أولى

أهلاً بحكومة «التحدي والأمل» في لبنان الحبيب…

 د. جمال زهران*

بعد 13 شهراً من تقديم د. حسان دياب (رئيس الحكومة السابق)، لاستقالة حكومته وتوليها تصريف الأعمال طيلة هذه المدة، تشكلت أخيراً حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي، في 10 أيلول/ سبتمبر، بعد إقرارها في قصر الرئاسة في بعبدا وتوقيع العماد ميشال عون (رئيس الجمهورية).

وقد ولدت هذه الحكومة بعد مشاورات كبيرة، على رغم الشكوك في إمكانية ولادتها أصلاً، إلا أنّ الأطراف الفاعلة كانت لديها إرادة سياسية ضخمة في ميلاد حكومة جديدة، بينما الأطراف الخارجية المؤثرة، كانت لا تريد ذلك، حتى يظلّ لبنان في فوضى مستمرة، وخارج السيطرة، بل ويظلّ شعبه في طريقه إلى الفقر المدقع والانهيار الكامل، والإذلال المؤكد بحسب تقدير هؤلاء! والضغط في اتجاه إضعاف المقاومة!

وقد نلاحظ أنّ جهوداً كبيرة، قد بذلت على كافة الأصعدة الداخلية، هذه المرة لتشكيل الحكومة، حيث لم تعد الأمور تتحمّل الاستمرار على هذا النحو المتردّي أكثر من ذلك، وبات الجميع مهدداً، خصوصاً الطبقة السياسية المتحكمة في القرار على كافة المستويات (الرئاسة ـ البرلمان ـ الحكومة ـ الأحزاب).

لذلك تسابق الجميع على بذل الجهد في سبيل تشكيل الحكومة، من أجل إنقاذ لبنان، شعباً ودولة، بعد أن تدهورت الأوضاع الاقتصادية التي طاولت الجميع بلا استثناء.

وعلى الرغم من التحفظات والانتقادات، قد يكون بعضها إيجابياً هدفه الصالح العام لدولة لبنان وشعبه، وقد أوافق على بعضها، وفي المقابل قد يكون بعضها الآخر، سلبياً، وهدفه ليس الصالح العام، بل التعمّد في إعاقة المسيرة توافقاً مع أجندات خارجية، سعودية كانت أم أميركية أم صهيونية أم أوروبية، وأنا أرفض ذلك تماماً، إلا أنني لا أملك ترفاً في نقد الحكومة قبل أن تعمل، من ناحية، ومحاولة إحباطها من البداية، وهو ما حدث مع حكومة حسان دياب منذ بداية عملها، بل أنني أقبل هذه الحكومة من حيث المبدأ، ونشجّعها على العمل، ونقدّم لها النصائح. ولعلّ العقلاء يقولون بوضوح، إنّ حكومة رسمية وشرعية وحقيقية هي الأفضل من اللاحكومة، أو حكومة تصريف الأعمال! كما أنّ حكومة تحظى بتوافق كبير بين جميع التيارات السياسية الرئيسية في لبنان، وتحظى بغالبية كبيرة في البرلمان، وأعدّت بياناً للحكومة حظي بحوار حكومي رئيسي، حتى خرج في صورته النهائية، وتمّت الموافقة عليه بالإجماع من كافة أعضاء الحكومة، وتمّت إحالته إلى البرلمان الذي اجتمع أمس في هيئته العامة ومنح الثقة للحكومة بغالبية كبيرة.

ولذلك فإنني أقول وبكلّ ثقة، أهلاً بهذه الحكومة الجديدة في لبنان. فهذه الحكومة، هي حكومة الإنقاذ الحقيقي للدولة اللبنانية وشعبها. كما أنها حكومة مواجهة التحديات، وإشاعة مناخ الأمل في عودة لبنان وشعبه مرة أخرى إلى سيرتهما الأولى. فالبداية هي وقف التدهور العام على كافة الأصعدة، الاقتصادية والاجتماعية، على وجه الخصوص، ثم استعادة الثقة لدى المواطنين في دولتهم وحكومتهم وبرلمانهم مرة أخرى، ثم عودة الحياة الطبيعية للشعب اللبناني. كما كانت من قبل، ثم استعادة ثقة الشعوب العربية في لبنان باعتباره «واحة الحرية والديمقراطية» في الوطن العربي، على رغم كلّ الانتقادات الموجهة للتركيبة السياسية والنظام السياسي اللبناني. فيكفي أنّ كلّ مواطن عربي يستطيع أن يقول ما يريد بحرية كاملة على الأرض اللبنانية، كما أنّ الدولة اللبنانية الرسمية والشعبية لا ترفض استقبال أيّ مواطن عربي، وقد قلت ذلك في حضور الرئيس اللبناني، ورئيس الحكومة د. حسان دياب، وغيره من الرموز اللبنانية الكبيرة، أخيراً، ومن قبل أيضاً. حيث كنت في زيارة في منتصف حزيران/ يونيو الماضي، وكان هدف كلمتي في كلّ اللقاءات حث الجميع على بذل الجهود لإنقاذ لبنان وضرورة الإسراع بتشكيل الحكومة، لاستعادة لبنان، «لبنانياً وعربياً».

وعلى الجانب الآخر، فإنّ البيئة السياسية الإقليمية والدولية، تدعم الحكومة الجديدة، ودورها. فقد كان للعقوبات الأميركية ضدّ سورية (قانون القيصر)، وتطبيقه على لبنان، ومحاصرة لبنان بصورة سلبية، الأثر الكبير الذي دفع حزب الله إلى تحدي هذه العقوبات نتيجة الإحباط الذي كانت وراءه أميركا وإداراتها المختلفة، وسارت في طريقه، إدارة بايدن الحالية.

وأعلن حزب الله عن استيراد المحروقات من إيران بناقلات مباشرة، كاسراً بذلك الحصار الأميركي على إيران وعلى كل من سورية ولبنان. ووصل التحدّي إلى إعلان حزب الله أنّ أيّ اعتداء على أيّ ناقلة بترول إيرانية آتية إلى لبنان، هو اعتداء على أرض لبنانية، سيقود حلف أميركا والكيان الصهيوني وعملاءهم، إلى حرب حقيقية.

فماذا كانت النتيجة؟! تراجع أميركي- صهيوني، والقبول بالأمر الواقع في عدم التعرّض للناقلات الإيرانية، والمبادرة بفك الحصار على اتفاق نقل الفيول العراقي إلى لبنان، وتفعيل اتفاق نقل الغاز المصري عبر الأردن وسورية إلى لبنان! وهذا هو الواقع الجديد الذي يصاحب وجود الحكومة الجديدة، والذي يسهم في نجاح دورها في مواجهة التحديات وإشاعة الأمل لدى الشعب اللبناني، فضلاً عن ضرورات التوجه شرقاً.

فالأمل كبير في إنقاذ لبنان، دولة وشعباً، في ظلّ حكومة جديدة برئاسة ميقاتي ودعم رئاسي من بعبدا (الرئيس ميشال عون)، وفي ظلّ معادلات إقليمية ودولية جديدة، وتفاعلات على كافة المستويات غير مسبوقة. وأرى أنّ لبنان الآن، ثم سورية في الآتي، سيكون كالفتاة الجميلة في عمر الزهور يتسابق الخُطّاب على طلب رضاها وموافقتها. عاش لبنان حُرّاً أبياً، وعاشت سورية قلب العروبة النابض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العالمي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى