأميركي رونالد ريغان في ولايتيه الرئاسيتين (1981ـ1989)، وإليه يعود سبق تقسيم العالم إلى فسطاطين: محور الشر ومحور الخير، علماً أنّ عتبة ولايته الرئاسية الثانية كانت بدأت تشهد تفكك الاتحاد السوفياتي، ومع ذلك أخذه الإصرار إلى العقيدة الفسطاطية، والهدف من ذلك التأكيد على «خيرية» الولايات المتحدة ونصرة الله لها على أعدائها الأشرار، فهي «الأمة الطاهرة»، ولذلك يجب تعميم هذه «الطهرانية» على كلّ مفاصل الدولة الأميركية، فـ «الرب ألزمهم بذلك، وأنّ من واجبهم أن يطيعوا أمر الرب»، مثلما ورد في كتاب كيمبرلي بلاكر المعنون بـ «أصول التطرّف اليميني في أميركا».

تقدّم القول إنّ حروب الولايات المتحدة لا تعرف التحريم كما قال ميشال بوغنون ـ موردان، وفي ذلك تقول جين كيركباتريك السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة في عهد الرئيس ريغان في كتاب حرّره آرون سيلزر بعنوان «المحافظون الجدد» وأورد فيه مقالات ومحاضرات لرئيسي الوزاء البريطانيين الأسبقين مارغريت تاتشر وطوني بلير ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس وآخرين: «إنّ من شأن الدفاع عن مصلحتنا القومية ألا يكون مرتبطاً عضوياً بالدفاع عن حقوق الإنسان أو أيّ قضية أخرى جديرة أخلاقياً».

في هذا الكلام لجين كيركباتريك، يتمّ التقاط أبعاد أخرى في الحروب الأميركية على العالم، ومن ضمنها الحرب الدوائية والمالية على إيران، فطالما أنّ هذه الحروب تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة، فهي «حروب خيّرة»، حتى لو رآها كلّ العالم مغايرة لذلك، فإيديولوجيا الخير حصرية بالمكان والزمان الأميركيين، وما يقوله الآخرون لغو وشطط.

هو تعريف غير مسبوق للخير.

تعريف يستند إلى المصلحة الذاتية والنفعية وليست المصلحة الإنسانية.

ولكن من الإنصاف القول إنّ الحرب الدوائية والمالية على إيران، بالرغم من كونها تتخذ واقعاً أكثر سفوراً في جانبه غير الأخلاقي، إلا أنّ سياسات التطرف الأميركي، لم تبق ولم تَذَر أحداً، لا روسيا ولا الصين، ولا حتى الحليف الأوروبي العجوز كما وصفه الرئيس ترامب ذات مرة، ونقاش «الحرب الباردة» بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مفتوح على جوانب عدة منذ تسعينيات القرن العشرين، ولعلّ كتاب «الفردوس والقوة» لروبرت كيغن، والذي خرج من المطابع في عام 2003، يشكل نموذجاً صارخاً لنمط التفكير الأميركي تجاه القارة الأوروبية.

هي «الأمة الخيّرة» كما اعتقد بها الأميركيون السابقون والأميركيون اللاحقون ومن ضمنهم الرئيس ترامب.

هذه «الأمة» ماذا تريد؟

هذه «الأمة» تريد كلّ شيء: أن تكون القوة العسكرية الأقوى ـ أن تكون الاقتصاد الأقوى ـ أن تكون مركز المال والأعمال ـ أن تتجاوز الأمم المتحدة ولا تأبه لقراراتها (نموذج صفقة القرن) ـ أن تقبض على صندوق النقد والبنك الدوليّين ـ أن تهيمن على منظمة التجارة العالمية ـ أن تنسحب من اتفاقية المناخ ـ أن تخوض حروباً نفطية ومالية ودوائية ويميل نحوها الآخرون حيث تميل، وكلّ ذلك تحت شعار «أميركا أولاً» لأنها «الأمة المختارة».

كيف هي «مختارة»؟ ويقودها الرئيس ترامب ومن «أقواله المأثورة»:

ـ منافستي على الرئاسة هيلاري كلينتون محتالة ـ رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي جرو مريض ـ وزير خارجيتي ريكس تيلرسون كان كسولاً وغبياً ـ وزير دفاعي جيمس ماتيس وقح وسيّئ أجبرته على الاستقالة ـ مستشاري للأمن القومي جون بولتون شحاذ ومتسوّل ـ «نيويورك تايمز» كذابة ـ «وول ستريت جونال» غير شريفة.

تقول صحيفة «واشنطن بوست» (1ـ 1ـ 2019) في تحليل لمواقف وتصريحات الرئيس ترامب: «إنه كذب 5600 كذبة في عام 2018، وبمعدل 15 كذبة في اليوم الواحد».

لم يتمّ تحليل مواقف الرئيس ترامب في عام 2019، بسبب انشغال الصحافة الأميركية بجائحة كورونا في عام 2020، إلا أنّ هذه الصحافة نقلت عنه مواقف وتغريدات في غاية السوء، ومنها: «أودّ أن أرى الكنائس تكتظ بجمهور المصلين، في عيد الفصح فهذا سيحرك اقتصادنا».

هو يعلم أنّ جائحة كورونا مستمرة، ومع ذلك يدعو الناس إلى الموت. يدعو كبار السنّ إلى القبور.

ما لم يقله ترامب حرفياً، قاله نصيره في الحزب الجمهوري، جيف دان باتريك، نائب حاكم ولاية تكساس، حيث دعا المعمّرين والكبار في السنّ لأن يضحّوا بأنفسهم إنقاذاً للاقتصاد والأحفاد!

«قادة مختارون» لـ «أمة مختارة» يحجبون الدواء عن الناس في إيران، و»قادة مختارون» لـ «أمة مختارة» يدعون إلى ترك كبار السن في بلادهم في عراء الموت!

هؤلاء «القادة المختارون»: هل قرأوا ما قاله السيد المسيح: «أكرم أباك وأمك كما أوصاك الربأكرم أباك وأمك كي تطول أيامك»؟

هؤلاء «القادة المختارون»: هل يقرأون الأناجيل المعروفة أم يقرأون أناجيل غير معروفة؟

في أية أناجيل يقرأون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق