اقتصاد

المشكلة في تأليف حكومة أم في خياراتها السياسية والاقتصادية؟

} حسن عباس*

يمرّ لبنان اليوم في أوقات مصيرية وصعبة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظلّ انقسامات سياسية وتحركات شعبية نتيجة ما وصلت اليه البلاد بسبب وصفات البنك الدولي التي أهملت القطاعات الإنتاجية، والدين بفوائد مرتفعة من أجل إنفاق الدولة على مشاريعها وتغطية رواتب القطاع العام، وفرض الضرائب على المواطنين التي أرهقت قدرتهم الشرائية، وخصخصة مرافقها الحيوية لصالح النافذين في السلطة، مضاف إليها تقاسم الحصص والهدر والفساد المفرط في جميع مفاصلها، تلك السياسات أدّت الى إضعاف قدرة الدولة على معالجة أصغر المشكلات عند الناس، الكهرباء والمياه والنفايات، وعدم احترام الأصول والقوانين

كلّ ذلك ادّى إلى اضعاف الثقة بها وفقدان هيبتها مما دفع الناس إلى التحرك في الشارع والتعبير عن غضبهم ومعاناتهم.

هذا الشارع الذي رفع مجموعة من المطالب المحقة والمشروعة، لكنه كان عاجزاً عن بلورة قيادة موحدة له وعاجزاً أيضاً عن تقديم بديل برنامجي علمي واقعي مستنداً على قراءة التجربة السابقة ليبني عليها البرنامج المطلوب للإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة التحديات الوطنية والسيادية، انْ كان على صعيد مواجهة العدو الصهيوني وتحرير ما تبقى من أراض لبنانية محتلة، أو على صعيد مواجهة الضغوط والاملاءات الأميركية والتحرّر من وصاية الولايات المتحدة، والانفتاح والتواصل مع الدولة الوطنية السورية ليتمّعبرها الحصول على تسهيلات لتصدير الإنتاج الوطني الزراعي والصناعي وتأمين عودة كريمة للأخوة من النازحين السوريين

 انّ عجز السلطة السياسية وفشلها في إدارة البلاد والفوضى التي تعمّ البلاد والضبابية عند الحراك في الشارع يضع لبنان في وضع صعب جداً، ويصبح الخطر معه أكبر، ويمكن للأعداء المتربّصين به ان يستغلوا هذا الوضع للتدخل في شؤون لبنان الداخلية لتنفيذ أجنداتهم الخاصة بهم.

من هنا يصبح السؤال ما العمل؟

بناء على ما تقدّم المطلوب هو قراءة واقعية تنطلق من مصلحة لبنان، والتبصّر والتفكير بما ينبغي فعله لإنقاذ الوطن.

انّ المشكلة ليست اسم رئيس الحكومة وعدد وزرائها، وإنما المشكلة في طبيعة وبرنامج عمل الحكومة الاقتصادي الاجتماعي وخياراتها السياسية الوطنية التي ستعتمدها، وبناء على ذلك يتمّ تحديد اسم الشخص المكلف وأسماء الوزراء في تشكيل الحكومة القادمة.

من هنا المطلوب اليوم برنامج حكومي تغييري يخرج البلاد من اتون السياسات الريعية ويتبنّى سياسات تنموية تدعم الإنتاج وتحقق العدالة الاجتماعية وتكون قادرة على مواجهة التحديات الضاغطة، وتنويع خيارات لبنان الاقتصادية بالتوجه شرقاً لحلّ مشكلاته المزمنة، الاقتصادية والخدماتية.

انّ البرنامج المطلوب اليوم هو برنامج يؤمّن البعد الوطني في حماية لبنان والحفاظ على عناصر القوة فيه التي تمكّنه من مواجهة العدو الصهيوني وتحرير ما تبقى من أراض لبنانية محتلة، وتأمين السيادة الوطنية على مقدرات لبنان المالية والنفطية.

 والمطلوب أيضاً تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية واجتماعية تعتمد على تعزيز القطاعات الإنتاجية ومكافحة الهدر والفساد والتخلي عن كلّ السياسات التي اعتمدتها الحكومات السابقة التي استمدّتها من وصفات البنك الدولي التي أوصلت البلاد إلى ما نحن عليه اليوم.

وكي لا تتكرّر التجارب السابقة بعد تشكيل الحكومة الجديدة على الناس ان تبقى حاضرة لمراقبة أداء الحكومة وسلوكها والمسائلة والمحاسبة مع كلّ عمل تقوم به. كما هو مطلوب من الحراك مغادرة عفويته وامتلاك الوعي والتنظيم والبرنامج البديل والتعبير عنه في صياغة كلّ شعاراته في الساحات واعتماد خطة عمل لإلزام الحكومة ترجمة المطالب الشعبية وعدم المماطلة في تنفيذها على أرض الواقع. إنّ الصراخ وقطع الطرق والشتائم والإعلام المفتوح لا يصنع تغييراً.

 فالذي يريد التغيير الحقيقي يجب ان يعمل لأن تكون انتفاضته صادقة ومخلصة للوطن وواعية ومنظمة تتجنّب الوقوع في شرك الاجندات الأميركية الغربية والقوى والأطراف التابعة لها في الداخل، وبالتالي الحؤول دون أن يتمّ استغلال معاناة الناس ومطالبهم المحقة في خدمة السياسات التي تريد أن يبقى لبنان مرتهناً للوصاية المالية الأميركية وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين ومؤتمر سيدر.

*رئيس نقابة العمال الزراعيين في لبنان

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق