نقاط على الحروف

الحياة السياسيّة في لبنان ظاهرة صوتيّة

 ناصر قنديل

يتوزّع النقاش السياسي في لبنان هذه الأيام، على عنوانين، الأول هو قانون قيصر للعقوبات على سورية، والثاني الحملة التي تستهدف سلاح المقاومة. وينقسم اللبنانيون على أساس تصديق الفرضيتين، كمواضيع راهنة وحاضرة. وفي العنوان الأول ينقسمون بين من يدعو لعدم التقيّد بالعقوبات ومن يتحدث عن مرونة في تطبيقها ومن يدعو لاحترامها بصرامة. وفي العنوان الثاني ينقسمون بين متمسّك بالسلاح وداعٍ لنزعه وثالث يدعو لاستراتيجية وطنية للدفاع تنظم العلاقة بالسلاح. ويمكن لأي عاقل التدقيق بالموضوعين كعناوين سياسية ليكتشف ببساطة أنهما ليسا على جدول أعمال أي جهة جدية كمواضيع راهنة.

عواصم العالم وفي مقدمتها واشنطن منشغلة بعنوانين مختلفين: الأول هو الحدث الأميركي الذي يصفه البعض بالزلزال الذي سيغيّر العالم، حيث يتهدّد الولايات الأميركية في ظل أوضاع اجتماعيّة تزداد تدهوراً نحو الفقر، مشاريع حروب أهلية وتفكك الدولة المركزية، وبحث عن تصور استشرافي لأميركا الجديدة، التي سيكون أبرز معالمها الانكفاء نحو الداخل. ومن بعده يحضر العنوان الثاني عبر رصد وتتبع تداعيات المواجهة مع وباء كورونا، التي لا تزال مستمرة في ظل ركود اقتصادي منذ شهور تتبعه حركة إفلاسات غير معلنة، وانحلال لنمط اقتصادي حكم العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، عنوانه الاقتصاد الافتراضي في صالات البورصات، والخدمات المصرفية الرديفة القائمة على الديون والرهونات، وصولاً للمراهنات، وصعود حتمي لاقتصاد الأصول القائم على الاهتمام بالمواسم الزراعية وإنتاج وتخزين السلع الحقيقية، ورد الاعتبار للاقتصاد الوطني غير المعولم. وفي الطريق حلول تدريجي للذهب مكان الدولار، والعنوانان العالميان الجديدان، يبدأ النقاش فيهما أميركياً، حيث يفترض وفق الصالونات اللبنانية، أن الانهماك قائم ليل نهار بكيفية تطبيق عقوبات قانون قيصر على سورية من بوابة لبنان، والتدقيق بدرجة تقيّد لبنان به، وبخطة بعض الأصوات للتحرك تحت شعار نزع سلاح حزب الله!

الانهماك اللبناني بقانون قيصر ينفيه القانون نفسه، الذي تكفي قراءته لمعرفة انه أداة تخاطب قديمة مع روسيا، زالت ظروفها، لحجز مقعد أميركي في مشروع الحل السياسي في سورية. ويكفي النظر لعناوين تطالها العقوبات لمعرفة أن الانهماك به هو افتعال بلا مبرر، أما ملف سلاح المقاومة، فأبعد من أن يكون موضوعاً حاضراً، للأميركي الذي يستعد لحزم حقائبه من المنطقة، وسقف مساعيه لتفاهمات غير مباشرة عنوانها، لا تطلقوا النار نحن منسحبون، من دون أن يعني ذلك في العنوانين، أن الأميركي لا يرغب بالتسلية في الوقت الضائع، بانتظار تبلور الساعات الحاسمة وظروفها، طالما يجد في لبنان من يسمع وينفّذ ويهتم ويرتبك وينهَم، فلم لا يلعبون اللعبة، ويملأون الوقت بعناوين يريد بعض اللبنانيين تصديق جديتها، والاستقطاب حولها، والتقاتل.

في هذا الوقت الضائع يبدو أن قانون قيصر بما شكّله من أداة حرب نفسية، مناسبة لابتزاز بعض القيادات السياسية بالإيحاء باستهدافها بالعقوبات، أملاً بتعديل تموضعها السياسي، أو إرباك هذا التموضع على الأقل، ومعه زرع الشكوك في التحالفات، فيما يبدو عنوان سلاح المقاومة الذي صار عند بعض «الثوار» الذين كانوا يطالبون حزب الله بالوقوف مع «ثورتهم»، هو سبب الأزمة الاقتصادية، مناسبة لتأسيس جبهة حلفاء الجيل الجديد للسفارة الأميركية في الحياة السياسية اللبنانية، مع وسم ذكرى السادس من حزيران موعداً لتحركهم، وهي ذكرى اجتياح كيان الاحتلال للبنان عام 1982، التي يجب أن يتم إحياؤها أمام السفارة الأميركية تنديداً بدورها في دعم كيان الاحتلال، وإعلاناً للتضامن مع الشعب الأميركي المنتفض بوجه العنصرية أسوة بما يحصل في باريس ولندن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق