أولى

أكذوبة الانتخابات المبكرة

خلال انتفاضة 17 تشرين وما بعدها طرحت الدعوة لانتخابات نيابية مبكرة كطريق للخروج من الأزمة الراهنة، ولم يقل أصحاب الدعوة كيف يمكن للانتخابات المبكرة أن تحصل ولا كيف يمكن لها إذا حصلت أن تحل الأزمة. فالانتخابات مبكّرة أو في موعدها ستنتج مجلساً نيابياً يختلف نسبياً عن المجلس النيابيّ الحالي، بتغيير نسبي بين الكتل الحالية صعوداً وهبوطاً، ووجوه جديدة من المجتمع المدني التي تلتقي في خياراتها مع أحد أطراف الاستقطاب القائم حالياً في قضايا الخلاف الإقليميّة والمحلية أكثر مما ستلتقي فيما بينها لتشكيل كتلة جديدة تمثل بيضة القبان بين الأفرقاء الحاليين، وليس بينها من تقول تجربته وأدبياته أنه يملك حلولاً تتعدّى الحديث عن كيفية جلب أموال الغرب والخليج، وهي أموال لن تأتي بنتيجة شروط إصلاحيّة يتحدّث عنها هؤلاء بل بمقابل سياسي يتصل بعنوان وحيد هو المقاومة وسلاحها، التي يناصبها فريق نيابي موجود وفاعل درجة من العداء المستحكِم.

النتيجة الطبيعيّة ستكون استمرار الانقسام حول الخيارات الاقتصادية والخيارات الإقليمية وهو انقسام لا يمكن حسمه بالتصويت في القضيتين، وبالتالي لا مجال للالتباس حول أن صاحب الدعوة الحقيقي للانتخابات المبكرة ليس باحثاً عن حلول للأزمات الاقتصادية والسياسية، بل عن استثمار الأزمة وما يعتقده نتائج الأزمة وتأثيراتها على التوازنات السائدة، لتحقيق تعديل في موازين القوى النيابية لصالح أطروحة سياسية تنتزع الأغلبية النيابية وتنقلها من ضفة الى ضفة، لتقديم أوراق اعتماد لخارج يظنّه مستعداً لرفع جهوزيته للتدخل إذا توافرت له تغطية تتمتع بقدر من الغطاء الشرعيّ الدستوريّ توفره الغالبية النيابية.

الذين دعوا للانتخابات المبكرة كانوا مرتبكين في ظل الانتفاضة فطرحوا معها قانون انتخابات غير طائفي، وربطوها بشعار كلن يعني كلن، وإشاعة وهم القدرة عبر الانتخابات على تغيير نيابي شامل ينتج حكومة تمثل مشروع التغيير المدني وتقيم المحاسبة والمساءلة لكل الذين تعاقبوا على السلطة وتستعيد الأموال المنهوبة وتنعش الاقتصاد بواسطتها، ثم سرعان ما بدأت تظهر علامات التفكك على هذه الدعوات وينكشف عجزها عن الإقلاع من بوابة العجز عن الإجابة على سؤال كيف تتم الانتخابات المبكرة ما لم يقبل النواب الحاليون بتقصير ولاية المجلس الحالي، وذهب بعض النواب ضحية هذا الوهم، فقدموا استقالاتهم ثم ما لبثوا يدعون لانتخابات فرعية على مقاعدهم معلنين نيتهم الترشح مجدداً.

القوات اللبنانية ظهرت مؤخراً كصاحب فعلي للدعوة، فكشفت عن المشروع، برفض تغيير قانون الانتخابات، وطلب إجراء الانتخابات على أساس القانون الحالي، وكشفت هدفها بالسعي لتغيير هوية الأكثرية النيابية وإطاحة الأكثرية الحالية، تحت عنوان اعتبار الأكثرية الحالية إطاراً سياسياً لحلفاء المقاومة، ولكن مشكلة القوات أنها عاجزة عن فرض دعوتها للذهاب إلى الانتخابات المبكرة، من دون أن تكون معها أكثرية تؤيد هذه الدعوة.

كانت الدعوة في البدايات براقة، وكانت الدعوة في منتصف الطريق تستطيع تشكيل جبهة سياسية شعبية، لكنها اليوم وفي ظل المتغيرات الداخلية صارت طلقة طائشة عاجزة عن إصابة هدف، وتعبيراً عن عجز ويأس صاحبها عن تقديم تصوّر قابل للتطبيق، ويرتبط عضوياً بفرص تقديم حلول لا تصفية حسابات. وفي ظل المتغيرات الخارجية الذاهبة في المنطقة نحو انفراجات وتبريد للجبهات والمحاور، تصير الدعوة أيضاً طلقة متأخرة عن زمانها، وتقديم أوراق اعتماد بعد فوات الأوان.

يحتاج لبنان واللبنانيون إلى إقرار القيادات الحالية على اختلافها بكونها جزءاً من الأزمة، وبتواضع مزاعمها وادعاءتها على قدرة إنتاج الحلول، والبحث بين أطرافها عن الحد الأدنى من نقاط التلاقي بعيداً عن المرابح الفئوية التي لن تغير شيئاً في الواقع العام للبلد، واعتبار حاجة البلد لحكومة تمثل أوسع من غالبية نيابية، لتطال ما أمكن من شرائحه، لتدير أزمته وتخفف من اندفاعته نحو الانهيار، وتضع جانباً كما قال الرئيس الفرنسي في لقاء قصر الصنوبر لبعض الرؤوس الحامية، أن لا قضية سلاح المقاومة بحجم قدراتهم على التغيير، ولا الانتخابات المبكرة وصفة مناسبة لإحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق