مرويات قومية

عميد الرابطة التعليمية الجديدة الشاعر الرفيق يوسف عبد الصمد

عرفته طالباً في جامعة بيروت العربية في ستينات القرن الماضي في الفترة التي عرفت الأمين كمال الحلبي(1)، والرفقاء جوزيف سيبيليان(2)، يوسف المسمار، نبيه عبد الخالق(3) وغيرهم، وشاعراً يعتلي المنابر إلى جانب الشاعرين الأمين غسان مطر والرفيق الراحل خالد زهر، ثُمَّ عرفت عن انتقاله إلى نيويورك، الى ان التقيت بهِ بعدَ سنوات في مدينة أديلايد في أُستراليا، عندما كنت في زيارة إليها في فترة تولي مسؤولية عميد شؤون عبر الحدود. كنتُ عرفت أيضاً شقيقه الرفيق عارف موظفاً في بنك بيروت والبلاد العربية.

للرفيق الشاعر يوسف عبد الصمد أكثر من ديوان، وهو حالياً عميد «الرابطة القلمية الجديدة» في نيويورك، ومفوض مفوضية التراث العربي الاميركي في نيوجيرزي.

كنت قد نشرت عن الرفيق الشاعر يوسف عبد الصمد في أكثر من مناسبة، لمن يرغب بالاطلاع، الدخول إلى موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info .

مُنْذُ مُدّة؛ استلمت من الصديق الرفيق يوسف الكلمة القيّمة التي أنشرها، مع الشكر والتقدير.

ل. ن.

* * *

في مقهى «الكوستا» في بيروت الذي يقعُ على «شارع الحمرا»، لم تُضربُ لنا فيهِ نحنُ الشعراء خيّمةٌ من أدَمٍ (جلدٍ أحمر) كما كانتْ تُضرَبُ «لأبي أمامة الذبياني»، يدخلُها شعراءُ زمانه ليحتكموا إليهِ في شعرهم وشاعريَّتهم.

ففي «الكوستا» وسواهُ من ملاهي المدينة تُضرَبُ قببُ الدخانِ، دخانِ التبغِ والأحاديثِ ممزوجاً برائحة الوقت المحترقِ الضائع، ولأنّي أتحاشى تنشقَ أنفاسِ المدمنين اتخذتُ لنفسي طاولةً في الهواءِ الطلقِ ومعي الشاعر «طارق ناصر الدين» والشاعرة الشابة «عُلا خضارو» ووالدتها، ولطول معرفة «طارق» بالمجتمع البيروتي المتأدّب وشدَّة التصاقهِ بهِ، كادَ أن يكونَ له مقعدٌ أوْ حديثٌ على كل طاولةٍ من طاولات المقهى.

بدأ عُكاظُنا مستمتعين بسماعِ القصائد وإلقائِها، ثُمَّ باشرَ «طارقٌ» هجومَه التقليدي على شعراء قصيدة النثر، وعلى محرّري صفحاتِ الأدب في جرائد بيروت اليومية مؤكّداً المؤامرة الشرسة التي تُدبّر على القصيدة العمودية وعلى الشعر العربي من قِبَلهم.

إنَّ الأمتعَ من الاستماع إلى غَزَلياتِ «طارق» وإخوانياتِهِ، هو الاستمتاعُ بحديثهِ الحار عن طموحاتهِ الأدبية وعن المشاريع الورقيّة المدروسة التي أعدَّها كيْ يضمنَ بها خلودَنا كشعراء ويحفظَ شعرَنا من النسيان والتهلكة، وقد وجدتُ «طارقاً» في حديثهِ واعداً، أعذبَ منهُ في شعرهِ متوعدًا.

قلتُ لهُ: «ما دامَ هناكَ مبدعون مثلُكَ ومثلَ زملائكَ الشعراء، فاطمئنَّ على القصيدة العمودية فهي أقوى من أنْ تسقطَ بمجرَّد مؤامرة «.

ودَّعَتنا «عُلا» ووالدتها، وحضرَ فيصل عبدالكريم مكارم صديقُنا منضمّاً إلى جلستنا واستمرَّ الحديثُ عن الشعرِ وهمومهِ طويلاً، وحَدَثَ أن كانَ بجانبنا طاولةٌ عليها رجلٌ وامرأتان غاطستانِ في السواد، تأكلان وتشربان وتتحدثان، وتسترقانِ السمعَ من وراء الحجاب، فغضَضْنا الآذانَ والعيونَ عنهمْ، لكنهمْعلى ما يبدوكانوا يُصغونَ إلينا مستمتعينَ بحديثِ الشعرِ والشعراء، وبعدَ أن غادرَ «طارقٌ» المكان، فاجأني الرجلُ بسؤالٍ استبنتُ منهُ شدَّة رغبته بمجالستنا فرحَّبتُ بهِ وكانَ سعوديَّ الجنسيَّة، أسمعني بيتين من الشعر النبطي فاستحسنتُهما ثُمَّ عرّفته بنفسي وبصديقي وسألني بحرارة، بعضَ الأبيات ألقيها على مسامعِ زوجتهِ وابنتهِ قبلَ أن تذهبا وهما المحجَّبتان فقلتُ ما كنت قد قُلتهُ في الأميرة «لُبنى آل سعود الجُدَيع» زوجة صديقنا السفير عبد الرحمن الجُدَيع. قصدتُ أن ألقي هذهِ الأبيات بالذات لأنّها في الحجاب:

وأميرةٍ قِطَعُ الرياضِ حديثُها

عن طيبها تتحدَّثُ الاطيابُ

تتفتَّحُ الابصارُ عندَ سماعِها

لكأنَّ في فمِها الكلامَ كتابُ

وتسيرُ ربَّاتُ الحجالِ بظلِّها

فطلوعُها شمسٌ  وهنَّ ضبابُ

وإذا نضَتْ عنها الحجابَ تحضُّراً

فلها من الخُلُقِ الجميلِ حجابُ

صفَّقوا واقفين، ثُمَّ انصَرفَتْ الأُمُّ والابنةُ تاركتَيْن في نفسي انطباعاً جيّداً عن محبتهما للشعر، وأنضمَّ الرجلُ إلى طاولتنا وشملَ حديثُنا الطويلُ معه الكثيرَ من المواضيع.. والكثيرين من الناس، وسقطتْ بيننا حدودُ الجغرافيا فانضوينا تحتَ رايةِ الإبداع.

عادتْ السيدةُ وابنتُها بعدَ ساعتين فانضمَّتا إلى جمعتِنا وطرحتْ الأمُّ علينا من وراء الحجابِ أسئلةً دلَّتْ على عمقِ ثقافتِها وحبّها للمعرفة، أما الآنسة فعادتْ للشعرِ وطلبِ سماعهِ، فانشدتُهم القصيدة تلوَ الاخرى من شعري ومن شعر سواي، قالتْ معلّقةً على غناء القصائدِ من قبل المغنين: «المُغني يُظهر غنائية القصيدة وقد يُخفي الشعرَ الذي فيها أما إذا ألقاها الشاعرُ نفسُه فتأتي شعراً صرفاً وهذا ما أودُّ سماعَه».

أثنيتُ على فكرتها واستمررتُ أُنشدُهم، وكنتُ أحسُّ وأنا أقرأُ القصائدَ الغَزليَّةَ الصوفية، والعاريةَ الكاسية، بمدى وقعها وفعلِها في نفوسِ سامعيها الذين رقُّوا ودقُّوا فأصبحَ الشعرُ عندهم الملَكَ المطاع، وأحسستُ أننا بالرُغمِ من تهيّبنا وجمودِنا في أمكنِتنا قد سقطتْ بيننا المسافات، وطارتْ بنا السجَّادةُ السحريَّةُ، سجادةُ الشعر، إلى الأمكنة النائية، وطاولتنا التي على الرصيفِ انفصلتْ عنه والتصقتْ بجلد الأثيرِ متعاليةً على ذَهبِ الأرضِ وأوشالها، وقدْ آنست الآنسة الشابة في الشعرِ شجاعةً وفي القصيدةِ حريَّةً رفعتْا عنها غطاءَها إلى درجة أنها استأذنتْ أباها ومزَّقتْ عن وجهِها الخمارَ وعن فمها زاحت اللثامَ أمامَنا بُجرأةٍ نادرةٍ لمْ يسبقْ لها مثيل! لا لترينا حسنّها بلْ لترفعَ عن عينيها الغشاوات كأوَّلِ انتفاضةٍ فتاتيَّةٍ بوجهِ الحجابِ وفتاوى الحجابِ من دولةِ المطاوعين.

إنَّ إيقاعاتِ القوافي والأوزان مع عذوبةَ الكلماتِ استطاعتْ بسحرها أن تكسرَ البابَ الموصدَ على النهارِ المسجونِ في داخلِ الفتاة الحيَّية.

لقد أمتعني وهزَّني ما رأيتُ، وشَعرْتُ أنَّ القصيدةَ تستطيعُ أن تصلَ إلى الخدور وتُخرجَ النساءَ من زنزانات العتمة المضروبة عليهنَّ في بعضِ مجتمعاتنا العربية الغارقة إلى حدّ أُذنَيْها في السكتسيفرانيا والتعقيد.

القصيدة هي التي ستحرّر الانثى من طاعةِ الذكرِ المستبد.

برؤيتي لهذا المنظر حضَرني ما كانتْ قد كتبتْهُ لي صديقتي النائية، غادة الأطرش، وما ترجمتُهُ:

«كلماتُكَ رفَعَتْ الغِطاء عن عَيْني وساعدتْني على اكتشافِ نفسي، على اكتشافِ أعمقِ حزءٍ مني أنا.. الجُزءِ الذي اكتشفتَ أنتَ فيَّ…»

وحضَرتني الآيةُ الكريمة:

« لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنكَ غِطاءَك فبصرُك اليوم حديد».

فكَّرتُ في صديقي «طارقٍ» الذي قد يكون في هذه الدقائق بالذات في مقهىً آخرَ يدافعُ مستميتاً عن القصيدة العمودية، هاجياً شعراء النثر وحاملًا على مُحرّري صفحاتِ الأدب وهو لا يعلم هناك.. ما فعلته القصيدة هنا.

وإذا كانَ من مؤامرة علينا وعلى القصيدة، نكون نحن الشعراء على رأس المُتآمرين إذا لم نستطعْ أنْ نعطيَها من الإبداع ما تستحقُّه ونرفعَ الغشاوةَ عن العيون الغافلة عن رؤيةِ الجمال الموجود حولَنا في كُلّ شيء .

ووجدتُ أنَّ أقوى دفاعٍ عن القصيدة..

هو ان نكتبَ القصيدةَ الجميلة..

وأنْ نكتبَ أجملَ الشعرِ.. في دفاعنا عن الشعر.

فكرتُ بمجلة «شعر» وبكل الذين كتبوا فيها، وأنا لا اقدرُ أن أتصوَّر الثقافةَ العربيةَ خارجَ شعراءِ قصيدةِ النثر الذين إنْ لم يكونوا قدْ خضُّوا مستنقعاتِ الجمودِ الشعري في عصرِنا، فإنهم بدون أدنى شكّ تركوا بصماتِهم الواضحةَ على أدبنا العربي الحديثِ، ولهم أتباعُهم وقرّاؤهم المنتشرون في كلّ أصقاع الدنيا.

وفكَّرتُ في الساهرين على الصفحاتِ الأدبية في جرائدنا اليومية ومجلّاتنا، ووددتُ لو أستطيعُ أن أقبّلَ أجفانَهم وألثمَ رؤوسَ أقلامِهم الساهرة في النهار قبلَ الليل لتخرجَ لنا الصفحاتِ التي أعدُّها في صحافةِ اليوم: «زنابقَ الحقلِ في الهشيمِ»، وهُمْ لا يمنعوننا أبداً عن كتابة قصائدنا العصماء.

القصيدة العمودية بأُصولها وضوابطها لا تقبل الغشَّ، والدهر لا يرحم ولا يظلم، فالذي يستحق البقاء يبقى والذي يستحق الزوال يزول.

ويُعبّر الاستاذُ السعودي الضيفُ عن مشاعره ومشاعر زوجه وابنته بقوله:

«أن هذهِ الجلسة الممتعة لا يمكن أن تُـشرى بمالٍ أوْ بأي ثَمنٍ من الأثمان، ولا يُمكن أن تحصل إلّا في بيروت.. وفقط في بيروت».

ذهبَ كلّ في طريقهِ، وذهبت أنا إلى بيتي لاُكلّمَ «طارق» وأُخبره بما فعلتهُ القصيدة.

ثماني ساعاتٍ في «الكوستا» مضينَ سراعًا وكأنَّهُنَّ دقائقُ في «عكاظ».

وذهبتُ لأنام مطمئنَ الفؤادِ بأن القصيدةَ التي «نردّدُها ألفَ دورٍ وتبقى جديدة»..

هي آخرُ ما سيسقطُ في كوكبنا..

وبأن الشعرَ الجميلَ هوَ آخرُ ما سيموت.

هوامش:

1 – كمال الحلبي: من بلدة «ينطا». كان من اوائل اعضاء مكتب الطلبة، شقته في شارع الحمراء كانت مركزاً للحلقات الاذاعية والاجتماعات الحزبية. يتمتع بسوية متقدمة من المناقب القومية الاجتماعية.

2 – جوزيف سيبيليان: رفيق مثقف تخرج من الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية في آن معاً. رجل اعمال ناجح. كنت على علاقة جيدة به، قبل ان يغادر الى احدى البلدان العربية. يتمتع بسوية عقائدية جيدة.

3 – نبيه عبد الخالق: من «مجدلبعنا» عرفته مديراً لمديرية جامعة بيروت العربية قبل ان يغادر الى واشنطن مستقراً فيها. يتمتع بسوية مناقبية جيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى