أولى

أيهما يتقدّم: صفقة التبادل أم العدوان على رفح؟

‭}‬ العميد د. أمين محمد حطيط*

في معرض عرض عضلاته ادّعى نتنياهو بأنه واثق من تحقيق “النصر المطلق” وان خطوة واحدة تفصله عنه هي اجتياح رفح وتفكيك ما زعم وجوده فيها من قوى لحركة حماس يقدّرها بـ 4 إلى 6 كتائب. اعتبر أنّ تفكيكها شرط لتحقيق ما يزعمه من نصر. لكن نتنياهو الذي يحلم بهذه النتائج هو في الحقيقة منفصل عن الواقع لأكثر من سبب، أهمها أنه في حربه قبل رفح لم يحقق شيئاً يمكن تصنيفه بأنه نصر أو شبه نصر حتى يُضيف أو يبني عليه ما سيحصده في رفح فضلاً عن انّ العوائق التي تعترض “إسرائيل” في تنفيذ العدوان على رفح ليست من الطبيعة السهل تلافيها أو تجاوزها.
فـ رفح ومنطقتها التي لا تتجاوز الـ 35 كلم2 أيّ 1/10 من مساحة القطاع، تجمع فيها أكثر من مليون و300 ألف فلسطيني، أيّ أكثر من نصف سكان القطاع، وبات وجودهم يشكل عائقاً هاماً امام أي عمل عسكري، اذ ان وجودهم يُعقد العملية العسكرية البرية ويتسبّب بكارثة إنسانية ستوصف حتماً بأنها عملية إبادة جماعية مقصودة ومخططة. وهذا ما تخشى أميركا حدوثه وتتوجّس خيفة من تحميلها المسؤولية عنه، لأنها هي من يحتضن “إسرائيل” ويوفر لها كلّ أسباب الاستمرار في ميدان الحرب والعدوان ويمدّها بالأموال والأسلحة والذخائر الفتاكة التي تنتج هذه الإبادة. يضاف الى ذلك ان الجيش الإسرائيلي المحبط معنوياً بسبب الهزائم والإخفاق والمثخن بالجراح ميدانياً لن يكون حاله في رفح بأفضل مما كان عليه قبلها في القطاع، حيث كان الفشل والخسران حليفه فيه، ولم يفلح إلا في القتل والتدمير وارتكاب الجرائم أما القتال فقد كان الفشل فيه مؤكداً. كما أننا لا نهمل الموقف المصري الرافض لعمليات إسرائيلية تحدث ضغطاً عسكرياً في رفح بشكل قد يتسبّب بنزوح الكثير من الفلسطينيين الى سيناء.
لكن نتنياهو رغم كلّ ما تقدّم بقيَ مصراً على تنفيذ اجتياح رفح رابطاً مصير الحرب ونتائجها كلها بمصير هذا الاجتياح، ولذلك أفشل نتنياهو كلّ المساعي التي بذلتها الرباعية الدولية (أميركا، فرنسا، مصر وقطر) وأجهض كلّ محاولات الوصول الى صفقة تبادل الأسرى التي تتضمّن فتح الطريق لإنهاء الحرب وعودة الفلسطينيين الى مناطقهم في القطاع وبخاصة شماله. وانّ أميركا كما يبدو لم تثنه عن العملية كما رشح من الاتصال الهاتفي الأخير بينه وبين بايدن بل جلّ ما قامت به أيّ أميركا هو الوصول الى تفاهم مع نتنياهو حول تنفيذ هذه العملية ضمن شروط وقيود تحدّدها وتراها أميركا مناسبة للتفلت من مخاطر الإبادة الجماعية وتفتح الطريق أمام تسوية للأسرى ومن ثم إنهاء الحرب.
وكما تمّ التسريب غير المؤكد او المعلن من أيّ طرف فإنّ التفاهم الأميركي الإسرائيلي يهدف الى الضغط على المقاومة لتتنازل من جهة ويرضى من جهة أخرى نتنياهو لجهة تنفيذ ما وعد به بشأن رفح، أما مضمون التفاهم فإنّه يتمثل كما يبدو بثلاثة أمور الأول حصر العمليات العسكرية بالمحاور الرئيسية في منطقة رفح والثاني خفض مستوى التدمير والقتل المستهدَف للمدنيين قدر الإمكان، أما الثالث فيتضمّن إنهاء العملية في 5 أسابيع كحدّ أقصى بحيث لا تتجاوز الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو المقبل.
في مواجهة هذا الوضع بادرت مصر إلى عرض صفقة تبادل تتوخى منها قطع الطريق على تنفيذ الاجتياح والتمهيد لعودة النازحين الى مناطقهم ومن ثم إنهاء الحرب. وتلقت المقاومة الفلسطينية العرض هذا وتعاملت معه بمرونة وإيجابية راجحة، لكن نتنياهو ومع أقلية في فريقه الحاكم لم يبد أيّ مرونة حيال العرض، رغم أنّ الأغلبية في الحكومة والكابينت أيدته وطالبت بعقد صفقة التبادل باعتبارها الحلّ الوحيد لاستعادة الأسرى. ويبدو انّ نتنياهو مُصرّ على الرفض ومتمسك بخيار العدوان وفقاً للتفاهم مع الأميركيين حول رفح، في موقف يؤمل منه ان يطيل أمد الحرب ويؤخر المحاسبة التي تحضّر له وتنتظره مع المسؤولين عن الإخفاق والهزيمة وهي محاسبة باتت مؤكدة في الداخل وتلتقي مع التحضيرات الخارجية لإصدار مذكرات توقيف دولية يتوقع أن تسطرها المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين الإسرائيليين الأساسيين الثلاثة في الحرب أي نتنياهو رئيس الحكومة وغالنت وزير الحرب وهاليفي رئيس الأركان لارتكابهم جرائم الإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وبناء على ما تقدّم نرى انّ التزاحم بات قائماً بين مسارين، مسار الحرب على رفح ومسار التسوية التي تقطع طريق الحرب او تؤجّلها عبر عقد صفقة التبادل وفقا للمبادرة التي عرضتها مصر. ويبدو انّ أميركا تدعم هذه المبادرة دون ان يصل هذا الدعم الى حدّ الضغط على “إسرائيل” لقبولها لا بل نجد أميركا تميل الى الضغط على الفلسطينيين ليتنازلوا عن حقوقهم، في الوقت الذي تعطي نتنياهو فيه الأموال والمساعدات بسخاء منقطع النظير ما يعني انها ليست في وارد تسهيل العمل بالتسوية – الصفقة رغم ما تدّعيه. يبقى أن نشير الى تطور طفيف في الموقف الأميركي هنا عبر اتصال بايدن بنتنياهو حيث استعمل للمرة الأولى فيه عبارة “العمل على وقف فوري لإطلاق النار” ما يطرح السؤال عن جدية الموقف أم هو للخداع أيضاً؟
وعلى أيّ حال وفي ظلّ غياب الضغط الأميركي الفعلي على نتنياهو ومع وجود التفاهم الأميركي الإسرائيلي حول رفح نرى أنّ الذهاب الى ميدان رفح هو الأرجح كما يبدو حتى ولو تأخر ذلك بعض الوقت، وأنّ العدوان الإسرائيلي على رفح سينفذ بموافقة أميركية، وأنه سيكون ورقة الميدان الأخيرة التي تلعبها “إسرائيل” مع يقين القادة العسكريين فيها بأنّ هذه العملية لن تغيّر المشهد ولن تحقق من النتائج ما يحول دون المساءلة عن الهزائم والإخفاقات السابقة، هذا فضلاً عن كون العملية بذاتها محفوفة بالمخاطر ويحتمل وبشدة أن تفاقم الخسائر والهزائم الإسرائيلية السابقة.
وفي استنتاج إجمالي نقول إنّ نتنياهو قيّد نفسه عندما ربط النصر النهائي بالدخول الى رفح وتفكيك المقاومة فيها وهو أمر لن يكون سهلاً او يسيراً، ومع ذلك فإنّ عدم القيام به سيشكل إقراراً بالهزيمة النهائية. ومن جهة أخرى فإنّ تنفيذ الاجتياح سيتسبّب بخسائر مركبة وكبيرة تلحق بالجيش الإسرائيلي وتهدّد مصير الأسرى بيد المقاومة فضلاً عما ستحدثه من مذابح بحق الفلسطينيين المدنيين وتفاقم الموقف الدولي الذي يتعاظم ككرة الثلاج رفضاً للجرائم الإسرائيلية وما فيها من إبادة جماعية. وقد يفقد “إسرائيل” فرصة التطبيع الموعود مع السعودية أيضاً، الأمر الذي جعل نتنياهو الذي يريد الحرب على رفح كما قيّد نفسه، يخشى هذه الحرب كما يخشى تركها. وتبقى الكلمة الأخيرة فيها لأميركا التي تبقى لها كلمة الفصل والحسم. فبقرار منها تنفذ الصفقة وتقطع طريق الحرب على غزة او يحدث العكس مع ترجيحنا حتى الآن لاحتمال الاجتياح المحدود الذي حدّدت شروطه بالتفاهم الأميركي ـ “الإسرائيلي”، اجتياحاً نتوقع ان يراكم هزائم “إسرائيل” التي لن تجد فيه حلاً كما تتوخى وهو ما حذرها منه ضباط سابقون لديها أيضاً، وبعد الفشل ستضطر صاغرة للدخول في التسوية.

*أستاذ جامعي ـ خبير استراتيجي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى