أولىكتاب بناء

إمبراطوريّة القهر والتمييز العنصريّ!!‏

 

 د. عدنان منصور*

 

 ما يجري في الولايات المتحدة من أحداث دامية، يشاهدها العالم بأمّ العين، ليدرك جيداً مدى زيف المبادئ الإنسانية، التي ما انفكت الولايات المتحدة عن التشدّق بها، منذ استقلالها وحتى اليوم. وهي ترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، وحق تقرير المصير للشعوب واستقلالها.

 زيف المبادئ الأميركية، كشف بوضوح حجم العنصرية القبيحة، التي لا زالت متغلغلة في نفوس مسؤولين، ومواطنين، حملوا في داخلهم على مدى قرون جينات عنصرية، لم يستطيعوا التخلص منها، منذ أن وطأت أقدام البيض القارّة الجديدة، وسحقت من أمامها عشرات الملايين من السكان الأصليين في القارّة، الذين عرفوا بالهنود الحمر، بعد مجازر وحشية وتطهير عرقي واسع النطاق، ارتكبه الوافدون البيض الجدد من القارّة الأوروبية.

 هذا السلوك اللاإنسانيّ لم يتغيّر ولم يتبدّل، بل تجذّر

في العقول والنفوس، والنهج والأخلاق الاجتماعية، وانتقل من جيل الى جيل، رغم المحاولات الساعية للحدّ من النزعة العنصرية، والقوانين البراقة التي تتباهى بها الولايات المتحدة أمام العالم، حيث لم تستطع التخلص من هذا السلوك ونزعة التمييز العنصري حتى هذه اللحظة.

لا يحق بعد اليوم للإمبراطورية العنصرية، ان تطالب دول العالم بالإصلاحات، فمن الأوْلى أن تبدأ بإصلاح نفسها، وتهذيب سلوكها، وأخلاق سياساتها قبل إصلاح غيرها، وقبل فرض العقوبات على الدول الحرة، التي ترفض السير في فلكها والخضوع لها، بحجة غياب الحريات في هذه الدول، وعدم احترامها لحقوق الإنسان فيها.

 لا يحق للولايات المتحدة التي لم تستطع اقتلاع الروح العنصريّة داخل بيتها الأميركي، ان تذهب بعيداً، لتروج لنفسها على أنها رسول الحرية في العالم، بينما هي في الحقيقة، تؤجّج الفتن والاضطرابات، في هونغ كونغ، وفنزويلا والبرازيل، وتركيا والعراق، وسورية، وتدعم الحركات الانفصالية في أكثر من مكان

في خضمّ ما يجري في الداخل الأميركي نتساءل: أين صوت الاتحاد الأوروبي وموقفه الصارم، وردّه القوي على ما يحصل من انتهاكات لحقوق الانسان في أميركا، ومهاجمة الشرطة للتظاهرات السلميّة، وإفراطها في استخدام القوة والعنف، والغاز المسيل للدموع ضدّ المتظاهرين؟! أين حرصه على الحريات وأمن الشعوب، وحقوق الإنسان، التي تباكى عليها مع حليفته واشنطن، في إيران والعراق وسورية وروسيا والصين وكوريا الشمالية وتركيا وفنزويلا وكوبا وبوليفيا وغيرها! وماذا لو انّ الذي جرى داخل الولايات المتحدة من ممارسات الأجهزة الأمنية ضدّ التظاهرات السلمية، حصل في دولة من هذه الدول المناهضة للعنصرية والهيمنة والاستغلال! هل سيكون موقف الاتحاد حيال هذه الدول، كموقفه الهزيل تجاه واشنطن! أم أنه على الفور سيلجأ الى الإدانة وفرض العقوبات عليها والتشهير والتنديد بها وبأفعالها؟

أين صدقيّة الدول التي تناغمت في قراراتها مع أميركا في كلّ صغيرة وكبيرة، حيال ما يحصل من تمييز عنصري فيها؟!

وهل المصالح هي التي تطغى على المبادئ الكاذبة الخادعة! كيف كانت ستتعاطى هذه الدول وتتصرّف، فيما لو أنّ الذي يحصل في الولايات المتحدة، يحصل في بلد مناوئ للسياسات والمصالح الغربيّة! هل كانت هذه الدول ستتصرف على المستوى ذاته، وبالأسلوب والطريقة نفسهما مثل ما تعاطت به مع الادارة الأميركية؟

الغرب وللأسف، لا يرى إلا بعين واحدة، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجهان لسياسة واحدة. فلا حقوق السود ولا التمييز العنصري، ولا قتل الفلسطينيين، ومحاصرتهم، ومصادرة أراضيهم وتهجيرهم عنها بالقوة، ولا القوى الإرهابية التي تضرب في سورية والعراق وغيرها تحرك إحساسهم، وتثير إنسانيتهم، أو يوقظ الحصار الشرس، والعقوبات الظالمة ضميرهم المعطل، التي يفرضونها على الشعوب المناهضة لسياساتهم المنحازة، وممارساتهم القهرية، مهما كانت تداعياتها ونتائجها المدمّرة على هذه الشعوب.

إنها لفرصة أمام العرب، وكلّ الأحرار في العالم، الذين ذاقوا الأمرّين، على يد الإدارات الأميركية، كي يُعربوا من خلال الوسائل المتاحة والمتوفرة لهم، عن تضامنهم وتأييدهم الكبير مع الأميركيين الثائرين، الناقمين، وبالذات مع المواطنين السود، ووقوفهم بجانبهم ضدّ كلّ أشكال التمييز العنصري، وتعاطفهم معهم، يذكرونهم بالتمييز العنصري الذي يمارس بحق شعوبنا، لا سيما شعب فلسطين على يد «إسرائيل»، حيث يلقى تطويرها العرقي وممارستها العنصريّة، كلّ الدعم والتأييد بلا حدود من الإدارات الأميركية المتعاقبة.

إذا كان السلوك العنصري قد ساد عبر التاريخ، في عديد من الدول والامبراطوريات المستبدة، التي احتلت وهيمنت، وسيطرت وبغت، ونهبت خيرات وثروات الشعوب. فإنّ الولايات المتحدة ليست إلا واحدة من هذه الإمبراطوريات، التي هيمنت وتحكّمت، واستغلّت، والتي لم تستطع حتى الآن، من اقتلاع النزعة العنصرية داخل مجتمعها.

 وخلال مسيرة التاريخ أيضاً، ظهرت امبراطوريات لفترة من الزمن، طال عمرها أم قصر، وبعد ذلك، تفكّكت وتلاشت، وتحللت، بعد أن تآكلت من الداخل رويداً رويداً. وها هي الإمبراطورية الأميركية اليوم، بما تمارسه من سياسات القهر والاستبداد في العالم، وما تشهده حالياً من أحداث خطيرة مقلقة، تحمل نذر تآكل داخلي، حيث بدأ عدّادها العكسي، يحصي العقود او السنوات المتبقية لإمبراطورية قهر، عانت من ويلاتها وتعسّفها غالبية الشعوب المضطهدة في العالم. فهل باستطاعة حكام الولايات المتحدة اليوم، أن يوقفوا هذا العدّاد! أم أنهم مثل غيرهم من حكام الإمبراطوريات الذين شاهدوا سقوط إمبراطورياتهم أمام أعينهم، ولم تكن في يدهم حيلة لوقف هذا السقوط!

انها مسألة وقت لأفول نجم إمبراطورية مستبدة، تتمنى الشعوب الحرة المسحوقة في العالم أن لا يكون طويلاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية الأسبق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق