ثقافة وفنون

ملتقى الأدب الوجيز مسيرة تجاوزيّة

 

} أ.د درية فرحات

تلقّى ملتقى الأدب الوجيز تهنئة الدّكتور عبدالله الشّاهر من سورية بتولي هيئة إداريّة جديدة لملتقى الأدب الوجيز، وأشار إلى بعض الأفكار التي تبنّاها مؤسس ملتقى الأدب الوجيز، ونشكر الدّكتور عبدالله على مباركته، التي تلقيناها بمشاعر مختلفة، فتارة شعرنا بما تحتويه معنى المباركة، وتارة أخرى كانت الغصّة تملأ قلوبنا لأنّ هذه الهيئة الإداريّة قد غاب عنها حضور الرّاحل أمين الذيب، وإن كان غيابه بالمفهوم الماديّ، لكنّه حاضر بالمفهوم المعنويّ.

وتجدر الإشارة إلى أن الملتقيات والجمعيات الثقافيّة وغيرها تُبنى على هيكلية تنقسم بين الهيئة الإدارية والهيئة العامة، وتسعى كلّ من الهيئتين إلى تحقيق ما يهدف إليه الملتقى أو الجمعية. وهكذا كان دأبنا في الملتقى، ولم تكن المناصب هي التي تشغل بالنا بقدر ما نكون فاعلين في العمل، وكان ذلك أثناء وجود أمين الذيب وبعد رحيله.

ولأنّ العمل الإداريّ يجب أن يستمر كان اختيار الهيئة الإداريّة الجديدة التي تهدف إلى متابعة ما وضع من أسس للملتقى. وقد ذكر الدكتور عبدالله في مقالة التّهنئة أنّ على الهيئة الإداريّة الجديدة أن «تبحث في ماهية  الأدب الوجيز من حيث الأهداف والمرتكزات والقواعد وإبراز الهُويّة التّجاوزية من خلال بحوث منهجيّة»، ونحن نؤيّد ما يقوله بل نؤكّد أنّ ذلك ما بدأنا به من خلال عقد المؤتمر الأوّل في تونس، والمؤتمر الثّاني في بيروت، وكنا في صدد تنفيذ المؤتمر الثّالث في دمشق، لكنّ البلاء الذي أصابنا مع جائحة كورونا جعل ذلك في أجندة الملتقى المؤجّلة إلى حين زوال هذه الجائحة، ليكون الحضور والتّفاعل قادرين على تفعيل الهدف من المؤتمر.

وعلى الرّغم من الجائحة، فإنّ الملتقى وفي حياة مؤسسه عقد خلوة فكريّة تشاوريّة لوضع المرتكزات الأساسيّة لمفهوم الأدب الوجيز من خلال مرتكزات التّجاوز وتخطي أنماط تعبيريّة وفكريّة، ومرتكزات الهُوية لنتاج أدبيّ وجزْي، وتحديد السّمات العامة والخاصة للومضة وللقصة الوجيزة، وكان العمل حثيثًا من خلال العمل النّقديّ لأعضاء الملتقى.

وإذا كان الكتاب النّقديّ الأوّل قد صدر لملتقى الأدب الوجيز، وكان بمشاركة عدد من أصدقاء الأدب الوجيز في الوطن العربيّ، فإنّ الهيئة الإداريةّ الجديدة تتابع العمل على إصدار الكتاب النّقديّ الثّاني، وأيضًا من خلال مشاركة عربيّة واسعة، وفي ذلك حتمًا تحقيقًا لأن يكون الأدب الوجيز حركة تجاوزيّة بالفكر والجغرافيا، ولتحقيق التّواصل وتبادل النّتاج الفكريّ بين البلدان العربيّة.

والثّقافة هي مرآة المجتمع والاستمرار بالأنشطة الثّقافيّة يُشير إلى رقي المجتمع، وعلى الإنسان مواجهة الأزمات مهما استعصت ومهما صعبت، فإذا كان لوباء الكورونا هذا التّأثير السلبيّ، فإنّ إرادة الإنسان وعزيمته تجعله يخرج من عنق الزّجاجة، وهذا ما كان يجعلنا نصارع لتعزيز الثّقافة، والبحث عن سبل الإبداع، وعليه فإنّ من الأعمال التي حرصت الهيئة الإداريّة الجديدة على متابعتها، هو عقد الأمسيات الشّهريّة التي كان الملتقى يعقدها في الخميس الثالث من كلّ شهر، ولأنّنا ما زلنا في زمن جائحة الكورونا، ولأن الكورونا لن توقف العمل الثّقافيّ، تحوّلنا إلى العالم الافتراضيّ فكانت لنا لقاءات لا نكون مغالين إذا جزمنا بأنّها كانت ناجحة.

نعم كانت ناجحة من تحقيقها معايير عديدة، منها أنّها أسهمت في الإضاءة على إبداعات عناصر شابة في الومضة والقصة الوجيزة، قدّمت لهم الفرصة للتّعبير والاستماع إلى نقد بناء من أصحاب الخبرة، وساعدت على تسليط الأضواء على تأصيل النّوع للقصّة الوجيزة والومضة، كما أنّها حقّقت ما طلبه الدّكتور عبدالله الشّاهر، وهو أن يكون ملتقى الأدب الوجيز السّاعي إلى إيجاد ملتقيات للأدب الوجيز في البلاد العربيّة.

فكانت مشاركة الأصدقاء في الملتقيات العربيّة بارزة في الأمسيّات، من خلال المشاركة نقدًا أو عرضًا لنتاجهم الأدبيّ أو عبر مداخلاتهم النقديّة التي أثرت النّقاش، ودعّمت الأسس التي بدأنا بوضعها لإيجاد حركة تجاوزيّة. ولن يتوقّف الأمر عند ذلك، بل إنّ مشاركة الهيئة الإداريّة الجديدة مستمرة مع ملتقيات الأدب الوجيز في الوطن العربي، وهي ستكون ضمن هذه المنظومة.

ونحن نمدّ لكم الأيدي لتكونوا معنا في هذا العمل البناء، لنحقّق ما نبتغيه، فالحاجة ضروريّة لوجود أدب وجيز، نستطيع من خلاله الانطلاق من الماضي وتجاوز ما فيه من السّائد، على أن نحقّق سيروة المجتمع وصيرورته، ولن يتوقّف العمل في مسيرتنا لأنّها مسيرة تنشد إرساء عمل فكريّ بأبعاده المتقدّمة، ولاّنها مسيرة منهج فكريّ، وليست مسيرة أشخاص تنتهي برحيلهم، ونحن بذلك نكمل ما أراده أمين الذيب، فالعمل جَماعيّ تكامليّ.

ونشكر لكم ثقتكم بقدرات الهيئة الإداريّة الجديدة لملتقى الأدب الوجيز التي تسعى إلى تحقيق التّعاون المثمر معكم، وأنتم معنا في الخندق نفسه والمسؤولية تقع عليكم وعلينا وعلى من  رافقنا من الملتقيات في الوطن العربي لمتابعة ما بدأناه مع مؤسس ملتقى الأدب الوجيز.

 

* أستاذة في الجامعة اللبنانيّة ورئيسة ملتقى الأدب الوجيز.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى