أولىكتّاب البناء

«الاغتيالات»…
خيار العاجزين

 د. جمال زهران _

بعد تحريات وتحقيقات مكثفةتوصّلت إيران، إلى نتيجة مفادها أنّ العدو الصهيوني هو الفاعل ووراء جريمة اغتيال العالم النوويّ الإيرانيّ محسن فخري زادة في طهران، فالسلاح المستخدم منتج صهيونيّ، والأسلوب المستخدم وأدوات الجريمة صهيونية، كما أنّ التفجير عن بُعد، هو أسلوب صهيونيّ لا يفضّل الاشتباك المباشر! وذلك من شدة جبنه وخوفه الذي يصل إلى الرعب! حتى أنّ الأطراف المنفذة من العملاء والذين ألقي القبض عليهم، اعترفوا بالجريمة! إذن فنحن أمام خيار ليس بجديد على الكيان الصهيوني، ولكنه يتجدّد بيد أميركا مرة (حادث اغتيال سليماني والمهندس) منذ عام، ومرة أخرى بيد الكيان الصهيوني (حادث اغتيال فخري زادة)، وراح ضحية هذا وذاك عدد من الحراس!

كانت الإشارة لتنفيذ هذه المهمة، قد بدأت بالاجتماع الثلاثي الذي عُقد بين مثلث الشرّ والاغتيال ويضمّ (محمد بن سلمانقاتل الخاشقجي)، ونتنياهو الإرهابي، وبومبيو (المتغطرس)، في أرض سعودية في منطقة «نيوم»، خلال الأيام الأخيرة. وتمّت الجريمة بعد أيام عدة من هذا الاجتماع الثلاثي، وقد كانت التوقعات تسير في اتجاه أكبر وهو توجيه ضربة عسكرية كبيرة ضدّ المفاعلات النووية الإيرانية، ورأيت في مقالي السابق، أنها مستحيلة للغاية. وقد أصبح مؤكداً من حيث التلازم الزمني بين الاجتماع وبين عملية الاغتيال في طهران، أنّ الفاعل الأصلي هو ثلاثي القتل والاغتيال (بن سلمان ونتنياهو وبومبيو)، أيّ السعودية و»إسرائيل» وأميركا، ومن ثم فإنّ ردّ الفعل الإيراني يمكن أن يكون ضدّ هذه الدول الثلاث، وهو أمر قائم بالفعل، ولكن صاحب القرار في إيران هو المسؤول عن تحديد موعد الردّ وحجم الانتقام. والمؤكد أنّ ردّ فعل إيران سيطولهم جميعاً.

وقد التقى مثلث الشرّ في منطقة «نيوم»، للتنسيق، ومكثوا معاً نحو (5) ساعات! وربما اتفقوا على ما هو أكثر من عملية الاغتيال التي تمّت في طهران، ولكن عندما فشلوا في التوافق على ذلك، قرّر الكيان الصهيوني التعجيل بخيار الاغتيال، وأعطى العملاء الصهاينة في طهران، الإشارة بالتنفيذ، باعتبار أنّ ذلك هو الحدّ الأدنى من إمكانية التنفيذ لتأكيد التنسيق بين مثلث الشرّ، لتقع السعودية رسمياً في مربع التطبيع بالتنسيق على ارتكاب أفعال إجراميّة في حق دول الجوار، ومن ثم فلتتحمّل نتيجة هذا الفعل الإجرامي، حتى لو تظاهرت بالتنديد بهذه الجريمة كمحاولة لغسل يديها منها!

ويذكرني ذلك بلقاء المجرم مناحم بيغن مع السادات في شرم الشيخ، في الوقت نفسه الذي قامت «إسرائيل» بضرب المفاعل النووي في العراق. وحاول السادات إظهار غضبه، وأنّ بيغن هو الذي ضلّله وارتكب هذه الجريمة بعيداً عنه! لكن أياً كان الغضب الساداتي ودرجته، فقد ثبت في حقه أنّه شريك في هذه المؤامرة تاريخياً.

والسؤال هل هذه هي الجريمة الأولى للكيان الصهيوني باغتيال العلماء العرب وخاصة المصريين والإيرانيين وغيرهم؟

الإجابة الواضحة والصريحة والمباشرة، أنّ «إسرائيل» وراء جملة الاغتيالات لعدد من العلماء المصريين والعراقيين والسوريين والإيرانيين، وغيرهم، في مجال الذرة (النووي)، ابتداء من الدكتورة سميرة موسى، ونهاية بالعالم النووي الإيراني (فخري زادة). فكلّ الجرائم متشابهة وهي تعكس نمط التفكير الصهيوني الذي لم يتخلّ عنه ذلك الكيان الصهيوني «إسرائيل».

وهل جريمة اغتيال رفيق الحريري، في لبنان، بعيدة، عن المخطط الصهيوني؟! إذن نحن أمام مشهد متجدّد، يمثل خياراً صهيونياً أميركياً، وقد يكون في وقت فراغ السلطة الأميركية خلال الفترة الانتقالية من ترامب المتغطرس إلى الرئيس الجديد (جو بايدن)، وقد ترتكب فيها سلسلة من الاغتيالات لتعقيد الموقف في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وإحداث الشلل في بدايات فترة جو بايدن، لإرباكه في إدارة الملفات الصعبة وعلى نقيض سياسات ترامب، التي جلبت الخراب للمنطقة. فمثلاً، انّ اغتيال «زادة»، في إيران، قد يكون مقدّمة لسلسلة من الاغتيالات في مناطق عدة، وهي بالتأكيد والقطع، محاولة للتصعيد مع إيران، لممارسة الضغط على بايدن، الذي قرّر العودة للاتفاق النووي، الذي جمّده، وانسحب منه ترامب عام 2018. ويقامر ترامب وفريقه الصهيوني على أن تتسرّع إيران بالردّ العاجل مما يحول دون عودة بايدن إلى الاتفاق! وهو أمر لا شك في أنّ إيران تدركه تماماً، وتدرك أبعاده، ولذلك ستكون أكثر تريّثاً وعقلانية في الردّ العاجل، وقد يكون الردّ الإيراني غير مباشر بحيث لا تعلن إيران تبنّي ما يمكن أن يحدث في صفوف الجانب الأميركي الصهيوني. فالأمر صعب للغاية، والعالم يترقب ما يمكن أن يحدث من ترامب المتغطرس، خلال أسابيع عدة باقية من فترته الرئاسية التي تعدّ أسوأ فترة في تاريخ أميركا قبل أن تكون في تاريخ العالم بأسره، تلك هي الفترة من (كانون الثاني/ يناير 2017 – 2021).

ارحل أيها الأسوأ (ترامب)، ارحل ومعك نتنياهو، الأسوأ أيضاً، ارحلا فربما تبدأ فترة هدوء واستقرار بعض الشيء.

فالعالم ومنطقتنا العربية والشرق أوسطية، تحتاج لالتقاط الأنفاس، وسط ما يواجهه العالم من وباء كورونا، الذي أطاح بترامب قبل الآخرين المرشحين بالتبعية للرحيل والسقوط المدوّي، ولعل عام 2021، هو عام سقوط قطع الدومينو، بعد سقوط رأس الحربة المجرم المتغطرس ترامب، ولننتظر ما يحدث، فهو كبير وضخم.

ختاماً: إنّ خيار «الاغتيالات» في الوقت الضائع، هو خيار العاجزين بكلّ تأكيد

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق