أولى

لبنان العظيم والصابر

 د. علي أحمد الديلمي _

لبنان البلد الذي يترك أثره في قلب كلّ من عرفه. هذا البلد الجميل بأهله بجباله بسهوله، بكلّ شيء على أرضه، كان على موعد مع فاجعة هزّته من أقصاه إلى أقصاه، بعد انفجار مخزن مرفأ مدينة بيروت الذي تسبّب في موجة انفجارية هائلة طالت عنان السماء وتشابهت في شكلها مع تلك الموجة الانفجارية التي خلّفتها قنبلتا هيروشيما وناغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لتشكل سحابة سوداء ونيران برتقالية اللون حجبت نور الشمس لبرهة عن أعين اللبنانيين، وهذا ما أظهرته مقاطع الفيديو المختلفة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي لحادث الانفجار الضخم.

شيء مرعب ومهول ما حدث في لبنان، وقد أحزنني كما أحزن الكثيرين حول العالم. هو إحساس بالوجع واستحضار للوجع الدائم في وطني، فما حدث في بيروت نعاني منه يومياً في اليمن، ولا يخلو يوم من التدمير والقتل والخراب بسبب الحرب المجنونة والمستمرة منذ أكثر من خمس سنوات.

إنه العبث الذي يحطّم كلّ القيم الإنسانية والدينية في مواجهة نعم الله التي أنعم بها على الجميع.

نسأل الله الرحمة للشهداء والشفاء للجرحى، ونرجوه أن يكون في عون حكومة لبنان وشعبه على تجاوز آثار الكارثة التي أدمت قلوبنا جميعاً.

علاقه عشق غريبة تربطني بلبنان الجميل، وتحديداً مدينة بيروت التي زرتها لأول مرة بعد زواجي عام ١٩٩٥ وقضيت فيها مع زوجتي أجمل الأيام. لم أكن أعرف الكثير عن هذه المدينة، لكنّها كانت حاضرة دوماً في ذهني وعقلي من حديث من زاروها من الأهل والأقارب والأصحاب ومن متابعة الأحداث السياسية الغزيرة والصراعات الإقليمية والدولية التي كانت بيروت محوراً لها، ومن الأفلام الجميلة التي شاهدتها ومن أغاني فيروز وكثير من نجوم لبنان الذين أطربوا كلّ الوطن العربي وزرعوا الفرح في أرجائه.

ارتبط اسم بيروت بكلّ شيء جميل.. جمال الطبيعة والمناظر الخلابة وجمال الخلق والأخلاق لدى اللبنانيين والمأكولات المتنوعة. ورغم أنّ لبنان من الدول الصغيرة، إلا أنه من حيث الواقع قارة يجتمع فيها كلّ شيء.. السياسة والثقافة والفن وكلّ ما يخطر في البال.

كان لبنان «سويسرا الشرق» فعلاً، بجماله الأخّاذ وتنوّعه وبريقه ونكهته الأوروبيّة وشعبه المضياف، وقد وضعته ثقافته وتاريخه الغني على لائحة الدّول التي يجب أن يشاهدها كلّ مسافر في العالم.

المدن اللبنانية هي من بين أكثر المدن شهرة في التاريخ القديم ولا تزال الأطلال المهيبة شاهدةً على عظمة حضارة لبنان والشعوب المتنوعة التي عاشت على أرضه، كما أنّ طبيعته تجعل منه البلد الوحيد في العالم العربي الذي يحتضن أربعة مواسم سنوياً تتيح للسياح الاستمتاع به في كلّ الفصول. ففي فصل الشتاء تقدّم منتجعات التزلّج المنحدرات المميّزة التّي تُقارن بأفضل المنتجعات في أوروبا، وفي الصيف تعمّ المهرجانات الدولية جميع أنحاء البلاد من بعلبك إلى جبيل وبيت الدين والبترون وجونيه وغيرها، حيث يجتمع فنانون لبنانيون وعرب وأجانب ليقدّموا فنوناً متنوعة في المواقع الأثرية والتاريخية المذهلة. وقد منحت هذه المهرجانات لبنان مكانة يُحسَد عليها وجعلته من المواقع الهامّة على الخريطة الثقافية والسياحية في كلّ المنطقة. فالسائح في لبنان يستطيع التمتع بخدمات متميّزة في الفنادق والمنتجعات والمطاعم والكازينوات والمسارح ودور السينما والملاهي الليلية ومراكز التسوّق الفاخرة التي تنافس أفخم المنشآت السياحيّة عالمياً، كما يوفر لزوّاره إمكانيّة الاستفادة من المراكز الطبية المتطوّرة التي جعلته قِبلة للسياحة الاستشفائية في المنطقة.

خلال فترة عملي كدبلوماسي في بيروت في الفترة من شهر  أيلول/ سبتمبر من العام ٢٠١٣ وحتى شهر تمّوز/ يوليو ٢٠١٧ تعرّفت إلى لبنان أكثر وتعرّفت إلى الكثير من الشخصيات اللبنانية السياسية والثقافية والإعلامية، كما كنتُ شاهداً على العديد من المتغيّرات التي شهدها هذا البلد.

اليوم تغيّر الحال في لبنان والناس تعاني من مشاكل الحياة اليومية، رغم أنّ لبنان من أفضل الدول العربية سياحياً إلا أنّ الصراعات الإقليمية والدولية داخله حالت دون الاستفادة من هذه الميزة، وبعد أيّ حادث أمني يشهده يصبح لبنان مغلقاً أمام السياح وتسارع بعض الدول إلى تحذير مواطنيها من السفر إليه، وكلّ ذلك ينعكس، بطبيعة الحال، على الأوضاع الداخلية في لبنان وعلى مواقف الفرقاء السياسيين.

اللبنانيون من أطيب الشعوب العربية. هم شعب مضياف وودود يتفاعل مع الآخرين سريعاً ومن دون أيّ قيود، كما أنّهم يتمتّعون بأعلى مستويات التعليم، يبدعون في كلّ شيء يساهمون فيه، لكن للأسف يبدو أنّ هناك من يريد إبقاء لبنان على حافة الهاوية.

ورغم ذلك، يبقى شعب لبنان من الشعوب القادرة على تجاوز المحن والصعوبات والنهوض من جديد.

أرجو من الله السلام والأمن والازدهار والاستقرار للبنان وشعبه مع خالص التضامن مع هذا الشعب العظيم والصابر.

*دبلوماسي يمني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق