آراء ودراسات

مناظرة بدون مفاجآت تكرّس مخاوف الأميركيين من إضطراب كبير آت

 

} د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 حاول أطراف المؤسًسة الحاكمة، عبر مناظرة مرشّحي نائبي الرئيس، إعادة الثقة بمتانة النظام السياسي الأميركي وقدرته على تجاوز التحديات، إثر الاهتزازات والخلل الفضائحي، بعد سيل الشتائم في المناظرة السابقة بين الرئيس ترامب ومنافسه جو بايدن، لكن الشارع الانتخابي لم يولِ اهتماماً كبيراً للمشهد بعد انقضاء ساعات معدودة، وعاد إلى همومه اليومية التي يتصدّرها تزايد الإصابات بفايروس كورونا وتعقيدات الأوضاع الاقتصادية، في ظل تجاذب الحزبين الاتهامات بتسجيل نقاط انتخابية ضد بعضهما من دون حلول ملموسة.

 النخب السياسية والفكرية الأميركية، عماد المؤسسة الحاكمة، عادت إلى متابعة مساعيها لبسط هيمنتها على الساحات العالمية، تارة ضد روسيا وأخرى ضد الصين، بتعزيز الحضور العسكري الأميركي المكثّف «لاستفزاز الصين» قرب مياهها الإقليمية، وقد حذّر وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر من الانزلاق إلى «حرب عالمية محتملة»، مطالباً واشنطن وبكين بـ «وضع حد للمواجهة، درءاً لعدم تكرار الحرب العالمية الأولى اليوم» (وكالة «بلومبيرغ»، 7 تشرين الأول/ اكتوبر 2020).

 في المقابل، انتقد وزير الخارجية مايك بومبيو سلفه كيسنجر لانتهاجه سياسة الانفتاح مع الصين في القرن المنصرم، ووصف قادة الصين بـ «الطغاة»، في ترجمة لحقيقة توجهات المؤسسة الحاكمة بالتعويض عن تراجع نفوذها على المستوى العالمي، واستعراض عضلات القوة الخشنة، وترهيب الدول الإقليمية، بعد استنفاذ غرض «الحرب الباردة» بينهما بإغلاق القنصليات والتضييق المتبادل على البعثات الديبلوماسية.

 استرسل كيسنجر في تحذير صناع القرار في بلاده من المغامرة العسكرية مع الصين، وكأنّه يوجه كلامه مباشرة إلى خلفه بومبيو ووزير الدفاع مارك اسبر والرئيس ترامب معاً، قائلا: «يتعيّن على الولايات المتحدة تبنّي طريقة جديدة من التفكير، عمادها فهم أفضل لعالم شديد التعقيد، لاستفراد دولة بسياسة ترمي إلى تحقيق تفوّق أحادي في كلا البعدين الاستراتيجي والاقتصادي، (والارتكاز إلى مقولة) أنه لا يوجد طرف باستطاعته تهديدنا».

 الحزب الديمقراطي، ونيابة عن مرشحه للرئاسة جو بايدن، دأب على إرسال رسائل مطمئنة على الصعيد العالمي، للبناء على سياسة الانفتاح التي دشنها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر.

 أبرز تلك الرسائل دعوة وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، إلى إعادة هيكلة ميزانية البنتاغون وتوظيف الفارق في «الاستثمارات الداخلية» مؤكدة أن الكلفة الباهظة للأسلحة الأميركية «لمواجهة عسكرية مع الصين» لم تعد ضرورية في العصر الحالي، وذلك في مساهمتها بعنوان «إعادة حسابات الأمن القومي: كيف يتعيّن على واشنطن التفكير في استخدام القوة» (مجلة «فورين أفيرز» الفصلية، عدد سبتمبر/ اكتوبر 2020).

 وأردفت كلينتون في مخاطبة صنّاع القرار في بلادها محذّرة من «أنّ تقدّم الصين يعني فقدان التفوق الجوي والبحري للولايات المتحدة، والذي لم يعد مضموناً في المنطقة». ووجهت نصيحة إلى قادة البنتاغون بتحويل مصنع «ليما لسلاح القوات البرية» المنتج لدبابة آبرامز، في مدينة ليما في ولاية اوهايو، إلى منشأة لتنظيف المركبات الكهربائية وصيانتها، «بدلاً من تصنيع آبرامز». هذا لا يعني تخلي الحزب الديمقراطي عن منطق «الإستثنائية الأميركية»، ولكن قيادة العالم بالشراكة مع الحلفاء في الناتو.

 بالعودة إلى المناظرة «المهذبة» بين نائب الرئيس مايك بينس والمرشحة إلى المنصب كمالا هاريس، سعى الفريقان إلى إطلاق الاتهامات، وتحميل الآخر مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والرعاية الصحية ومجالات أخرى، وادّعاء الفوز لمرشحيهما، ولكن وهج المناظرات سرعان ما خفت وتبخّر بريقه الدعائي وطواه النسيان.

في موازاة ذلك، خرجت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات متخصصة ذات توجهات سياسية محددة، لتبشر بارتفاع نسب شعبية فريق المرشح الديمقراطي جو بايدن، وخصوصاً في ولاية فلوريدا التي تقطنها نسبة عالية من أثرياء الجالية اليهودية القادمين من ولاية نيويورك، بيد أنّ الاستناد إلى «استنتاجات» استطلاعات الرأي حصراً يعطي صورة قاصرة ومُخلّة لتوجهات الناخبين، أبرز أسبابها أنها مقيّدة زمنياً بتطورات سرعان ما تتغيّر ويعمل كلّ فريق لاستثمارها، فضلاً عن «طبيعة وخلفية التساؤلات المطروحة» على عينة محددة من الناخبين، وعوامل تداخل مناطق إقامتهم ومداخيلهم السنوية التي تؤثر مباشرة على استشراف مرشحهم المفضل.

 جمهور المشاهدين للمناظرة الأخيرة، والتي سبقتها وما سيلحقها، أصيب بخيبة أمل لعدم تقيّد المرشحيْن بالتساؤلات المطروحة، على الرغم من توخي الحذر باختيارها، فضلاً عن حرص المحاور/ة على عدم متابعة التساؤلات للحصول على أجوبة محددة، بيد أنّ حقيقة الأمر أنّ قيود المناظرة رسمت سقف توقعاتها لدى المشاركين والمشرفين عليها مسبقاً.

للدلالة على ذلك، نشير إلى أحد عناصر النظام التربوي الأميركي في مرحلتي الدراسة الثانوية والجامعية، بتسليح المشارك في أيّ مناظرة بنصيحة «ثمينة»، عمادها «الإجابة على السؤال كما يخدم مصلحتك، وليس للتقيّد بطبيعة السؤال أو الانصياع إلى أحكامه». وعليه، خابت آمال الكثيرين، لتغاضي المشاركين عن الإجابة المباشرة.

 وحرصت وسائل الإعلام بمجملها على التركيز على مسائل هامشية، مثل مكوث ذبابة على رأس نائب الرئيس بينس لأكثر من دقيقتين، لتضحي عنواناً تخصّص له مساحة إعلامية أدّت إلى إهمال القضايا الملحّة التي يتوق المشاهد إلى طرحها وسماع تباين وجهات النظر حولها. ربما يجزم البعض أن أسلوب «التضليل المتعمد» يصبّ في عصب الرسالة الإعلامية الأميركية، بتركيزها على المظاهر الثانوية والهامشية وتفاديها المسائل الجوهرية.

 «المزايدات» السياسية بين الحزبين في أوْجها بالتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية، ومنها تبادل نشر ما يعتبره كل فريق «فضيحة سياسية» ضدّ منافسه، لشدّ أنظار الناخبين إلى «عيوب» الآخر، بيد أنّ الجزء الأعظم منها يندرج في سياق الصراع داخل أركان المؤسسة الحاكمة، والذي يستثمر فيه كل فريق ما بجعبته لتعزيز موقعه داخل المؤسسة، وعبرها لدى الناخب العادي بدرجة أقل.

 الحزب الديمقراطي استند إلى نشر مجموعة من الكتب لشخصيات سياسية ابتعدت عن البيت الأبيض، ولإعلاميين أيضاً، والكشف عن «فضيحة» تدني حجم الضرائب التي دفعها الرئيس ترامب عن ممتلكاته لسنوات متعددة.

 الرئيس ترامب وزعماء الحزب الجمهوري ثابروا على استهداف كبار شخصيات إدارة سلفه الرئيس أوباما، أبرزهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) الأسبق جيمس كومي، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) جون برينان، ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تحت عنوان مشترك «بتوريط حملة الرئيس ترامب الانتخابية بالعلاقة مع روسيا» في العام 2016، والتهديد بكشف مضامين المراسلات الداخلية بين كبار المسؤولين المذكورين بهذا الشأن.

 وما دفعنا إلى التطرق إلى تلك المسألة هو المراهنة الخاطئة لوسائل الإعلام، المحلية والدولية، وتعويلها على الاطلاع على تفاصيل بالغة السرية لآليات الحكومات الأميركية المتعاقبة. بيد أن أقطاب المؤسسة الحاكمة، ولا سيما ما يطلق عليه «الدولة العميقة»، وأبرزها المؤسسة الاستخباراتية بكل أجنحتها، لن تعطي ضوءاً أصفر لتكرار تجربة «وثائق ويكيليكس» الدامغة لأساليب البطش والترهيب والقتل الجماعي أينما حلت القوات العسكرية الأميركية، في عصر ما بعد التدخل المباشر للاستخبارات المركزية إبّان عصر الحرب الباردة في مناطق متعددة من العالم.

 أما كشف «مكتب التحقيقات الفيدرالي» عن «مخطط خطف حاكمة ولاية مشيغان»، غريتشين ويتمر، المعروفة بمناهضتها الشديدة لسياسات الرئيس ترامب، واعتقال عدد من المتهمين من العنصريين البيض بذلك، فإنه يأتي في السياق أعلاه لظهور الأجهزة الأمنية بموقع الحامي للنظام السياسي والسلم الاجتماعي، وتجسيداً لقدرة تلك الأجهزة على اختراق المنظمات العنصرية والأخرى اليسارية على السواء، وأنها تخضع للمراقبة الدائمة. سارع الحزب الديمقراطي إلى توظيف تلك الحادثة انتخابياً، بتوجيه اللوم إلى ترامب على خلفيّة تشجيعه الجماعات اليمينية المتطرفة وعدم إدانته لها.

 المحصلة العامة لتلك المسألة وما سيتبعها من تفاصيل، ربما يومية، تكمن في الحرص على استقرار النظام السياسي بمعزل عن توجهات ورغبات المرشّحين إلى المناصب السياسية العليا، ولها اليد الطولى في الحفاظ على عدم انزلاق تلك المجموعات العنصرية إلى ارتكاب أعمال عنف، وربما الانخراط في إشعال أوار حرب أهلية هدّد بها الرئيس ترامب سابقاً.

استمرار الرئيس ترامب بالتحذير من تزوير الإنتخابات في حال عدم فوزه، يشكل العنصر الأبرز في قلق الأميركيين من دخول أميركا في مرحلة ربما تكون الأخطر في تاريخها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق