آراء ودراساتكتاب بناء

لا حكومة حتى إشعار آخر والبدائل معدومة…

‭}‬ علي بدر الدين
لم يكن مفاجئاً أن ينتهي طوفان القوى السياسية التي سمّت حسان دياب لرئاسة الحكومة بجفاف والتصحّر والتخلي عنه في انقلاب أبيض مباغت لكن بالضربة القاضية، ووضعه أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الاعتذار وقد أدّى قسطه للعلى، أو مواصلة الدوران حول نفسه في حلقة مفرغة إلا من حلم رئاسة الحكومة.
وبدا المشهد الحكومي والسياسي واضحاً تماماً لا التباس فيه، وهو أنّ الكتل السياسية والنيابية التي كلفت دياب أبطلت وكالتها التي أعطتها له وسحبت البساط من تحت قدميه، وغسلت أياديها من تكليفه ولكلّ فريق أسبابه، ومصالحه واتجاهاته، على صعيد الخارج، أو بسبب ما تشهده المنطقة من تطوّر في إطار الصراع الإقليمي والدولي في محاولة منهم لتكبير الحجر، علماً أنّ القوى السياسية من حكام البلد على مدى 30 سنة هي التي وضعت لبنان على كفّ المجهول، وفي مهبّ الانهيار الكلي.
الموعد الذي حدّده الرئيس المكلف للتشكيل، كاد أن ينفذ ولم ينجح بعد في إزالة العقبات أو حلّ العقد وما أكثرها، خاصة انّ القوى السياسية «تبدع» في اختلاقها، وعلى العكس تماماً كلما تقدّم خطوة تراجع خطوات، وكلما نجح في حلّ عقدة تكاثرت أمامه، وكلما لمعت بارقة أمل أنه بات على حافة التشكيل انطفأت أمامه في لحظة غير محسوبة عنده، ومخطط لها عند الذين لا يريدون التشكيل، إما لغياب من يريدون أن يكونوا خارجها، أو لأنّ البعض يريد تضخيم حصته والفوز بها سمّوه زوراً بالحقائب السيادية، أو في مسعى تكون الحكومة أداة طيّعة تلتزم تنفيذ الأوامر والتوجيهات.
غير أنّ ما تمّ تخطيطه والتحضير له لم يجر كما يشتهي هؤلاء، لأنّ مقوّمات تشكيل الحكومة انعدمت نهائياً، أقله في المدى المنظور، وقد يتأجّل التشكيل إلى إشعار آخر، وبالتأكيد كما هو متداول لن يكون دياب هو رئيسها، لأنّ كلّ الطرق والأبواب والنوافذ سدّت أمامه، وهو ما يجب أن يدركه قبل فوات الأوان ليحفظ ماء وجهه، والاعتذار عن التكليف والتوقف عن التنقيب والتفتيش عن وسائل جديدة غير معتمدة سابقاً لإقناع المعترضين والقدامى والجدد والذين أعلنوها صراحة وبالفم الملآن انهم لن يشاركوا في الحكومة، وقد أعلنت كتل «المستقبل» و»الجمهورية القوية»، و»اللقاء الديمقراطي» و»الكتائب» رفضها منذ البداية المشاركة في الحكومة، وهي أصلاً لم تسمّه في التكليف، وانضمّت إليهم كتلتا «لبنان القوي» و»التحرير والتنمية»، وحدها كتلة «الوفاء والمقاومة» لم تصرّح بموقفها سراً أو علناً، والملاحظ أنّ الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله لم يتطرق إلى الوضع الحكومي أبداً، ويبدو أنها لم تيأس بعد وتعطي فرصة إضافية لعلّ وعسى.
هذا الفائض من الكتل النيابية وخلفها مرجعياتها السياسية والحزبية تعتقد أنها كافية لدفع حسان دياب إلى الانسحاب من الحلبة الحكومية وبهدوء، والرسائل التي وصلته واضحة وصريحة ولا تحتمل التأويل، ولعله سأل نفسه وراجع حساباته، بعد هذا التخلي عنه من الأقربين والأبعدين، وإنْ كان يفصل بينهم التوقيت فقط، لأنّ النية كانت موجودة لعرقلة التأليف وليس استهدافاً شخصياً له، بل لظروف استثنائية داخلية وخارجية ومذهبية وطائفية، تتحكّم بمصائر اللبنانيين، وبمصير أيّ استحقاق وطني ودستوري، وهذا يعني لو أنّ الرئيس المكلف شكل حكومة وهذا أمر صعب ومن سابع المستحيلات في هذه الظروف، لكن حكومته لن تحصل على الثقة في الجلسة النيابية وسيقع في حرج يُحسب عليه وليس له.
ويسجل للرئيس المكلف جرأته وإصراره على تشكيل حكومة من التكنوقراط والاختصاصيين في تعارض واضح لمعايير ومفاهيم الطبقة السياسية، التي لا تعترف ولا تقرّ أو تشكل إلا حكومات من صناعتها، وعلى شاكلتها، تحمي مصالحها وتضمن حصصها مع أنها تطلق عليها أسماء حكومات وطنية ووحدوية وإنقاذية وسيادية.
إنّ تشكيل حكومة غير تقليدية مع انها قد تكون مطلوبة من البعض في هذه المرحلة، فإنها حكماً مرفوضة من البعض الآخر وتحديداً من الطبقة السياسية التي لا همّ عندها سوى مصالحها وحصصها واستمرار نفوذها وتسلطها، حتى لو اشتدّت عاصفة إفلاس البلد وانهياره وجاع اللبنانيون وضاعت مدّخرات عمرهم في تواطؤ مريب بين الطبقة السياسية ومصرف لبنان والمصارف ومن بعدها الطوفان.
ربما أخطأ دياب باللعب مع هذه الطبقة وهو يدرك وله تجربة حكومية أنها شرسة، وقد قالت كلمتها وأخذت قرارها الإطاحة بأيّ حكومة لن تكون على شاكلتها أو هي من يشكلها. ومهما حاولتَ وتماديتَ ووسّعتَ من دائرة مروحتك السياسية لن تحصل على ودّها، فكفى عناداً ومكابرة وهدراً للوقت، فلن يفسحوا أمامك الطريق الى السراي الحكومي، وما عليك سوى ان تترك لهم الساحة، وهم لم يعتبروا بأنّ لكلّ ظالم نهاية ولن يطول الحساب والعقاب وانّ الله يمهل ولا يهمل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق