أولىكتاب بناء

المواطن بين مطرقة كورونا وسندان الفقر!

 د. محمد سيّد أحمد

 

يمتلك الشعب المصريّ موروثاً ثقافياً شديد الثراء، وهو مخزون من الأمثال والروايات والحكم التي هي خلاصة تجربة وعصارة فكر السابقين، الذين بنوا حضارة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ وصلت إلى سبعة آلاف سنة. وهذا المخزون الاجتماعي الموروث يتمّ استدعاؤه تلقائياً في المواقف الحياتية المختلفة ويتمّ الاستشهاد به للتدليل على صحة تحليلات المواطن البسيط، وفي كثير من الأحيان يقوم الباحثون والمتخصّصون في العلوم الإنسانيّة باستخدام هذا المخزون الاجتماعيّ الموروث كأداة تحليليّة لتشخيص الواقع الاجتماعي.

وفي اللحظة الراهنة من عمر الوطن وفي ظلّ احتدام أزمة كورونا يمكننا استدعاء أحد هذه الإبداعات المصريّة لتشخيص الواقع المصريّ المعاش، فحين يصف الموروث الشعبي المصري أنّ من يقع بين المطرقة والسندان فإنه قد وقع فريسة سهلة بين قوّتين سيهلك حتماً بواسطتهما ولا يمكن أن ينجوا أو يخرج سليماً، ذلك لأنّ المطرقة بقوّتها حين تعلو في الهواء وتهبط فوق السندان الثابت والراسخ على الأرض يكون الواقع بينهما حتى ولو كان حديداً وفولاذاً فهو هالك لا محالة.

والمطرقة في اللغة آلة من حديد ونحوه يطرق بها الحديد ونحوه من المعادن. والسندان كتلة من حديد صلب مركزة فوق قاعدة يُطرَق الحداد عليها الحديد، وحين يُقال هو بين المطرقة والسندان يعني ذلك أنه بين أمرين كلاهما شرّ، وإذا ما حاولنا تطبيق ذلك على الواقع الاجتماعيّ للمواطن المصري في اللحظة الراهنة وبعد أزمة كورونا يمكننا القول إنّ فيروس كورونا هو المطرقة التي ترتفع في الهواء لتهبط بقوّة فوق رأس المواطن المصري، في حين أنّ السندان الثابت في الأرض بقوة هو الفقر الذي زرعه نظام مبارك عبر ثلاثة عقود كاملة سبقها عقد آخر قام فيه السادات بتجهيز التربة لزراعة الفقر عبر منظومة الانفتاح والتبعية التي شجّعته عليها حليفته الأميركية وربيباتها الصهيونية حين أطلق الرجل صرخته المدوية الكاذبة والخادعة لجموع شعبنا أنّ 99% من أوراق اللعبة في يد الأميركان. والنتيجة أنّ المواطن المصري وقع فريسة الفقر، وعندما جاءت كورونا وطلب منه ضرورة وحتمية الجلوس في البيت وجد نفسه بين مطرقة كورونا وسندان الفقر، وكلما حاول الإفلات من بين المطرقة والسندان يجد نفسه سرعان ما يسقط صريعاً.

فمطرقة كورونا التي داهمت المواطن المصري الجالس فوق سندان الفقر منذ سنوات كشفت حقائق ظلت غائبة عنه مع مراوغات وكذب وتضليل الحكومات المتتالية على مدار نصف القرن الماضي، ولعلّ أهمّ هذه الحقائق هي فشل كلّ محاولات التنمية والإصلاح الاقتصادي وفقاً للسياسات الرأسمالية التابعة والتي تنفذ وفقاً لتعليمات ورشتة صندوق النقد الدولي، ووفقاً لهذا النظام الرأسمالي التابع غابت المسؤولية الاجتماعية للدولة، وأصبحت كلّ سبل الحياة مسؤولية المواطن منفرداً، فالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات المختلفة لا بدّ أن يدفع المواطن ثمنها من ناتج عمله، ومَن لا يمتلك عملاً فلا يجد مَن يتولاه أو يرعاه.

وعلى مدار نصف القرن الماضي شهد المجتمع المصري فرزاً اجتماعياً غير مسبوق في التاريخ حيث ازداد الأغنياء غنى وازداد الفقراء فقراً لدرجة أنّ الإحصائيات الرسمية تقدّر نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر بنحو 32.5% وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء للعام المالي 2017- 2018، وهي نسبة تنخفض كثيراً عن النسب التي تقدّرها بعض التقارير الإقليمية والدولية ذات العلاقة مثل تقرير التنمية البشرية العربية، وتقرير الفقر متعدّد الأبعاد الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والذي يقدّرها بنسبة تقترب من 45% هذا بخلاف من يعيشون في حزام الفقر والتي تقدر بنحو 25% وهو ما يعني أنّ 70% من المواطنين المصريين يعانون من الفقر بشكل أو بآخر.

وعندما داهمتنا مطرقة كورونا تحرّكت الدولة بكلّ طاقاتها وإمكانياتها ضاربة عرض الحائط بالسياسات الرأسمالية التابعة وقرّرت أن تتحمّل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها. تلك المسؤولية التي تخلت عنها وبشكل تدريجي وفقاً لتعليمات صندوق النقد الدولي على مدار نصف القرن الماضي، وفي التوقيت نفسه طالبت القطاع الخاص ورجال الأعمال بضرورة تحمّل مسؤوليتهم الاجتماعية إلى جوار الدولة، لكن جاءت الاستجابة ضعيفة خاصة في ظلّ نظام لا يلزمهم قانونياً بذلك، وعلى الرغم من كلّ الجهود المبذولة لكن هيهات فسندان الفقر يفوق قدرات الدولة على الوفاء بالاحتياجات الضرورية للمواطنين، وإذا كانت الدول الرأسمالية الغربية قد فشلت في مواجهة كورونا رغم ما تمتلكه من ثروات وإمكانيات، فما بالنا بمجتمع رأسمالي تابع مثقلة ميزانيته بالديون الداخلية والخارجية.

وهنا يطرح السؤال في ظلّ ارتفاع أعداد المصابين بكورونا وفي ظلّ الحاجة إلى دوران عجلة الاقتصاد، ماذا نحن فاعلون؟ خاصة أنّ منظمة الصحة العالمية تقول إنّ الوباء سيستمر لمدة طويلة، وتنادي بضرورة التعايش معه، إذاً من المسؤول عن الحفاظ على حياة المواطنين؟

والإجابة تقول إنّ الدولة قدّمت كلّ ما تستطيع تقديمه وفقاً لقدراتها وإمكاناتها، وعلى كلّ مواطن أن يحافظ على حياته وفقاً لقدراته وإمكاناته، وهنا نتوقع أن المواطنين الأغنياء يمكنهم الالتزام بتعليمات منظمة الصحة العالمية بالحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي وتوفير كلّ مستلزمات الحماية عبر مدخراتهم الخاصة ولا يقلقون من طول مدة التعايش مع كورونا فيمكنهم الاستمرار في الحجر المنزلي فكلّ متطلبات الحياة متوفرة.

المشكلة إذاً في الفقراء الجالسين على سندان الفقر والذين لا يمكنهم تطبيق تعليمات منظمة الصحة العالمية بالتعايش مع كورونا، لا بالحجر المنزلي ولا بالتباعد الاجتماعي، فخروجهم من منازلهم أمر حتمي لتوفير متطلبات الحياة الضرورية من مأكل ومشرب، وفكرة تباعدهم الاجتماعي شبه مستحيلة في ظلّ مجتمع يتسم بالعشوائية والزحام. هذا إلى جانب عدم قدراتهم الماليّة على توفير وسائل الوقاية والحماية من كمامات وقفازات ومطهرات حتى ولو كانت بأسعار منخفضة لأنّ ذلك يفوق طاقاتهم، لذلك فإنّ الغالبية العظمى من المصريين يقعون فعلاً بين مطرقة كورونا وسندان الفقر. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق