تحقيقات ومناطقكتاب بناء

المواطن عالق بين مطرقة الداء الوباء وسندان الغلاء صنيعة التجار ومصطادي الأرباح على حساب الفقراء وزارة الاقتصاد ترسل المراقبين إلى المحال الصغيرة وتغفل كلّ مَن يحتكر البضائع ليرفع السعر أكثر من وتيرة ارتفاع الدولار

عبير حمدان

اللبنانيون عالقون بين مطرقة داء كورونا الذي يحبسهم في منازلهم تجنباً للإصابة به وهو لا تبصره العين وتدور حوله الفرضيات العلمية واللاعلمية دون أيّ أفق واضح حتى الآن لما ستؤول اليه الأمور، وبين سندان غلاء الأسعار الذي يتكفل بما يعجز عنه الوباء.

كثيرون فقدوا وظائفهم وآخرون اقتطع من رواتبهم، والرواتب أصلاً فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، في حين أنّ أسعار المواد الغذائية والخضار ترتفع بشكل يتخطى أيّ منطق رغم انّ الكثير من الخضروات متوفر محلياًوهكذا يقع اللبنانيون فريسة جشع التجار الذين يتاجرون بلقمة الفقراء دون أيّ حسيب أو رقيب من قبل الوزارات المعنية؟

باتت المحال المستثناة من الحجر الصحي شبيهة بأسواق البورصة التي ترفع اسهمها إلى أعلى مستوى، مقابل ذلك تعمد البلديات إلى مصادرة عربات الخضار، وبذلك تقضي على أيّ فرصة للمستهلك كي يجد حاجته بأسعار معقولة نسبياً.

أما الطامة الكبرى، فهي أنّ الوزرات التي يجب أن تؤدّي وظائفها في هذه المرحلة، فإنها تلوذ بضعف الإمكانات ونقص الطواقم، فلا وزارة اقتصاد فاعلة ولا مديرية حماية المستهلك تقوم بوظائفها، وذلك خلافاً للتعبئة العامة المعلنة.

الناس الملتزمة بالحجر المنزلي خشية من الوباء لا تأخذ من وزارة الاقتصاد إلا البيانات مقابل جنون غير مسبوق في الأسعار وغياب أيّ خطوة فاعلة أو تدابير لملاحقة كلّ من يزيد معاناة الفقراء ويعمد إلى زيادة أرباحه على حساب قوتهم اليومي، والمفارقة أنّ خط التصدير شغال على حساب السوق المحلي، والاستيراد من سورية على سبيل المثال والذي قد يساهم في خفض أسعار المنتوجات متوقف، وفي كلا الحالتين الغلاء يستفحل ولا أفق واضحاً لسياسة اقتصادية ناجعة من قبل الوزارة المعنية.

 

لا نزال في أول طريق الغلاء

اكد الدكتور كمال حمدان (خبير اقتصادي) في اتصال مع «البناء» أننا لا نزل في بداية الطريق والآتي اعظم، وقال: «نحن نعدّ دراسة حول الواقع الحالي وسنعمّمها على وسائل الإعلام، ولكن سأجيبك بإيجاز واختصار، بأننا لا نزال في بداية طريق الغلاء، والجوع قادم لا محال في ذلك إلا إذا تمّ التغيير الجذري في هذا النظام السياسي والشركة السداسية التي أوصلتنا إلى هذا الدّرك، اليوم لا سقف للدولار ونحن نسير نحو الانهيار الاقتصادي فإما نبلغ الفوضى التي قد تنتج جراء غضب الناس مقابل زعماء الكانتونات، أو ينتقل الحكم بطريقة سلمية إلى العقلاء والجادّين من هذا الشعب الذي أطلق صرخته ضدّ الفساد المتجذّر في نظامنا السياسي، وأنا هنا أتحدث عن الشعب البعيد عن التسييس والارتهان لمشاريع مشبوهة، وعن الناس الذين يريدون بناء الوطن وانتشاله من الأزمة».

الحمضيات منتوج محلي مفقود

تنتشر المحال على طول الخط الساحلي الممتدّ من الجناح إلى الأوزاعي مع أسعار بدت وكأنه متفق عليها من قبل أصحاب هذه المحال، والمفارقة أنه في ظلّ الإقفال القسري جراء الواقع الصحي المستجدّ اضطر جزء كبير من المواطنين إلى ابتداع الحلول التي تجنّبهم العوز، فكانت عربات الخضار والفاكهة هي الحلّ الأمثل في ظلّ غياب أيّ خطة فعلية من قبل الجهات المعنية في الدولة للتعويض على الناس وحفظ الحدّ الأدنى من كرامتهم على الأقلّ في ما يتصل بضروريات الحياة الأساسية من مواد غذائية، ويبقى مشهد «بائع الخضار» الذي ذبح نفسه أخيراً في منطقة الأوزاعي حين صادرت القوى الأمنية عربته عامل إدانة للدولة التي من واجبها رعاية مواطنيها وليس قتلهم ببطء وكأنه لا يكفيهم الحجر الإلزامي ليحاصرهم الجوع والداء في آن معاً، أما أقصى ما نشهده من جمعية حماية المستهلك هو التصريحات الإعلامية عبر تقارير متلفزة دون أيّ خطوات ملموسة على أرض الواقع.

وهذا ما يؤكده مهدي أحد الشباب الذي في إجازة قسرية كون المؤسسة التي يعمل فيها (محلّ ألبسة) مقفلة منذ بدء التعبئة، فيقول: «لا يمكن أن أبقى بدون عمل ونحن عائلة وراتب والدي لا يكفي لذلك لم أجد أمامي سوى بيع الفاكهة والخضار رغم عمليات الكرّ والفرّ مع البلدية التي تعمل مع القوى الأمنية على إزالة عربات الخضار وهي بذلك تساهم في تجويع الفقراء سواء الباعة الذين لا يملكون إلا قوت يومهم بيوم والناس الذي يبحثون عمن يوفر عليهم مستلزماتهم بسعر مقبول، والأسعار ترتفع بحيث يتحوّل سوق الخضار إلى «سوق للبورصة» وقد وصل سعر قفص الحامض إلى 60 ألف ليرة، وذلك لأنّ الحمضيات يتمّ تصديرها إلى العراق بحسب قولهم في السوق».

أما بلال منصور صاحب ميني ماركت فيؤكد أنّ كبار التجار يضاعفون أرباحهم على حساب المستهلك والباعة الصغار على حدّ سواء، وقال: «التجار الكبار يخزنون البضاعة وحين نرسل الطلبية يماطلون وفي كلّ يوم يتضاعف السعر على كلّ سلعة، وجوابهم لنا دون أيّ خجل «وقت يطلع الدولار زيدوا السعر من عندكم» مما يعني أنه مع كلّ طلبية هناك دفع إضافي وفق سعر الدولار والسرقة الموصوفة لتجار العملة وكلّ التجار الكبار».

ويضيف: «وزارة الاقتصاد لا تحاسب هؤلاء إنما ترسل المراقبين إلى المحال الصغيرة ذلك لأنّ الاستقواء يكون فقط على صغار الباعة، ومن جهتي اختلفت مع هؤلاء المراقبين حين أتوا إلى دكاني وقلت لهم ان يذهبوا ويحاسبوا السوبرماركات الكبيرة حيث أنّ كل سوبرماركت تابعة لجهة سياسية او محسوبة عليها، وكلّ تاجر يعمد إلى احتكار المواد وتخزينها ثم يرفع سعرها وفقاً لوتيرة ارتفاع الدولار مسؤول عن تجويع الناس، وفي النهاية صغار الباعة يتكبّدون الخسائر والمستهلك يدفع الثمن بكلّ الأحوال».

فائض في الدجاجولكن!

التفاوت في نسبة ارتفاع او هبوط اسعار المواد الغذائية واقع قائم بين منطقة وأخرى، ففي البقاع بدأ التصاعد باكراً على مختلف الأصناف، وبحسب أحمد (صاحب دكان للمواد الغذائية) فقد تسلّم كيلو الارز المصري من تاجر الجملة بـ 4000 ليرة وبالتالي عليه أن يبيعه بسعر أغلى ليحقق الربح، فيقول: «التجار الذين يوزعون المواد الغذائية على المحال الصغيرة يتحكّمون بالأسعار دون حسيب أو رقيب وكلّ ما يمكننا فعله هو تقليص ربحنا بحيث لا نزيد كثيراً على سعر السلع مراعاة لأوضاع الناس ونحن منهم».

من جهة ثانية وبعد إعلان وزير الزراعة أنّ هناك فائضاً في الدجاج متوجّهاً إلى المواطنين بضرورة استهلاك اللحوم البيضاء كي لا يضرب الكساد هذا القطاع ترتفع الأسعار فجأة في بعض قرى البقاع، بحيث يصل سعر كيلو «سفاين الدجاج» الى 10000 ليرة وفق «لمى» التي تعمل في محلّ لبيع الدواجن.

والسؤال البديهي: مَن المسؤول عن زيادة الأسعار على ما يُعتبر فائضاً؟ وإذا كان مبرّراً أن ترتفع أسعار اللحم الأحمر جراء عامل الاستيراد فكيف يمكن تبرير زيادة سعر ما لا نستورده إنما هو موجود في مزارعنا؟

حجر صحي وتعويضات بلا قيمة

من يراقب وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكتب أكثر من تحقيق ومقال استناداً إلى حجم الشكاوى ومرارة التعليقات حول الغلاء، ويصحّ القول إنّ «شرّ البلية ما يُضحك» حين نقرأ على سبيل المثال لا الحصر «أنّ الجلاب أغلى من برميل النفط الخام»، وتقول زينب منصور (موظفة) في إجازة قسرية: «لم نعد نفكر بما هو آت لأننا على ثقة بأنه لن يكون أفضل مما نعيشه اليوم، أنا الآن في إجازة قسرية بسبب الواقع الصحي ذلك لأنّ الجميعة التي أعمل فيها غير مستثناة من الحجر، فهي جمعية تُعنى بأطفال التوحّد، وبالتالي من البديهي أن يتمّ الاقتطاع من راتبي وطبعاً هذا أمر مقبول من الناحية الأخلاقية والإنسانية، ولكن ما هو غير مقبول هو أداء الدولة الناقص في مواجهة الغلاء وتجويع الناس سواء من قبل المصارف والصرافين والتجار وكلّ من يحقق الربح المشبوه على حساب هذا الشعب المنهك والذي أصبح بمعظمه تحت خط الفقر».

أما فادي شهاب الدين فيقول: «تمّ صرفي من عملي قبل أزمة كورونا حيث كانت الحجة لدى أصحاب العمل أنّ تحرك الناس في نهاية العام الماضي وقطع الطرقات أثر على سير العمل وكبّد المؤسسة الخسارة، وقد دفعوا لي مستحقاتي، وفي ظلّ الحجر المنزلي وتوقف العمل في كافة القطاعات لم أجد وظيفة واليوم صرفت تعويضي كله ولديّ عائلة والغلاء يجتاح كلّ شيء، والمساعدات المأمولة عبارة عن بيانات وإعلانات نحن بمنأى عنها».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق