آراء ودراسات

طروحات تعزيز وترسيخ ثقافة المواطنة…

} د. حسان قبيسي*

أن أتقدّم بأفكار حول مشكلة اجتماعية معينة، هو تعبيرٌ صريحٌ عن وجود مشكلة يعاني منها الوطن اللبناني متعدد الأديان والمذاهب والأعراق والأهواء والتوجّهات، على مستوى الشعور بالمواطنة، والالتزام بموجباتها.

 كما أن أتقدّم باقتراحات وصولاً إلى تبنّي المفيد منها، هو تعبير صريح عن رغبة بإيجاد حلّ لهذه المشكلة التي ما زلنا نعاني من آثارها، منذ أن تكوّن هذا الوطن، والمحن التي مرّ ويمرّ بها. أعتقد أنّ أيّ حلّ لأيّ مشكلة، يجب أن يستند إلى تخطيط استراتيجي يعتمد في أساسه على ثلاثة خطوات:

 الأولىتحديد المشكلة: أي مواطن نريد، وما هي مواصفاته؟

 الثانيةتحديد أسباب المشكلة: من أجل اتخاذ الإجراءات التي تسهم في معالجتها.

 الثالثةتحديد البدائل القادرة على حلّ المشكلة.

 تحديد المشكلة

التربية المدرسية في لبنان لم تستطع أن تنتج مواطناً ينتمي في ثقافته (أي في سلوكه) إلى هذا الوطن، أكان على المستوى الوطني أو الإجتماعي، على الرغم من المسافة الزمنية الطويلة التي اجتازها هذا الوطن منذ الإستقلال حتى اليوم؟

الأسباب الممكنة للمشكلة

تحديد الأسباب الممكنة للمشكلة ولماذا لم تستطع التربية المدرسية في لبنان، تكوين ثقافة عيش إجتماعي عند المواطنين اللبنانيين على اختلاف مشاربهم الدينية والمناطقية والطبقية؟ هل يعود السبب إلى التعدد المدرسي في لبنان، بالتالي تعدد أساليب ومضامين التنشئة التربوية الإجتماعية؟ أم هل يعود السبب إلى مناهج التعليم وكتبه وعدم وضوح أهدافها؟ أم أن السبب يعود إلى عدم تدريب المعلمين وإعدادهم الكافي على أساليب تعليمية قادرة على تحقيق تلك الأهداف؟ وهل يعود السبب إلى تخلّف أساليب التعليم القائمة على الحفظ والتذكر دون الإلتفات إلى نتائج المعرفة في تكوين السلوك العملي؟ أم أن السبب يكمن في غياب الإرادة السياسية الناظمة للسياسة التربوية العليا الهادفة إلى تكوين ثقافة وطنية وحضرية ومدنية مشتركة، قائمة على العيش المشترك بين مكونات غير متجانسة، وعلى احترام المواطن وحقوقه، وإعداده للتخلّص من رواسب التمييز الطبقي أو الجنسي أو الديني؟

 خلال سعيي لتشخيص السبب الحقيقي من بين كل هذه الأسباب الممكنة، لم أجد بدلاً من العودة إلى الجذور المادية التي أنتجت التربية المدرسية، وإلى طرح التساؤل عن الوظيفة الحقيقية التي تقوم بها التربية المدرسية في العالم منذ نشأتها حتى اليوم! وكنت قد بيّنت كلّ ذلك في مقالة لي نشرتها في مجلة «الواقع» في نيسان 1986 تحت عنوان «التنشئة المدنية أو إقامة سلطة الحق العام»… ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟

إني باختصار شديد، أعتقد بالرأي الذي يذهب إلى اعتبار أن التربية المدرسية في بلد ما، أي بلد، هي تعبير عن توجّه السلطة السياسية لإنتاج وإعادة إنتاج إيديولوجيا ونمط عيش معيّن، تتضمّن نظرة الإنسان إلى الوطن، والمواطنين، والمواطنة. هل تريد تلك السلطة، التي قامت منذ قيامة لبنان، كشركة طوائفية طبقيّة، هل تريد إنتاج المواطن الواحد الذي يحترم المواطنة، ويلتزم بقواعد العيش المدني، ويتمتع بالحقوق والمساواة والعدالة أم أنها تريد إعادة إنتاج التمايز الطائفي والطبقي؟ هل هي تريد حقاً إقامة سلطة الحق العام؟ وهل تريد إقامة المساواة في الحقوق والواجبات؟

وللإجابة بلا أو بنعم، لا بدّ من أن نستند إلى ما نجده من تعبيرات عملية على الأرض، في الواقع، وليس في المناهج والكتب والخطب ووسائل الإعلام. أن نفتش عنها في مناطق السكن والإلتحاق بأنواع المدارس، وتبنّي القيم الوطنية والأخلاقية، والموقف من الحقّ العام والمساواة في الحقوق، وفي الإنتخابات وتشكيل الحكومات والحصص فيها، ومكبّات النفايات وعدد ساعات التغذية بالتيار الكهربائي

 إنّ أيّ اقتراحات ستقدم من خلال هذه المقالة، لا أعتقد أنه سيؤخذ بها وستتحوّل إلى ممارسات عملية على مستوى العمليات التربوية في المدارس، رسمية كانت أو خاصة، غالية الأقساط أو مجانية، وطنية كانت أم أجنبيةلأنّ كلّ نوع من المدارس في لبنان له أهدافه التي تختلف عن المدارس الأخرى، وكلّ مؤسسة تربوية ترى إلى المواطن بمواصفات تختلف عن مواصفات المؤسسة الأخرى.

هل تعتقدون أنه لو دعت إحدى المدارس الرسمية في جنوب لبنان طلاب المدارس الخاصة مرتفعة الأقساط في بيروت أو في أية مدينة لبنانية أخرى، إلى العمل مع طلابها في مساعدة الفلاحين على مكافحة آفة زراعية، كما جرى في مصر مع دودة القطن أو في الصين مع عصفور الدوري، هل تعتقدون أن طلاب تلك المدارس وإداراتها سيلبون الطلب.

ولكن، ومع إيماني بما أذهب إليه، هل نترك اليأس يتملكنا من أية إمكانية لإحداث التغيير؟ لو كانت الإجابة بنعم، لما كنت أبحث في هذه المشكلة. لذا، فإنّ أية إقتراحات نتقدّم بها هي من باب الإيمان بضرورة إيجاد حلّ لمشكلات المواطنة في لبنان، وبضرورة بناء وطن واحد يجمعنا، نشعر فيه بالمساواة، ونعيش فيه وفق ثقافة العيش المشترك المدني والحضاري.

لقد عدت إلى المنهج الرسمي الذي صدر عام 1997 فوجدت فيه كلاماً جميلاً عن غايات مادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية، هذا ملخصاً لها:

إعداد المتعلم الذي يحترم القيم الإنسانية في وطنه.

إكساب المتعلم روح العمل ومواكبة التطور العالمي.

التربية على النقد والنقاش وتقبل الآخر وحل المشكلات بروح العدالة والمساواة.

تنمية الروح الإجتماعية وتعزيز المشاركة في الحياة الوطنية العامة في إطار سياسي ديموقراطي جامع وموحّد.

 وقلت، إنها مقاصد عامة جميلة جداً يطرب لسماعها الإنسان، ولكن، تساءلت: هل يكفي أن تحدد المناهج مقاصد ومرامي عامةأم أن عليها:

أن تلتزم كلّ المدارس بتعليم منهج واحد للتنشئة المدنية والتربية الوطنية، بغاياته وكفاياته وأساليب تعليمه القائمة على الأنشطة العملية والمخيمات المشتركة برؤية واحدة وبالمشاركة بين أنواع المدارس بعد تحديد دقيق لمواصفات المواطن المرادة.

أن تحول الغايات والمرامي إلى كفايات سلوكية تحدد أنواعها (معارف، قدرات أو قيم) أو مواصفاتها، وأقصد بالتحديد المحكات «critères» المكوّنة لها. فلا نكتفي مثلاً بالقول: أن يحترم المواطن حقوق أخيه المواطن، وتأمين الحقوق والواجبات»، ومن ثم نكتفي بإلقاء الدروس، وتعيين الصفحات في الكتاب، وإجراء المسابقات الخطيّة القائمة على الحفظ والتذكّر، بل علينا تفصيل المرادف السلوكي للفعل يحترم، والمجالات المتضمّنة لتلك الحقوق والواجبات، وأن نتبنى مبدأ أن سلوك احترام المواطن لحقوق الآخرين، لا يتكوّن إلا من خلال ممارسة هذا السلوك في المدرسة والملعب والشارع والبيت والمؤسسات الإجتماعية.

أن تحول المناهج الكفايات السلوكية إلى وضعيات تعليمية تعلمية، أيّ إلى أساليب ونشاطات قادرة على إكساب المتعلمين تلك الكفايات. وبدل أن نجهد أنفسنا بالكلام عن النظافة والتقيّد بالنظام واحترام الغير واحترام القوانينوحفظ النصوص التي تدعو إلى كل ذلك، وإجراء الإمتحانات الكتابية حولها، علينا أن نهيّئ الوضعيات العملية المعاشة التي تكسب السلوك المتقيّد بهذه المبادئ.

إعداد المعلمين وتدريبهم لجعلهم يدركون الأهداف العملية ويمتلكون القدرة والكفاءة من أجل إدارة تلك الوضعيات.

أن نهيّئ الوقت المناسب في البرامج المدرسية للقيام بتلك النشاطات وتنفيذها.

أن تنفتح المدرسة على المجتمع المحلي بدل أن تظلّ معزولة عنه، فتهتم باحتياجاته ومشكلاته وتربط التعليم بواقع الحياة المعاشة.

أن تقوِم تلك النشاطات وتتابعها وتعمل على تطويرها بشكل دائم، لمواكبة الحاجات الإجتماعية المتغيرة والمشكلات الطارئة.

لديّ إيمان راسخ من تجاربي التعليمية والإدارية وثقافتي التربوية، أنه لكي يتعلم الإنسان سلوكاً لا بدّ له من ممارسته، فكي تتعلم الكتابة لا بدّ من أن تكتب، وقيادة السيارة لا تتمّ من خلال القراءة عن السيارة. صحيح أنّ المعرفة هي الخطوة الأولى لاكتساب السلوك، لكنها ليست كافية؛ لا بدّ من خطوة ثانية، هي ممارسة المعرفة حتى تتحول إلى جزء ثابت من الشخصية الإنسانية.

اكتساب السلوك لا يمكنأن يتمّ إلا بالسلوك نفسه

من الضروري الإستفادة من تجارب الآخرين والإطلاع على المناهج في أكثر من بلد شهد حاجات أو مشكلات استطاع أن يحلّها عن طريق التعليم من جهة، إجراء مراجعة نقدية لتاريخ التعليم في بلدنا من جهة ثانية، وبيان أوجه القوة فيه من أجل دعمها، وأوجه الضعف من أجل معالجتها. كما لا بدّ من إجراء الأبحاث الميدانية عن المشكلات الإجتماعية التي نعاني منها من جهة ثالثة، ومنها نشر ثقافة وطنية واحدة وجامعة، مع التأكيد على أن كلمة ثقافة لا تعني فقط ما نحفظه من تعاليم ومبادىء بل ما نمارسه في حياتنا اليومية، فالثقافة هي السلوك المعاش، لنصل إلى وضع الخطط الكفيلة بتكوين السلوك الثقافي الإجتماعي الوطني الذي أسماه فروم منذ ما يزيد عن نصف قرن: الطبع الإجتماعي «Le caractère social» ومفاده، أن يكون الفرد مدفوعاً وراغباً في آن أن يسلك كما عليه أن يسلك. ووظيفته هي إعطاء شكل لطاقة أعضاء المجتمع. فالمسألة تكمن في توجيه الطاقة الإنسانية ضمن مجتمع معين، لجعل أفراده يتصرفون كما يجب أن يتصرفوا، وهم يجدون في ذلك نوعاً من الرضا.

*دكتور في كلية التربيةالجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق