الوطن

هل من بديل فعليّ لميثاق وطني فاشل؟

} د. وفيق إبراهيم

تأييد قيادات لبنانية للكيان الاسرائيلي المحتل الى حدود ابتهاجها لإعلانه عن نيته بقصف مواقع لبنانية حيوية، تضع العلاقات بين اللبنانيين في وضع مأزوم أكثر من أي مرحلة تاريخية أخرى.

لكن ما يُعيد لجم انفجار هذه العلاقات المترنحة ان الميثاق الوطني والدستور اللبناني يتعاملان مع طوائف وليس مع أفراد، ولا يعترفان بمواطن لبناني بل بمسلم او مسيحي او سني وشيعي ودرزي وماروني وكاثوليكي وارثوذكسي واخيراً ألحقوا بهم الانجيليين والاشوريين والسريان والعلويين مترقبين تأسيس مذاهب جديدة لإلحاقها بسرعة «بالميثاق الوطني». والطريف انهم يضيفون الصفة الوطنية على الدولة غير آبهين بأن مفهوم الوطن هو تراث تاريخي تراكمي، موجود ضمن بنية دستورية هي تاريخية أيضاً، هذا هو حال مصر وايران واليمن والعراق وسورية، كانت لديها هويات وطنية تاريخية ألغاها الاحتلال العثماني مستبقياً على عثمانية فقط مع ايديولوجيته الاسلامية للحاجة الإقناعيّة اليها، وتحشيد الناس من حولهم. فهل سمع احد مرة واحدة صفة وطن مضافة الى السعودية او الكويت وقطر والامارات؟ يتكلمون فقط عن امارة او مملكة مضيفين عليها أسماء قبائلهم وليس اكثر، لانهم يعرفون العمق السطحي التاريخي لدولهم التي تشبه مشيخات الجاهلية او اقطاعية القرون الوسطى.

يتضح اذاً ان سياسيين لبنانيين يحتمون بالميثاق الوطني من جهة والدستور من جهة ثانية لإرباك العلاقات بين اللبنانيين كأفراد من ناحية وبين الطوائف من ناحية ثانية.

وهم يعرفون صعوبة استهدافهم وذلك للتشابك بين ادوارهم الخاصة وانتماءاتهم المذهبية، ما يجعلهم يستثمرون في الدستور والميثاق الوطني والعلاقات الخاصة التي ينسجونها مع أربع الى خمس سفارات في الداخل اللبناني بالإضافة الى أوراق اعتمادهم المقدمة الى فرنسا وانجلتره وألمانيا اولاً وباقي الدول الأوروبية ثانياً مع مراكز كبيرة لهم عند الأميركيين يغطون بها الحزبين الجمهوري والديموقراطي ووسائل الإعلام الأفعل في العالم.

من الممكن ايضاً الجزم بوجود تنسيق لهذه القوى مع العدو الاسرائيلي بالمباشرة او عبر اصدقاء وما اكثرهم في الغرب وشبه جزيرة العرب وبلاد الهكسوس!

إزاء هذا التشريح يجب تأكيد ان بعض القوى السياسية تستغل الميثاق الوطني لحماية اتجاهاتها الإسرائيلية الاميركية الخليجية وتتسربل احياناً بالدستور لإجهاض اي تمكن قانوني منها، فيصبح سعد الحريري مثلاً نائباً لبنانياً عن بيروت يمثل الطائفة السنية وله علاقات بنيوية بالخليج تجعله يميل حيث ينحاز ولاة أموره في المملكة، ويتمتع بجسور مع الأميركيين يضع في خدمتهم الطائفة السنية من قمتها الدينية حتى معظم بناها الدستورية النيابية والوزارية والإدارية، فالحوت يصبح سيناتوراً ممنوعاً الاقتراب منه وكذلك حال رياض سلامة الذي يتمتع بحمايات سنية مسيحية درزية وشيعية في بعض الأحيان لأسباب لا تُخفى على اللبيب.

بذلك يجسّد رياض سلامة كامل زوايا الميثاق الوطني مستفيداً وبمفرده من كامل طوائفه ومذاهبه وسياساته وعلاقاته الدولية، التي تجسّدت بالإصرار على بقائه في رئاسة المصرف المركزي من قبل كاردينال الموارنة ووزير خارجية اميركا وسفيرتها في لبنان والسياسة الفرنسية، مع جوقة زجالة لبنان المستفيدين من الخيرات التي نهبها من اللبنانيين.

بالنتيجة يؤدي الميثاق دور تغطية لكل أنواع الفساد الاقتصادي والسياسي التي كانت السبب المحوري لإفقار لبنان واللبنانيين.

هذا جزء من الكارثة، أما النواحي الأخرى فإن هذا الميثاق الذي يجسّد دور آلية للتحالف بين طوائف لبنانية لا ترى أمامها مواطناً بل هتافاً مسكوناً بكل خرافات المذاهب وذلك لحماية سياسيي الطوائف في هيمناتها على كل ما هو مفيد في بلاد الأرز.

اما الجانب الأخطر لهذا الميثاق الفاشل فيرتبط بحمايته للقوى السياسية التي تنسّق مع الكيان المحتل.

فإذا كانت حمايته لها في فسادها الاقتصادي والمالي بالإمكان دفعها نحو نزاعات قضائية تخمد عادة بالضغوط الطائفية، فإن مسألة (التحالف المباشر او غير المباشر) بين هذه القوى و»اسرائيل» قضية وطنية لا تحتمل التلاعب اللفظي وتدخلات رجال الكهنوت. فحين يطالب سياسيون لبنانيون بتجريد حزب الله من سلاحه في مرحلة تقصف فيها «اسرائيل» قرى لبنانية في لبنان وتعلن أنها بصدد قصف مواقع حيوية فيه وترتفع أصوات كهنوتية تطالب بالحياد ويطلق الأميركيون عقوبات على حزب الله، فيتبين انها تصيب عموم اللبنانيين وتفقرهم في وقت يغادر وزير خارجية فرنسا لودريان لبنان مطلقاً صيحات تشاؤم تسقم الصحيح، فكيف بالمريض على شاكلة بلاد لبنان المعجزة؟

هذا الوضع يرغم اللبنانيين على البحث عن آليات شفهية على شاكلة الميثاق او مكتوبة (على غرار الدستور) لتنظيم علاقاتهم الداخلية، هل هم ابناء «وطن» واحد يريدون توطيد اسسه لمراحل طويلة، أم أنهم مجرد مجموعات تصادف التقاؤها عند زاوية لبنان فنسجوا آليات تنظم علاقاتهم على اساس المحافظة على التميز؟

هذا ما يدفع الى ضرورة إلغاء ما يروّجون له في الميثاق الوطني من المحافظة على بنى الطوائف، الى ميثاق يرعى العلاقات بين مواطنين يتعايشون منذ الف عام تقريباً وهي مدة اكبر من كل المراحل التي جمعت شعوب أوروبا وأميركا والخليج في دول مستقلة.

المطلوب اذاً نسف البعد الطائفي للميثاق واستبداله بمجلس شيوخ ينظم العلاقات بين الطوائف في إطار الحفاظ عليها على مستوى الانتماء لا العدد.

بالمقابل يجب اعداد دستور يتعامل مع مواطنين متساوين في السياسة والاقتصاد والاجتماع على كامل أرض لبنان، فنحفظ بذلك بين أبعاد التأسيس الطائفي للبنان وتطوّر اجتماعه نحو المواطنية الحديثة التي تحمي عادة الاوطان.

ولا يعود بإمكان سياسيين واعلاميين على مستوى سامي الجميل ومعوض والمشنوق وفتفت وجعجع والسنيورة والسعد ونديم قطيش وعلي الأمين، لا يعود باستطاعة هؤلاء التعامل مع لبنان كعجينة قابلة للتقولب في كل الاوضاع عند اي طلب اميركيخليجي أو تهديد إسرائيلي متفق عليه في ليل بهيم.

هكذا يمكن المحافظة على وادي قنوبين ومختلف المراكز الخرافية للطوائف، الى جانب مساواة دستورية تشجع اللبنانيين على الدفاع عن بلد اصبح وطناً لهم في وجه الإسرائيليين والفساد الداخلي الذي لا يقل سوءاً عنهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق