عربيات ودوليات

فزّاعة الدولار… وقوة الاقتصاد الصيني! هل ستتعافى الليرة السورية عام 2021؟

 

طارق بصمه جي*

ما زال العالم محكوماً بنظام اقتصادي أحادي القطب، مرتبطاً بالولايات المتحدة الأميركية وذلك منذ سنوات عديدة، بعد أن انهالت الاستثمارات الأوروبية على أميركا بعد الحرب العالمية الأولى، كونها منطقة آمنة آنذاك. ومع أواخر الحرب العالمية الثانية تهاوت معظم العملات الأوروبية في المنطقة، ما اضطر ممثلي 44 دولة حول العالم إلى الاجتماع بهدف تطوير نظام النقد الدولي الجديد، وإيجاد مخرج اقتصادي يمنع التخفيضات التنافسية ويحافظ على استقرار سعر الصرف.

استطاعت واشنطن عام 1944 إقناع تلك الدول بأنها الأكثر أمناً في المنطقة، فجاءت اتفاقية «بريتن وودز»، التي نصّت على ضرورة ربط العملات المنهارة بالدولار، مع الحفاظ على إمكانية أن تحوّل كلّ دولة رصيدها، متى شاءت، من دولار إلى ذهب (وفق معادلة 35 دولار لكلّ أونصة). كما تعهّدت واشنطن أن تمتنع عن طباعة أي دولار جديد إن لم تكن تمتلك في رصيدها قيمة مساوية له من الذهب، إلا أنّ ذلك لم يحصل. فمع نهاية الحرب الأميركية الفيتنامية، اضطرت واشنطن أن تخرق الاتفاقية السابقة وتطبع مبالغ ضخمة من الدولارات من دون رصيد يوازيها من الذهب، وذلك لتغطية النفقات الباهظة للحرب التي لم تعد تحتمل، الأمر الذي كشف عورة الاقتصاد الأميركي ونزع عنه القناع.

صدمة نيكسون

أمام الوعود «البرّاقة» التي أطلقتها أميركا في اتفاقية عام 1944، قرّر الرئيس الفرنسي شارل ديغول عام 1965 مبادلة دولارات المصرف المركزي الفرنسي بالذهب، وهذا طبعاً حقّ مشروع، بحسب الاتفاقية، لكنّ الردّ الأميركي جاء بالتهرّب والرفض، حتى اضطرت واشنطن أن تنسحب من هذه الاتفاقية عام 1971، ما شكّل انهياراً متسارعاً في الاقتصاد الأميركي، أفقد العالم الثقة بالعملة الأميركية التي تهاوت آنذاك مثل أحجار الدومينو.

السعودية أنقذت أميركا!

بعد تورُّط واشنطن في حرب فيتنام، كان لا بدّ للرئيس الأميركي أن يبحث عن الحلول السريعة ويتخذ قراراً ينقذ الاقتصاد الأميركي من الانهيار، فقرّر في العام 1973 أن يقدّم عرضاً مغرياً للملك السعودي، وهو أن تقوم أميركا بتثبيت دعائم الحكم السعودي وحمايته وتقديم شتى الدعم اللوجستي والعسكري له، وذلك مقابل أن تتعهّد السعودية ببيع نفطها بالدولار الأميركي فقطـ، وهو ما عرف لاحقاً بمشروع «البترودولار» حيث استطاع الملك السعودي أن يقنع أيضاً الدول المنتجة للنفط «أوبك»، أن تبيع نفطها بالدولار حصراً، مما شكّل عاملاً أساسياً في تثبيت دعائم عملة الدولار من جديد بعد أن كان مصيرها الانهيار!

الليرة السورية والاقتصاد المتين

مع نهايات العام 2010، شهدت سورية تطوراً متسارعاً في مدخلات الاقتصاد السوري، من حيث الصناعة والزراعة والسياحة، وباتت سورية دولة تعتمد سياسة الاكتفاء الذاتي وصفر مديونية، حتى أصبحت بوابة عبور الشرق إلى الغرب، ونافذة أوروبا إلى العالم العربي، وذلك بفضل موقعها الاستراتيجي الرابط بين القارات، ومدنها الصناعية التي كانت رائدة في الشرق الأوسط، ونسب الأمان المرتفعة التي جذبت لها ملايين السياح حول العالم ليزوروا تلك البلاد ويطّلعوا على حضارتها الموغلة في القِدم، ويصوّروا عن قرب الآلاف من آثارها وأوابدها التي تحاكي العظَمة، وتشرح رواية التمدّن الذي ظهر على البشرية للمرة الأولى في مدينة حلب قبل 12 ألف عام، في حين كان العالم بأسره غارقاً في الظلام.

تأثر الاقتصاد خلال الحرب على سورية

مع صيف عام 2012، وعشية دخول الإرهابيين عدداً من الأحياء السكنية الواقعة شرقي مدينة حلب، بدأ أحد فصول تراجع قيمة الليرة السورية، خاصةً بعد أن وصلت مخالب الإرهاب إلى قلب المدينة الصناعية في حلب «الشيخ نجار»، تلك المدينة التي كانت تعتبر أحد أكبر المدن الصناعية في الشرق الأوسط، وذلك حين كان يصدّر الفائض الوفير من منتجاتها إلى كلّ من العراق ولبنان والأردن ودول الخليج، إضافة إلى تركيا فأوروبا، كلّ تلك الدول كانت سوقاً مفتوحاً أمام المنتجات السورية المختلفة، منها النسيجية والهندسية والميكانيكية والورقية والغذائية، إضافةً إلى الصناعات الكيميائية كالأدوية ومواد التجميل والبلاستيك والصابون المصنّع من زيت الزيتون السوري وورق الغار الحلبي.

مما سبق، نستنتج أنّ المدينة الصناعية في حلب لم تكن رافداً للاقتصاد السوري فحسب، بل كانت عصباً مهماً في تثبيت دعائم الاقتصاد السوري ككل، هذا ما أكدته الإحصاءات الرسميّة التي كشفت عن حجم الاستثمارات الفعلية في تلك المدينة الصناعية عام 2013، الذي وصل إلى ما يقارب 167 مليار ليرة سورية، أي ما يقارب 33 مليون دولار في ذلك الزمان.

ومع بدايات عام 2014، بدأت الليرة السورية تفقد ثلاثة أضعاف قيمتها، فبعد أن كانت تساوي (46 ليرة) مقابل الدولار عام 2011، باتت في مطلع عام 2015 تساوي 200 ليرة سورية، حتى وصلت إلى 500 ليرة حتى أواخر العام 2019، ثم قفزت بشكل جنوني إلى 2960 ليرة عام 2020 بعد العقوبات الأميركية وقانون قيصر، إضافة إلى الانتكاسات الاقتصادية المتتالية بعد جائحة كورونا العالمية.

خطط اقتصادية قائمة

يقوم الفريق الحكومي حالياً بعدة إجراءات تهدف إلى دعم الاقتصاد السوري، منها خطة لدعم الإنتاج الزراعي عام 2021، وهذا ما أكدّه وزير الزراعة السوري مؤخراً، خلال جولة قام بها، على عدد من المدن السورية تفقد من خلالها إنجاز عدد من المشاريع الحيوية في سورية.

إجراءات ناجعة للحدّ من الهدر العام

قامت الحكومة السورية، ممثلةً بوزارة النفط والثروة المعدنية، باتباع إجراء ساهم بشكل كبير في تقليص الفائض من الدعم الحكومي للمواد الأساسية في البلاد، وأطلق على هذا المشروع اسم «البطاقة الإلكترونية»، وهو يهدف إلى ضبط توزيع المشتقات النفطية والحدّ من تهريبها خارج البلاد وضمان وصولها إلى مستحقيها بمساواة لتطبيق العدالة في توزيع الدعم.

في حين تمّ تعميم هذا المشروع أيضاً على وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلِك ليتم توزيع المواد الغذائية المدعومة حكومياً (كالأرزّ والسكر والخبز)، على البطاقة نفسها، وذلك للحدّ من فوضى التوزيع ومنع بعض ضعاف النفوس من الاتجار بالمواد المدعومة حكومياً.

مطالب مُلحّة للصناعيين

وعن التسهيلات المطلوب منحها بشكل عاجل للصناعيين في سورية، أفاد الصناعي والمهندس مجد ششمان، عضو اتحاد غرف الصناعة السورية، بأنّ هناك العديد من الأمور التي قد تحقق إنعاشاً عاجلاً في الاقتصاد السوري من وجهة نظره وهي:

1 – رفع سقف القروض للصناعيين، ومنحها لهم على دفعات متتالية، تزامناً مع استيرادهم للآلات وبدء إنشائهم لخطوط الإنتاج ضمن المعامل، وذلك لضمان وضع تلك الأموال في مكانها الصحيح، منعاً لاستخدامها للمضاربة في السوق السوداء كما حدث العام المنصرم.

2 – تأمين الكهرباء بشكل ثابت للمدن والمناطق الصناعية على مدار 24 ساعة، من دون انقطاع، الأمر الذي سيزيد موارد المعامل ويحقق ديمومة في الإنتاج، ويشكل حجر أساس لاستقطاب الصناعيين لبدء استثماراتهم في سورية.

3 – عقد اتفاقيات خاصة مع دول الجوار لتسهيل انسياب البضائع عبرها، وتأمين قنوات لنقل الأموال أثناء التبادلات التجارية.

رؤية إنقاذ اقتصادية علّها تبصر النور

وحول كبح جماح الارتفاع المتسارع في سعر الصرف، تحدث إلينا الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرؤوف نحّاس، الأستاذ في علم الاقتصاد والمحاضِر في عدد من الجامعات السوريّة قائلاً: «لا بدّ من الاستفادة من مخرجات الاقتصاد السوري بشكل تام وإيلاء الاهتمام الشديد بالقطاع الزراعي الخصب واعتباره قاطرة أساسية للاقتصاد السوري، وذلك بالتوسُّع في قنوات الريّ، وربط مخرجات العملية الزراعية بمدخلات العملية الصناعية، لتحقيق تشابك قطاعي كامل نستطيع أن نعوّل عليه في بناء الهيكل الاقتصادي السوري ذي الأُسس المتينة صعبة الانهيار».

وتابع نحاس: «من غير المنطقي أن يتم تصدير القطن كمادة خام، بدلاً من تصنيعه كألبسة في معاملنا، كما من غير المنطقي أيضاً تصدير الحمضيات بدلاً من إدخالها إلى معمل عصائر سوري رائد على مستوى الشرق الأوسط، فتلك الإجراءات البسيطة لا تُسهم فقط في زيادة القطع الأجنبي، بل في تأمين آلاف فرص العمل لأبناء البلد وتحقيق أرباح طائلة للصناعيين السوريين. وفي هذا السياق، يرى د. نحاس «أنّ علينا تأمين الأرض الخصبة لتلك المعامل والمشاريع الحيوية الضرورية بتقديم جميع التسهيلات للمغتربين لإقامة المعامل داخل الأراضي السورية من جديد، عوضاً عن إقامتها في دول أخرى، جازماً أنّ معظم الصناعيين السوريين سيعودون إلى سورية بشكل عاجل فور توفّر تلك التسهيلات والإعفاءات والبيئة الخصبة للاستثمار، لأنّ قلوبهم ما زالت معلّقة بسماء الوطن وهوائه وأرضه.

واعتبر د. نحّاس أنّ سياسة استيراد المنتجات الكمالية والرفاهية الزائدة، قد تكون مضرة أيضاً بالاقتصاد، كونها تستنزف القطع الأجنبي وتزيد الطلب عليه، ما سيخرج هذا القطع في نهاية المطاف إلى خارج البلاد، الأمر الذي سيؤثر سلباً على سعر صرف الليرة السورية، لذا علينا تفادي تلك الأمور التي تضرّ بعصب الاقتصاد السوري.

التحرُّر من الدولار!

وحول إمكانية التحرُّر من سطوة الدولار، أوضح د. نحاس موضحاً أن أي دولة في العالم تستطيع التحرُّر بشكل مقبول من الشبح الأخضر حين تؤمن تبادلاً تجارياً على مستوى عالٍ مع حلفائها من الدول، سورية مثلاً ستستطيع خلال المرحلة المقبلة مع بدء الإنتاج وتصدير المنتجات التحرُّر قليلاً من هذا الشبح لتقوم بالتبادل التجاري مع الدول الحليفة بالعملة المحلية، ألا وهي الليرة السورية التي نعتزّ بها.

قرب تغيُّر منحى الاقتصاد العالمي!

وعن مصير استمرار تحكُّم واشنطن بالاقتصاد الدولي، أجاب د. نحاس: لربما سنرى خلال السنوات القليلة القادمة، تصدّر الصين واجهة الاقتصاد العالمي، لينتقل العالم من أحادي القطب، إلى متعدّد الأقطاب الاقتصادية وذلك من خلال خطوات تسعى إليها بكين حالياً من خلال ما يسمى (حزام طريق الحرير) الذي ستشكّل فيه سورية ودول «بريكس» شرياناً هاماً في ذاك القطب الجديد.

*فنّان وكاتب صحافي يحمل إجازة في علم الآثار، نشر في العديد من الصحف ومراكز الأبحاث ووكالات الأنباء العربية والدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق