أخيرة

نافذة ضوء

الأغبياء ينتظرون العون من أعدائهم
ويرفضون عون من يريد بهم خيرا

‭}‬ يوسف المسمار*
من الوهم الكبير أن ننتظر من الذين استلبوا معارفنا النافعة، وعلومنا المبتكرة، ومفاهيمنا الراقية، وروائعنا الحضارية أن يأتونا بما ينفعنا ويعلّمنا ويحسّن حياتنا، لأن المغتصِب لا يجود على المغتصَب منه الا بما يجعله أضعف ليطيل أمد اغتصابه. وأن المجرم لا يتكارم على الضحية الا بالمزيد من الإذلال والتحقير، وأكبر مكرمات المجرم أن يدفن ضحاياه أحياءً، أو يستأصل عيونَهم وأكبادَهم وقلوبَهم ويبيعها لمن يدفع بها أكثر.
الإسلام الصحيح انتشر من سورية وليس من العربة
من المؤسف أيضاً وأيضاً أن يفاخر أبناؤنا وبناتنا في بلاد الشام والرافدين بالعروبة التي أتتهم من الصحراء بكل أصناف وأنواع الغزو وقتل الرجال واغتصاب النساء ونهب الغنائم، وأن يتغنّوا بالإسلام الذي حمله إليهم غزاة الجاهلية الذين نكروا النبي محمد حيّاً وكفروا برسالته واستهانوا بتعاليمه وآذوه وطاردوا ونكّلوا بأتباعه ومن ثم تآمروا عليه وقتلوه مسموماً ومن بعد ذلك تاجروا برسالته واستخدموا تعاليم قرآنه ومنهج سنته في غزواتهم التي سمّوها فتوحات ليشبعوا نهمهم بالسلب والنهب والقتل وفظائع الممارسات، وجهلوا وما زالوا يجهلون أن النبي العظيم محمد هو والسيد المسيح من أرومة كنعانيّة سورية واحدة، وأن أجداده وآباءه وأجداد أجداده هم سوريون هُجّروا من سورية في عهد مظالم الرومان الذين احتلوا بلادهم في ذلك الحين، وفظّعوا بأبناء شعبهم، فهاجروا وحملوا الى الصحراء معهم عبقرياتهم ومفاهيمهم ومعارفهم ومظاهر حضارتهم وإلههم «الله» العلي القدير الذي مجّدوه وعبدوه في سورية منذ زمن بعيد يعود الى بداية التاريخ الجلي، ولم يعرفوا أن كلمة «الله» ليست كلمة صحراوية توصل اليها غزاة وهمجيو البوادي الرحّل المجرمون، بل هي كلمة سورية قديمة جداً تعود الى ما قبل عهود بابل ونينوى وتعني «الخالق لكل ما في الوجود، والقادر على كل شيء، والرحمان الرحيم، وما خلقَ الناس ليتحكّم ويستبدّ بعضهم ببعض، وأن إليه ترجع جميع أمور العالم، وهو وحده رب العالمين الذي لا يشاركه في ألوهته أحد»، ولم يُدركوا أن والد النبي كان اسمه عبد الله وليس عبد الشيطان. وعبارة عبد الله تعني عابد الله وممجّد الله وحامد الله بوعيه وتمام إدراكه وليس عابد البشر بالإكراه، وعابد الشجر والحجر بالخرافة.
وعبّاد الله هم المخلصون الصادقون من أتباع السيد المسيح الذي جاء الى الناس بالنور والمحبة ولم يكن النبيّ محمد إلا على طريق الهُدى والرحمة ومكارم الأخلاق نفسها. وما وضع رسم الصدّيقة القديسة السيدة مريم العذراء تحضن ابنها الطفل يسوع في الكعبة الا الدليل الواضح على أن أجداد النبي السوريين هم الذين حملوها الى هناك.
الإسلام المزيَّف أعرابي وليس سورياً
وما تدمير الكعبة بعد رحيل النبي الكريم وإزالة ذلك الرسم الذي أبقى عليه الرسول يوم تحطيم الأصنام والأوثان إلا البرهان الساطع أن الأعراب الذين وصفهم القرآن المجيد بأنهم «أشد كفراً ونفاقاً» قد تنكّروا لرسالة النبيّ وعادوا الى جاهليتهم المقيتة التي كانت تنتقص من حقوق الغير وتستبيح قتله. كما كانت تنتقص من حقوق الأنثى وتحلل وأد المولودة وهي على قيد الحياة، ولذلك فليس من الغريب وليس من المستهجن أن نجدهم اليوم يستبيحون محرّمات السوريين ويحللون قتلهم، واقتلاع شجرهم، وتخريب مقامات فلاسفتهم وعباقرتهم ومبدعيهم، ويذبحون رجال دينهم من المسيحيين والمحمديين، ويفظّعون بنسائهم ويتلذذون بتدمير بيوتهم ومدارسهم ومعابدهم وكنائسهم ومساجدهم ومعالم حضارتهم وآثار مدنيتهم وهم الذين فتكوا بأرحامهم قبل أن يفتكوا بأرحام الآخرين.
وأكثر من ذلك فإننا نجرأ ونقول: لو فهم الأعراب رسالة الإسلام على حقيقتها، ووجدوا فيها خلاصهم وسعادتهم، وآمنوا بها حق الإيمان وأخلصوا لها بجدٍ وصدق لالتفوا حول النبي محمد في حياته، ولما قابلوه بالعداء الكريه ولكانت حياتهم انقلبت رأساً على عقب وتميّزت بأجمل قيم المحبة والرحمة والإخاء. ولكن تكاثرهم بعد رحيل النبي كان طمعاً بالمغانم، وشهوة باغتصاب النساء، وعبادة بالمال والجنس.
وهذه الأمور لا تزال سارية المفعول تُمارس بأشنع وأبشع ما تكون الممارسة حتى أيامنا هذه، وبأسوأ ما يمكن أن يتصورها عقل سليم.
دولة النبي مدنيّة وليست دينيّة
ومن يتعمق في تاريخ الدول التي قامت بعد رحيل النبي عن هذا العالم يجد الفرق العظيم بين دولة العدل التي أنشأها النبي في المدينة والتي فصلت بين الدين والدولة وعبّرت عنها الآية القرآنية العظيمة «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىوَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»، وبين الدول التي نشأت بعد رحيل النبي ابتداء من دولة الخلفاء التي بدأت برفع سيوف جاهلية الأعراب القرشيين الذين حاربوا النبي في وجه الأنصار الذين نصروه، الى مملكة بني أمية، الى دولة الخلافة العباسية، الى دولة سلاطين العثمانيين السلجوقية الانكشارية التي لم تسمح خلال هيمنتها لمدة اربعمئة عام بوصول أي عالم عربي أو غير عربي، سوري أو مصري أو مغربي الى سدة السلطنة. وكأن رسالة الإسلام أتى بها سلاطين بني عثمان الى العالمين وليس النبي محمَّد صاحب الخُلُق الكريم. وكأن النبيّ محمّد كانت مهمته تسهيل الأمور وتعبيد الطريق ليصل السلجوقيون العثمانيون بهمجيتهم الى الحكم والتصرف برقاب الناس كما يشتهون. وكأن دين الإسلام ما نشأ ولم يقم ولم يهدف الا لبناء دولة تخدم مشلولي العقل، ومعاقي الفكر، وممروضي النفوس والقلوب والمشاعر.
وحتى اليوم نجد الكثيرين من المضللين من أبناء شعبنا يدافعون عن العثمانيين أكثر من دفاعهم عن تعاليم الإسلام، بل كأن العثمانيين هم من أتى بتعاليم البر والإحسان. أولئك العثمانيون الذين دمّروا المدارس واستهانوا بفاتحة القرآن الكريم التي تقول: «اقرأ. اقرأ باسم ربكَ الذي خلق. خلق الإنسان من علق. أقرأ وربك الأكرم الذي علَّم بالقلم. علَّم الإنسان ما لم يعلم».
فما هي القراءة وما هو معناها إذا ابتعدت عن العلم والتعلّم والتعمّق في المعرفة؟ وماذا يبقى من الرسالة الإسلامية وتعاليمها إذا تنكرت للعلم والمعرفة؟ وهل غير العودة الى ظلمات الجاهلية يمكن أن يتوقع الناس من قتل العلماء وتدمير المدارس وتصفية من يريدون القراءة والكتابة والعلم والمعرفة؟
ونجد أيضاً في بلادنا من الأغبياء الحمقى المرضى مَن يدافع عن الوهابيين التكفيريين الذي خرّبوا البلاد ودمّروا العباد كأنهم هم بالذات الذين أتوا بتعاليم الصلاح، وهم حملة تعاليم الخير والمعروف ومكارم الأخلاق، وكأنهم المثال البليغ للتقوى التي ترضي الله.
وهذا ما يدل دلالة واضحة ولا يترك مجالاً لأي شك من أن معظم الذين يسمون أنفسهم مسلمين بعد النبي لم يكونوا بالفعل مسلمين صادقين، بل كانوا منافقين يميلون حيث تميل الرياح، فيستأسدون على الضعفاء والمساكين، ويخنعون تحت نعال الأقوياء الظالمين، ويتصرّفون تصرّف اللصوص الحقيرين.
وهكذا استمرت الحال حتى ظهرت واستُصنعت دويلات سايكس – بيكو السايكسبيكوية التي أنشأها الإنكليز والفرنسيون بمعاهدة سايكس الإنكليزي وبيكو الفرنسي.
إنه الانحدار الهائل الذي لم يتوقف يوماً منذ دولة النبي الكريم محمَّد حتى دولة داعش التي أتحفت العالم بمنجزاتها في بث الفتن واستفراغ الإشاعات الكاذبة، وأعمال الدمار، ووحشية القتل، وهمجية الاغتصاب، وفظائع الفواحش وكل هذه المنكرات من الجرائم تجري بالتكبير علناً وباسم الله ورسوله والإسلام والفرائض المقدّسة، وكل ذلك لإرضاء الصهيو- أميركيين الذين لم يشهد التاريخ لهم فضيلة.

*باحث وشاعر قومي مقيم في البرازيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى