أولىكتّاب البناء

ليس للكولونيل مَنْ يُكاتبه

 سعادة مصطفى أرشيد _

قبيل الحرب على غزة، وفيما تهبّ القدس وكلّ فلسطين متحدية الاحتلال، وموحّدة الشعب الفلسطيني، اشتكى عضو في لجنة فتح المركزية لقناة فلسطين الفضائية الرسمية، أن ليس للرئيس أبو مازن مَن يهاتفه – كما في رواية غابريال غارسيا ماركيز الشهيرة: ليس للكولونيل مَن يكاتبه – لا من القادة العرب ولا من الأجانب، وفي ظني أنّ المشتكي يعرف أنّ السبب هو أنّ السلطة وملحقاتها لم تكن لها مشاركة حقيقية في الاشتباك مع الاحتلال ومستوطنيه في القدس، أسوة بفصائل أخرى وتجمعات شعوبية نشأت حديثاً، قادت إلى صناعتها حالة الفراغ السياسيّ والإداريّ الناجم عن إحجام كلّ من عمان ورام الله عن ممارسة ما أوكل إليهم من دور ومسؤولية.

أثناء الحرب على غزة كما قبلها، فقد تحرّك العالم بأسره بصورة أسرع من حركة السلطة، ولم تكن ردة فعلها بحجم الحدث، فبدت مرتبكة، متلعثمة، لا تستطيع أن تقف صراحة بموقف الداعم للمقاومة، وأوكلت مهمة التساوق مع المزاج الشعبيّ لبعض أعضاء لجنة فتح المركزية، من الذين لا مواقع رسميّة لهم في صفوف السلطة، وهي لا تريد أن تغادر مربع التفاوض والرهان على واشنطن وملاحقها الدوليين والإقليميين، ولا تريد التوقف عن تنفيذ التزاماتها تجاه (الإسرائيلي)، لكنها لا تستطيع في المقابل أن تكون ضدّ المقاومة التي يحتضنها شعب مسلّح بالوعي والحماسة، أخذت بوادره تكبر بتسارع خلال هبة القدس، وتواصلت احتراماً وإجلالاً لصواريخ المقاومة، التي وصلت حيث يجب أن تصل وحققت ما يجب أن تحقق، وأثبتت جدّيتها ودقتها لا عبثيّتها التي كان يروّج لها البعض من المفلسين الذين لم يغضبهم حصار غزة وقتل أهلها تجويعاً وحرمانهم من أبسط شروط ومستلزمات الحياة لأكثر من عقد ونصف، ولم تستثرهم الصواريخ والمقاومة، وإنما انطلقوا أثناء الحرب لإبداء تعاطفهم تجاه ذوي الشهداء وأصحاب البيوت المهدّمة، ومحمّلين المقاومة مسؤوليّة وتبعات ذلك، فيما يبدي ذوو الشهداء وأصحاب تلك البيوت في غزة استعدادهم لتقديم المزيد.

بهذا فإنّ الحرب التي حشرت ثلثي المجتمع المعادي حبيس الملاجئ، هي مَن جعل للرئيس مَن يهاتفه، وكانت باكورة المكالمات الهاتفية اتصال الرئيس الأميركي بايدن بأبي مازن أكثر من مرة، وسرعان ما لحق باتصاله سيل من الاتصالات من ملحقاته وتوابعه الدولية والإقليمية، وأعقب ذلك موسم زيارات لرام الله استهله وزير الخارجية الأميركي ثم الانجليزي وغيرهم، وجميعهم لا يريدون للمقاومة أن تبدو بمظهر المنتصر، ولذاك يزوّدون السلطة المتهالكة بعناصر قوة ودعم ومنها أن تكون شريكاً في الإشراف على إعادة إعمار غزة، وكان من أهمّ الزائرين وزير المخابرات المصري الذي جاء ممثلاً للرئيس السيسي والدعم الإقليمي والدولي.

حرب سيف القدس مثلت نافذة الفرج لمصر عبد الفتاح السيسي، الذي شككت الإدارة الديمقراطية بشرعيّته في السابق، ومصر التي تعاني من تضاؤل دورها العربي والأفريقي، تعود إلى واجهة الأحداث من البوابة الفلسطينية، وإحدى عينيها على الدور (الإسرائيلي) في إثيوبيا، وما يمكن أن تحصده من نتائج أو ما تجريه من مقايضات مقابل جهودها، وعينها الثانية على غزة التي أثبتت أنها لاعب من الدرجة الأولى لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، وهي وإن بدت معنية بإرضاء المصريين لضرورات الجغرافيا، إلا أنها معنية أكثر بالحفاظ على ما حققته الحرب من نتائج.

إنها عودة الروح للسلطة الفلسطينية بعد طول انتظار للخروج من مربع الإهمال وتعزيز حضورها في المحور الذي طالما تجاهلها، والعودة للتفاوض الذي يمثل لديها طريقاً أوحد، وعقيدة راسخة في عقلها السياسي. من هنا بدء عمل رام الله على مسارين متلازمين، الأول يتعلق بالعودة للتفاوض على ما تبقى، خاصة أنّ الحديث الأميركي عن حلّ الدولتين قد عاد للتداول من جديد، علماً أنّ العين الفاحصة تدرك أن التهويد ومصادرة الأرض والاستيطان لم يبقوا متسعاً للدولة الثانية، والمسار الثاني هو في العودة إلى الحديث عن الوحدة الوطنية والاجتماع في ديوانية الأمناء العامين، حيث يتمّ تبادل المجاملات، ثم تشكيل حكومة مشتركة مقبولة دولياً (ملتزمة بشروط الرباعية) تكون المشرفة على صرف الأموال المرصودة لإعادة إعمار ما دمّره العدوان.

تقابل ما تقدّم عقبتان:

الأولى: أنّ العودة للتفاوض أمر صعب وبعيد الاحتمال، وذلك بسبب عدم وجود حكومة في (إسرائيل) حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وليس أمام تشكيل سلطة تنفيذية – حكومة إلا أحد احتمالين، الأول أن يفشل التحالف المضاد لنتنياهو في اللحظة الأخيرة في تشكيل حكومة، أيّ قبل فجر اليوم الخميس، وهذا يعني استمرار نتنياهو في رئاسة حكومة تصريف أعمال إلى حين إجراء انتخابات خامسة من المبكر تقدير نتائجها والتي لن تكون قبل نهاية العام الحالي، ويتخلل هذه الفترة قلق بالغ من إقدام نتنياهو على مغامرة شمشونيّة مع إيران (نظرية علي وعلى أعدائي)، وهذا إنْ حصل فلن تقتصر مخاطره على مسائل تشكيل حكومة أو إجراء انتخابات، لتتعداها لأن تصبح مصدر قلق وخطر عالمي، والاحتمال الثاني هو أن تتشكل حكومة مناصفة من الثنائي يئير لبيد المتطرف جداً ونفتالي بينيت الأشد غلواً وتطرفاً برئاسة الأخير في نصفها الأول، ستكون الحكومة في هذه الحال من التطرّف بمكان يجعلنا نرى في نتنياهو رمزاً للاعتدال بالقياس لخلفائه، وخلاصة القول إن لا أحد في (إسرائيل) جاهز للدخول في مفاوضات.

الثانية: إنّ الانتصار الذي تحقق، جعل من المقاومة ترى أنها لم تعُد تحتاج للالتزام بشروط الرباعية لدخول الساحة الدولية، فقد دخلتها عنوة عن الجميع ومن بوابة شقتها صواريخها التي كانت أكثر جدوى من الانبطاح أمام تلك الشروط وأصدق إنباء في فرض إرادة المقاومة وخدمة برنامجها. الأوروبيون ومساعد الأمين العام للأمم المتحدة هم من يهرع للقاء المقاومة – نيابة عن الولايات المتحدة التي لا زالت تدرجها في قوائم الإرهاب -، لذلك ترى المقاومة أن على الرباعية أن تغير من شروطها بما يجعلها أقرب إلى المقاومة، في المقلب الآخر، في رام الله التي استردّت شيئاً من عافيتها، إذ ترى المقاومة أنها عصية على التغيير فيما غيّرت الحرب من قواعد الاشتباك، وفرضت معادلات جديدة، وهي – السلطة – لا تريد أن تتخلى عن عقيدتها التفاوضيّة، ولم تجد ما تقدّمه إلا طرح فكرة الحكومة المشتركة، الأمر الذي تجاوزته المقاومة، وترى بعض أطراف المقاومة أنّ الذهاب إلى لقاء الفصائل في القاهرة، لن يكون إلا مجاملة للمصريين، وأن ترتيب البيت الفلسطيني يحتاج إلى ما هو أكثر جدية، وأنّ نجاح التجربة في هبّة القدس وحرب غزة، قد يدفعها لتعميم التجربة في الضفة الغربية، وقد تكون هي المدخل لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

*سياسي فلسطيني مقيم في جنين – فلسطين المحتلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق