آراء ودراسات

حقوق لبنان في النفط والغاز محمية…
فهل نجعلها مفتاح النهضة الاقتصادية؟

 

} نادر حسان صفا*

 

يُعدُّ النفط ركيزة اقتصادات كثيرٍ من الدول العربية، فقد شكّل اكتشافه ومن ثم استخراجه طفرةً نوعيةً في حياتها؛ ولكنّ لبنان بوصفه واحداً من هذه الدول ومجاوراً لها جغرافياً، بقي بعيداً عن نيل هذه الرتبة إلاّ في العقد الأخير الذي شهد دراساتٍ عميقةٍ أبرزت انتماء لبنان إلى نادي الدول النفطية بناءً على المعطيات العلمية وقبل الإقدام على أيّ عملية استخراجٍ.

فما هي الملابسات التي تعيق الإقدام على التنقيب الفعلي عن هذا النفط؟ وهل يُعزى ذلك إلى التدخلات السياسية التي تمثّلها الدول الكبرى أم أنّ ذلك نابعٌ من مشكلاتٍ داخليةٍ تُعيق الإقدام على هذه الخطوة؟ وما هو المُعطى التقديري لوجود هذا النفط في الأرض اللبنانية قياساً بما عليه تَوَزُّع النفط العالمي؟

إنّ المتَتَبِّع للأخبار والمعلومات حول قضية النفط في لبنان يدرك تماماً أنّ هذه الدولة لم تَسْلَم من التدخلات الخارجية التي ساهمت في تأخر عملية استخراج الغازأولاًوعرقلتها؛ فما بين عامي 2013 و 2020 قدّمت السلطة التنفيذية استقالتها من خلال عدد من الحكومات، ما عرقل مسيرة لبنان وعبوره نحو القيام بالأنشطة البترولية بالصورة الإنتاجية والاستثمارية المناسبة، وكان للعدو الإسرائيلي دورٌ أساسيّ في شَلّ هذه الجهود وتأخيرها قدر المستطاع عبر تشغيل أذرعه السياسية للتأثير بشكل أو بآخر على هذه العملية. ويمكن تواثيق ذلك بالرجوع إلى صحيفة Independet  ومن خلال مقالة البريطاني Robert Fish  الذي يُصّرح بوضوح أنّ «إسرائيل» لم تتوقف عن التدخل غير مرةٍ، وعبر دول عربية وأجنبية، من أجل عرقلة عملية استخراج الغاز في لبنان، ولعلّ عناية الكيان الإسرائيلي بالبلوك رقم 9، تبرز أهمية هذا البلوك وإمكانية الستفادة الكبيرة مما يحتوي عليه.

وليس بخفيّ ذلك الدور المهيب الذي قام به الرئيس نبيه بري من أجل إزاحة العراقيل التي وُضِعَت محلياً ودولياً أمام مشروع استخراج الغاز. وقد سُجّل له العديد من المواقف الهامة في النوادي اللبنانية والعربية، مطالباً بالحفاظ على حق اللبناني في استخراج ثروته النفطية وترسيم حدوده البحرية، وعن مختلف التدخلات التي تطاله في خصوص هذا الأمر، لا سيما من خلال الضغوط التي يمارسها الكيان الصهيوني عبر المجتمع الدولي من أجل إحباط مبادرة اللبناني إلى تحقيق حلمه، فكان هذا الرئيس بمثابة المقاوم الخبير الذي لم يتراجع عن موقفه ولم يسمح بالمساومة على أيّ شبرٍ أو ثروة لبنانية يمكن أن تبرز آثارها بصورةٍ حالية أو مُستدامةٍ.

وبعيداً عن المواربة أظهرت نتائج التحاليل التي أُجريت على النفط في المواقع المحتملة وجود غاز طبيعيٍ، ولكن كمياتها غير مقدّرة أو محدّدةٍ، وإنّ كانت الخرائط الاستشعارية والكميات المكتشفة المثبتة على مستوى الدول المجاورة تُعطي مساحة من الأمل، إذ أنّ اكتشاف الكيان الإسرائيلي في عمليات تنقيبه في حقل كاريش شمال فلسطين المحتلة والمجاور للبلوكين 8 و 9 المتنازع عليهما في الجنوب اللبناني، كميات غير واضحة بالنسبة إلينا لَهُوَ مؤشرٌ وجوديّ على الأقلّ، كما أنّ قيام قبرص عام 2012 بعمليات الاستكشاف في حقل أفروديت والذي يبعده 45 كلم2 عن حدود لبنان البحرية، يبرز وجود تصورات استشرافيةٍ عند هذه الدول. وقد قام لبنان بالاتفاق مع قبرص على تحديد المنطقة الاقتصادية اللبنانية ورسم الحدود الجنوبية، فضلاً عن الاتفاق أنه يحقّ لأيّ طرفٍ التفاوض مع طرفٍ ثالثٍ حول تحديد هذه المنطقة الإقتصادية، فما كان من الكيان «الإسرائيلي» إلاّ أن أخذ قرار التفاوض مع قبرص ووقع اتفاقاً معها عام 2011 تضمّن ترسيماً بحرياً بين الطرفين، اختزن في طياته على تعدٍّ على الحدود الجنوبية اللبنانية، تمثّل في اقتطاع 856 كلم2 منها، وادّعت «إسرائيل» ملكيتها، قابل ذلك إيداع الدول اللبنانية لدى الأمم المتحدة اعتراضاً على ذلك، فضلاً عن وضعه شروطاً متعلقة برسم الحدود البحرية وفقاً للقوانين الدولية، ولكن ذلك لم يثمر؛ وقد أرسلت الولايات المتحدة بمبعوثين لها للتفاوض في هذا الشأن. فتصدّى لهم الرئيس نبيه بري مُصرّاً على تثبيت المقاومة وعدم التنازل للكيان الإسرائيلي عن شبرٍ من أرضنا ومياهنا وثرواتنا، فأحدث هذا الموقف صدمةً عند الجميع، فعملت عندها الولايات المتحدة على الضغط بمختلف الطرق لسحب الملف من يد الرئيس بري أو دفعه إلى القبول بالشروط المقدّمة من قبلها.

ثم بدأت دورة التراخيص الأولى في لبنان عام 2012 غير أنها تأخرت أربع سنوات حتى العام 2017 نتيجة الظروف السياسية القاسية في لبنان والضغوط الخارجية عليه وعدم إقرار المرسومين الضرورين حول دفتر الشروط وتقسيم المياه البحرية.

فَوِفْقًا للقانون لا يمكن لشركةٍ واحدةٍ أن تأخذ الفرصة للتقديم على بلوك محدّد وحدها ومن غير وجود عروضٍ، فلا بدَّ من أن يكون الحق البترولي ممنوحاً لثلاث شركاتٍ كحدّ أدنى ليكون الاختيار بعد ذلك بينها، وقد تألفت هذه الشركات على الشكل التالي:

Total  المعروفة بعمليات  EP6

Eni  الإيطالية

Novotec  الروسية ولها علاقات قوية وذات شهرة عالية على مستوى الدول العربية والأوروبية.

وفُتٍحَت فرصة التوقيع على عقد تقاسم الإنتاج بين الدولة اللبنانية وهذه الشركات حول بترول الكلفة والأتاوة وبترول الربح.

فأما بترول الكلفة فهو كلفة الشركات في عمليات المسح والاستكشاف والاستخراج والأتاوة فهي نسبة تؤخذ من الإنتاج وتكون 40%.

أما بترول الربح فهو جزءٌ من تقاسم الإنتاج تأخذ بموجبه الدولة اللبنانية 30% كحدّ أقصى بينما يعطى القسم المتبقي للشركات، إضافة على ضريبة تُفرض على ربح الشركات، وهو الأمور الموافق عليها ضمن القانون الضريبي بنسبة 20% فضلاً عن 10% على توزيع الإنتاج.

وبموجب ذلك تغدو هذه الشركات مسؤولة عن مسار الأنشطة البترولية من عمليات الحفر والتنقيب والاستخراج إلى عمليات نقل المنتجات وتكريرها وتصديرها. ويقوم هذا المسار على الخطوات الآتية 1-2-3-4-5-6 على المفكرة.

وانطلاقاً من ذلك، فإنّ لبنان على موعدٍ تلزيم بلوكات جديدة بعد فتح دورة التراخيص لا سيما البلوكات 1-2-5-8-10 إذ تُبدي الشركات الروسية والصينية حماسها للدخول في هذه المناقصات، بالرغم من أنّ هذه الخطوة من الجيد أن تُؤجّل وأن يُكتفى بالبلوكين 4-9 لمعرفة حجم الثروة وخاصة بعد حلّ مشكلة الصراع على البلوك 9، حيث يمكن في حال معالجة هذه المشكلة تحسين شروط التلزيم على مستوى البلوكات الأخرى. وعليه فإنّ لبنان فيما يرتبط بمستقبل النتيجة المنتظرة من البلوك رقم 4 مقبلٌ على ثلاثة سيناريوات هي:

إما أن يكون بئراً فارغاً، ومن هنا نلجأ إلى حفر بئر آخر.

اكتشاف غير تجاري، أي أنّ كلفة الإنتاج أكبر من ثمن المبيع.

اكتشاف تجاري، أيّ أنه يمكن استخراج الغاز والاستفادة منه إنتاجاً وريعاً.

ولا بدّ في ضوء هذا السيناريو الأخير، من قيام صندوق سيادي ميزته ملكيته من قبل الدولة، يتكوّن من أصول ثابتة كالأراضي والأسهم وسواها، بحيث يساهم في تقليص كلفة الاقتراض وتحسين النمو الاقتصادي، ولحجم التضخم وحفظ الحقوق المستدامة وتخليص الدين العام.

ومتى ما تحوّلت المشكلات وأزيحت المعوّقات يبقى على لبنان أن يرمي بنظره على الأسواق التي سيصدر إليها مُنتَجَهُ من الغاز وهو أوروبا بالدرجة الأولى، وهذا يتطلب تصوّراً دقيقاً، لأنه إن صُدّر عبر البواخر فسوف تزيد كلفته، وتَضعف قدرته التنافسية قياساً مع قدرة الكيان «الإسرائيلي»، وإذا طُرحت فكرة تصديره عبر الأنابيب فإنّ لبنان غير قادرٍ على تلبية هذه الحاجة أو الوفاء بتكاليف هذه الأنابيب، فلا بدّ له في ضوء ذلك كله وهو الحلّ الأنجح من أن يضع استراتيجية تعاون مشترك مع دول المنطقة المجاورة مثل سورية وقبرص ومصر واليونان وإيطاليا وتركيا، ما يسمح بعمليات التصدير وفق قدرةٍ تنافسية أكبر، خاصة أنّ الصراع على الأسواق قد بدأ يدقّ ناقوسه.

خلاصة الأمر أنّ لبنان يمتلك ثروة نفطية ضخمة، وهي قادرة على إنقاذه وانتشاله من أزمته الاقتصادية فإذا تخلّصنا من العوائق القائمة وخططنا لنموذج اقتصادي جيدٍ يتعامل بمسؤولية مع هذه الثروة من أجل تحقيق تنمية مُستدامة، خاصة أنّ أسعار النفط متقلبة، فمن الممكن أن تكون هذه الثروة يد العون التي تنقذ لبنان وتعالج مشاكله وتحقق نهضته. ولكن الحذر كلّ الحذر من أن يكون الطموح مقتصراً على جعل هذه الثروة مجرد مردود اقتصادي، فلا ينبغي الاعتماد كلياً عليها، لأنّ هذا الأمر سوف يُعرّض الموازنات للعجز نتيجة تقلّب سعر النفط، فإذا ما تمّ الاهتمام بتوزيع الاقتصاد على المجالات المختلفة واستُثمِرت هذه الثروة بصورة أمثل ولم نقع في ما وقعت فيه فنزويلا ذات الاحتياط النفطي الكبير لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار فكرة التوزيع الاقتصادي ما أوقعها في عجزٍ كبير على مستوى موازناتها العامة، نكون قد بلغنا الهدف واستراحت نفوسنا على شاطئ الأمان. فهل يمكن أن تكون هذه الثروة مفتاح نهضة لبنان؟

*مهندس، ماجيستر نفط وغاز

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق