أولى

كلمات لا بدّ منها في الملف الحكوميّ

– بعيداً عن التموضع على ضفاف الخلاف في المسار الحكوميّ والأسباب التي يسوقها كل فريق للدفاع عن موقفه، فإن الأكيد أن الخسائر المترتّبة على بقاء البلد من دون حكومة أكبر بكثير من أية مكاسب يمكن أن يجنيها أي طرف من تشبثه بما يعتقده حقوقاً أو مطالب أو شروطاً، يسوقها كمصلحة عامة. وبالمقابل فإنّ أية تنازلات يتمّ تقديمها لتسهيل ولادة الحكومة هي أقلّ بكثير من الخسائر التي سترتّب على الانهيار الذي يؤكد الجميع إدراكه أنه بات وشيكاً.

– الواضح أن المسار الحكومي الذي ورث تعقيدات عن مرحلة عمرها شهور، كانت الظروف المحيطة بلبنان مختلفة عما هي اليوم، مطالَبٌ بالتحرّر من هذه الموروثات التي لم تعد إلا قيوداً تتحكم بمواقف الأطراف رغم فقدانها أية قيمة عملية. فالمناخات التي تتجه نحوها المنطقة تسقط أي معنى للحديث عن سعي او قلق مما يسمّى الثلث الضامن أو المعطل، لأنه بات بلا قيمة لمن يحصل عليه وبلا خطر على مَن يخشاه. فالتسويات الجارية على قدم وساق ستجعل الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلتين استحقاقين جديين غير قابلين للتأجيل، والحكومة ستكون معنية بإدارة البلاد سنة على الأكثر لمنع الانهيار في مناخات محيطة لم يعد فيها مناخ التجاذب الذي كان سيحكمها وفقاً لمعطيات ما قبل شهور، سواء بما تشهده أو ستشهده كل من العلاقة السعودية الإيرانية أو العلاقة السورية السعودية.

– الواضح أيضاً أن المبادرة الفرنسيّة قد فقدت قدرتها على لعب دور وسيط قادر على ردم الفجوة بين الفرقاء المعنيين بالتشكيل، بعدما تورّطت في رهانات خاسرة، فتبنّت دعم الرئيس المكلف بداية، وسعت لردم الفجوة بينه وبين السعودية، ثم راهنت على منح السعودية ثمناً لذلك عبر السعي لإشراكها في المفاوضات حول الملف النووي الإيراني فخسرت مقبوليتها لدى الإيرانيين والأميركيين معاً، ثم لحساب أولوية العلاقة المصلحية لفرنسا مع السعودية على العلاقة بالرئيس المكلف انقلبت على الرئيس المكلف، بعدما بات معلوماً لدى الجميع حجم العقدة السعوديّة على هذا الصعيد، حتى بات التخفّف من عبء المبادرة الفرنسية أقرب ليكون مصلحة فرنسيّة عبرت عنها زيارة وزير خارجيتها جان إيف لودريان إلى لبنان.

– القضية الآن هي في حسابات لا يعرفها إلا الرئيس المكلف لجهة قدرته على تحمّل مسؤولية تشكيل حكومة، والسعي من خلالها لتذليل العقدة مع السعودية، وحفظ مكانته السياسيّة، أو تفضيله الانكفاء عن المشهد الحكوميّ تلافياً للتصعيد السعودي بوجهه، وهو انكفاء صعب حكماً، وفي حال اختيار الرئيس المكلف المضي قدماً بالمهمة، فيجب عليه إدراك أن معايير نجاح الحكومة الجديدة تبدأ من قدرته على فتح أبواب دمشق، وبعدما زال المانع السعوديّ، ويجب على الآخرين الإدراك أن كلفة إفشال واستبدال الرئيس المكلف بدفعه لترجيح كفة الاعتذار أعلى من عائدات دفعه للاعتذار وما يمكن توقعه من مكاسب السير بخيار تسمية سواه.

– الزمن لا يشتغل لصالح أيّ من فريقي التأليف إذا بقي الجمود سائداً، وما لمسه الرئيس المكلف من التبدل الفرنسي مؤشر لما ستتسع دائرته إن بقي الجمود، والرهان على الضفة المقابلة المعنيّة مباشرة بالتأليف، على الاستفادة من الوقوف في ضفة إقليميّة رابحة تحتاج وقتاً لتسييل أرباحها، قد تسبقه خسائر الانهيار الزاحف بسرعة لا ترحم ولا تنتظر.

– على هذه القواعد يفترض أن تضع القوى التي تملك تأثيراً وازناً، وتأثيراً على فريقي التأليف، أن تضع ثقلها لترجيح كفة تشكيل الحكومة الجديدة مع الرئيس المكلف، وتسريع وتيرتها بابتكار مخارج مناسبة للعقد المتبقية تحفظ ماء وجه الجميع، على طريقة رابح رابح، وهذا الأمر ليس مستحيلاً عليهم.

التعليق السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق