مقالات وآراء

ماكرون: «أمير الريح على عرش في مملكة الفراغ»

 

‭}‬ ميرنا لحود
في العاشر من الشهر الحالي، كانت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو لافتة من ناحية الشكل والمضمون. وأظهرت الزيارة لمن لا يتقن مبادئ السياسة أنَّها أولاً بأول هي مرتكزة على الاحترام وحسن اختيار الألفاظ والتعابير في كافة المسائل خاصةً الحساسة جداً، خلافاً لما يحصل اليوم مع قادة العولمة والمُلقبين بقادة «الغباوة الجديدة» (les Néocons ) فهم يفتقدون إلى المبادئ وقدرة التفكير والتحكم بالأفكار وثقافتهم مقتصرة على الكلام النابي والشتم ولغة الاحتقار والعنف والتحريض. هذه هي ثقافة المفلس سياسياً وأخلاقياً لأن لا حجة ولا علم له ولا تبيين لديه.
كان استقبال الرئيس الأسد في موسكو استقبالاً مَهيباً ومُذهلاً للغاية. عرض عسكري في أعلى المستويات يعكس من جهةٍ حجم الدولة المستضيفة ومن جهةٍ أخرى حجم ومكانة الرئيس المُستضاف. علاوة على التصريحات واللقاءات الصحافية التي يُبنى عليها في التحليلات والدراسات والقرارات. كلّ شيء مدروس والملفات متقَنة والحوارات عالية المستوى في الشكل والمضمون وتعكس ثقافة صلبة في التعاطي من قبل الرئيسين بوتين والأسد مع الأمور والظروف العالمية والمتغيّرات الطارئة والمستحدثة.
في المقابل ومقارنةً بزيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى موسكو في 7 شباط من عام 2022، نلاحظ تماماً اختلاف الوضع. ومن باب التذكير: قبل ذهاب الرئيس الفرنسي إلى موسكو أطلق تصريحات ضدّ الرئيس بوتين ومن ثم طلب مقابلة الأخير كما لو أنَّ الفرنسي يريد تلقين بوتين درساً. نعم ولكن درساً في أيّ مجال؟ في السياسة أم في الاقتصاد أم في العسكر واتخاذ القرارات أم في الأخلاق؟ وننوّه أيضاً بأنَّ أميركا ومعها الغرب الخاضع لها أشعلا الحرب في أوكرانيا ضدّ بوتين. لقد ورّطت أميركا أوروبا بالحرب وفرنسا هي بالمطلق تنصاع للأوامر الأميركية. كما أنَّ الإعلام الفرنسي لا يُظهر غير ما يتوافق مع سياسة ماكرون. فيوم موعد الزيارة إلى روسيا تهافتت القنوات الفرنسية للتغطية والبث المباشر وعند نزول ماكرون من مدرج الطائرة بدأت الكاميرات تنخفض تدريجياً ومعها وتيرة الصراخ الفرنسي لأنَّ المشهد كان كافياً لإظهار الأحجام والتفاوت في السياسة والثقافة.
ما لم يُظهره الإعلام هو اللحظات الأولى وهي معبّرة لنتائج الزيارة وتلخص تفاهة السياسيين الغربيين في شخصية ماكرون. بغضّ النظر عن هوية الذين استقبلوا ماكرون على مدرج الطائرة، كان واضحاً أنَّهم غير معروفين: لا سياسيين ولا عسكريين. بضع خطوات في غياب السَّجاد الأحمر لرئيس دولة مثل فرنسا واختفى الجميع عن شاشة الكاميرا ودخلوا مبنى المطار. لم يظْهر لتلك الزيارة إلاَّ بعض الصور للرئيسين بوتين وماكرون حول طاولة طويلة والمسافة بين الرجلين كانت أكثر من لافتة. وعند التصريحات أمام الصحافة كان بوتين إما بانتظار ماكرون منتظماً في مكانه استعداداً للتصريح وإمّا يتقدّم الرئيس الفرنسي دائماً بأمتار. المشهد بحدّ ذاته أمثولة في قمة الإحراج. نحن أمام عالمين مختلفين: أحدهما جديدٌ متحدّرٌ من عالم المال سطحي وتافه ومتوتر الأعصاب وآخرُ تقليدي وحذر ومتنبّه يُجيد قراءة التاريخ والأعراف ويتقن التبريرات المستخدمة لأطروحة الأكاذيب. اعتقد الرئيس الفرنسي أنَّ لغة التهديد والتوعّد قد تخدمه كأنّه يغرّد عبر تويتر وتتفاعل مع تعليقاته منظومة من الجهلاء مواكبة لصفحته، ما يجعله يشعر بقدرة فائقة في التأثير، آخذةً به إلى درجة الغرور اللامحدود حتى الجنون وعدم الاتزان.
زيارة ماكرون إلى أميركا
بعد تدهور شعبية ماكرون في الداخل، همّ بزيارة إلى أميركا آملاً برفع رصيده المتدهور في استطلاعات الرأي العام. إن سياسة التبعية لفرنسا أدّت بالبلد إلى مأزقٍ في كافة المجالات. والحقيقة هي: إفلاسٌ كبيٌر لعدد من الشركات المتوسطة الحجم والصغيرة والبطالة تزداد وتتسع لكن الحكومة تعمد إلى إجراءات لا للتخفيف من حجم البطالة إنما لشطب الأسماء التي لا تقبل بما يُفرض عليها. وبذلك تختبئ الحكومة وراء أرقام لا تتطابق مع الواقع. وعكست زيارة ماكرون إلى أميركا بأنَّه يعيش على كوكب آخرَ. الشعب في وادٍ وماكرون تحت الأضواء البراقة التي لا معنى لها لا بل هي إهانة بالنسبة للفرنسيين. وخير تعليق مباشرةً كان لأحد الصحافيين على الزيارة «هذه الزيارة لن تنفع الشعب الفرنسي بأيّ شيء، واستقبال بايدن لصديقه ماكرون لا يعود بشيء مهم بالنسبة إلينا فهي زيارة لترميم صورته التي أصابتها وشوهتها الأزمات المتراكمة داخلياً وخارجياً. ماكرون أميرُ الريح على عرش في مملكة الفراغ».
زيارة ماكرون إلى أفريقيا
وُصفت زيارة ماكرون إلى أفريقيا بالكارثية والعار والإفلاس السياسي لفرنسا في حقبة ماكرون. في مقابلة، قال المسؤول السابق للمخابرات الخارجية الفرنسية (آلان جوييه) «بأنّ ماكرون لا يمتلك لا سياسة ولا استراتيجية ولا رؤية. يتعامل مع السياسة بأسلوب غير مسبوق وغير معتاد. فيخرج بانتقادات للبنان من هنا ويوبخ الشعب الأفريقي من هناك وينتقد وجهاً لوجه رئيس دولة كما حصل في الكونغو مع الرئيس (فيليكس تشيسيكدي) والأسوأ في كلّ ذلك غياب الشعور بأدنى حرج. فرنسا الحالية فقدت دورها الريادي بدل أن تكون اليوم في الموقع الذي تلعبه الصين لترعى الاتفاقيات العالمية كالاتفاق السعودي الإيراني بتوقيع صيني. إنَّ «فرنسا ماكرون» تابعة للأطلسي والمؤسسات الأممية التي تحكم الغرب. كما أنَّ الرئيس لا يتحمّل الردّ على الإهانات التي يطلقها بحقّ هذا أو ذاك. نحن أمام مشكلة كبيرة».
كيف يعلق الأفارقة على السياسة الفرنسية؟
في الأحاديث عن الأسباب التي أدّت إلى خروج الفرنسيين من عدد كبير من البلدان الأفريقية، يعلّق أحد الصحافيين الفرنسيين بأنَّ فرنسا لم تخطئ في أفريقيا وتحديداً في رواندا حيث تُتهم بأنَّها متواطئة لا بل متسبّبة في الحرب والجرائم. وشدّد الصحافي بأنَّ السبب الرئيسي الذي أنتج الأذى والسمعة السيئة هم (المنظمات غير الحكومية) الـ NGO الفرنسية الفاعلة في المنطقة وخاصة في تلك الفترة. لكن بالنسبة للأفارقة الصورة مختلفة. يصّرح الجميع بأنَّ السياسة الفرنسية في أفريقيا أفسدت المجتمع الأفريقي. وعلى سبيل المثال: فرنسا وشركاتها ومن بينها توتال، لا تعمل لمصلحة الجميع. فرنسا تضع يدها على المشاريع من خلال اللوبي أو عبر طريقة اللوبي ولا توفر فرص عمل وتجمع أموالاً طائلة وحيث تحلّ يتفشى الفساد والتطرف والعنف وتنفجر أحياناً كثيرة مشاكل خطيرة وفرنسا تدعم مجموعات أو حكومات أو رؤساء مثل بول كاغامي الذي يدعم مجموعات إرهابية مثل M23 كما هو الحال على الحدود مع الكونغو ويسرقون المناجم ويبيعون المواد المهمة والتي تُستخدم في الصناعات الفرنسية مثل Cobalt. هذا نموذج من السياسة الفرنسية في أفريقيا مقارنةً مع الشركات الروسية أو الصينية المستثمرة في المنطقة.
كيف تُباع فرنسا؟
أما في الداخل الفرنسي فشوارع العاصمة تشهد تظاهرات فجائية أكثر فأكثر خاصة بعد التعديل الذي فُرض من قبل الحكومة وبالقوة على مشروع التقاعد. ومشروع التقاعد لا يُحسّن ولا يساعد إلاَّ أصحاب ماكرون لأنَّ BlackRock طلبت «سوق التقاعد». ولكي تتضح الصورة في فهم السياسة الفرنسية لا بدّ من فهم تركيبة المنظومة السياسية. إنَّ الإدارة العليا في فرنسا مؤلفة تقريباً من ألف شخص في المناصب العليا في إدارات الدولة. وتتشكل تلك المنظومة من ثلاث شبكات لمدارس عليا وهي شبكة مدرسة ENA وشبكة مدرسةPolytechnique X les Mines وشبكة مدرسة Polytechnique Les Ponts. هذه المدارس هي الطريق للوصول إلى المنصب بغضّ النظر عن الكفاءة والذكاء أو القدرة الذهنية. الصراع الضمني بين تلك المدارس يدور حول الاستحواذ على القطاعات المهمة مثل المرافئ والمطارات والشركات الضخمة والحساسة كالكهرباء أو شركة السكك الحديدية وغيرها. ويُعرف عن مدراء الإدارات العليا أنَّ لا ولاء لهم ولا لونَ سياسياً لهم فهم من حزب جمع الأموال ولا يهمّ إنْ كان على حساب الدولة أو الفقراء. اللعبة واضحة في ما بينهم، لا ملفات فضائح ضدّ أيّ شخص والجميع لديه ما يعيّب عليه. إنَّ الجميع ينتمي إلى الحزب نفسه وهو بناء الثروة الخاصة ويحقّ لهم ما لا يحقّ لغيرهم حتى ولو أخفقوا وهم كذلك، لا بل يكافأون على أخطائهم بمناصب أخرى أحياناً أكثر أهميةً. هكذا تُعامَل بما يُسمّى «نخبة الدولة»… إنَّ تضارب المصالح لا يزعج هؤلاء لأنه بالنسبة لهم براعة وهذه هي ثقافهم. هذه الثقافة هي سائدة منذ عهد الرئيس فرنسوا ميتران وبدأت بالتدهور والفجور إلى أن أصبحت في فترة ماكرون لا تُحتمل.
مثال على بعض الشركات التي ذهبت من أيدي الدولة بفضل النخبة المُنظمة للبيع والمسهلة لخروج الشركات المعروفة عالمياً والناجحة. وعملية البيع يقابلها مبالغ من المال:
Arcelor من أولى الشركات العالمية في الفولاذ،
Alstom في طليعة الشركات في مجال الطاقة،
Technip من أولى الشركات في مجال الغاز والنفط،
Lafarge الأولى في التُربة،
Alcatel شركة ذهبت إلى Nokia .
وحصل كلّ من تولَّى مهمة البيع لتلك الشركات مبالغ مرتفعة جداً وما عُرف لبعض الصفقات هو ما بين 12 مليون يورو إلى أكثر من 15 مليون يورو للصفقة الواحدة وللمدير الواحد.
«خيانة فرنسا رخيصة»…
هذا ما قاله أحد المسؤولين
جمعت سياسة ماكرون كلّ ما كان ممنوعاً وغير مقبولٍ. فإنّ الشبهات والاتهامات لأعضاء في الحكومة عديدة. كانت الحكومات سابقاً تُبعِد فوراً الأشخاص المتورّطة بأيّ ملف قضائي وتتخذ الإجراءات السريعة بالإقالة. أما اليوم فالوضع هو على الشكل التالي:
11 ملفاً قضائياً تحمل إدانات قضائية لأعضاء من الحزب الحاكم؛ من بينها اعتداء أحد الأشخاص على زوجته وآخر صدر بحقه حكم بالتحرش الجنسي؛
8 ملفات اتهامات وأحد الملفات يتعلق بسكرتير الإليزيه وملف آخر يتعلق بوزير العدل؛
12 ملفاً في تحقيقات قيد البحث ومن بين الملفات ملف يتعلق بوزير العمل؛
13 إدانة لشخص واحدٍ تتراوح من احتيال ضريبي إلى عمل وهمي إلى تمويل غير مشروع وتضارب مصالح وخلل في مصاريف الحملة الانتخابية وهو المستشار السياسي لماكرون.
وأصدرت محكمة الدرجة الأولى حكماً بحق أحد الأشخاص بالسجن ثلاث سنوات من بينها سنة غير قابلة للاستئناف وسنتين لا يحق له خلالهما بأي وظيفة في الدولة.
هذه هي النخبة اليوم، ونقرأ في بعض الكتب: بأنَّ قوة النخبة تكمن في طريقة الضغط واللوبي ولا في الاستراتيجية للعمل. والنتائج أكبر دليل على ذلك. وتمتلك النخبة براعة مذهلة في إعطاء صورة بأنهم متمكنون بكافة المواضيع في الوقت أنَّ الحقيقة عكس ذلك تماماً.
لا تنافس بل توافق: نموذج نافذ
سجلت شركة CGM أرباحاً بقيمة 23 مليار يورو خلال العام 2022، علماً بأنَّ الشركة كانت على حافة الإفلاس في العام 2019. وأكدت الشركة أنَّ الأموال المتبقية بعد المدفوعات ستبقى في خزينتها. هذه الشركة تجني ولا تنتج. لا تخلق فرص عملٍ ولا تعمل لتحسين المرافئ أو البنى التحتية ولا شيء آخرَ مقارنة بالمرافئ المجاورة والتي هي أقلّ حجماً. حصلت الشركة على إدارة المجال بشكل حصري وتتعامل مع الشركات التي هي من انتقائها. علاوةً على رواتب المدراء من «النخب». معظمهم تصل أجورهم إلى مليون يورو في السنة وبعضهم يتخطى المليون.
أرباح شركة توتال وصلت إلى 20 مليار يورو خلال عام 2022. وتوتال تنوي الاستثمار في أفريقيا تحديداً في أنغولا في مشروع قيمته 20 مليار يورو. وكذلك في أوغندا وتنزانيا ولذا اصطحب ماكرون في زيارته لأفريقيا مسؤولاً من شركة توتال. ولكن من يحاسب توتال على جدول أعمالها سواء كان في أفريقيا أم في شرق المتوسط؟ من يعرف العقود التي تُوقَّع مع شركة توتال؟ من يعرف حجم الأرباح لشركة توتال في المنطقة؟ ما هو جدول أعمالها؟ هل تحترم ما اتّفق عليه؟ هل تحترم الفترات الزمنية؟ من يحاسبها؟ وهذه الأسئلة طُرِحت من الشعوب الأفريقية التي تعاملت مع توتال لكن دون إجابة. لماذا الشركات الصينية والروسية الموقعة مع أفريقيا تعطي الأجوبة فوراً وبشفافية…؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى