آراء ودراساتكتاب بناء

اعرف عدوّك (2)

} وجدي المصري

 «على السوريين القوميين أن يدفعوا هذه الهجرة (اليهودية) بكلّ قوتهم»، لأنهّا «هجرة خطرة لا يمكــن ان تهضم»، ولأنهّا هجرة شعب ذي عقائد غريبة جامدة وأهدافه تتضارب مع حقيقة الأمة السورية وحقوقها وسيادتها».

سعاده (بتصرف)

 

أن يكون سعاده المفكّر الأوحد الذي لفت نظر أبناء الأمة السورية الى خطر الهجرة اليهودية الحديثة إلى فلسطين، فهذا ممّا لا شك فيه، خاصة أنّه حدّد مكامن الخطر مؤكّدا» أنّها تطال «حقّنا وأرضنا وديننا»، ليصل إلى قناعة ثابتة بأنّ اليهود هم عدو أمتنا الأوحد، لأنّ خطرهم يتجاوز حقّنا بالأرض التي احتلوها إلى الدين الذي يُعتبر وجدان الشعب الذي يتجاوز حدود المكان والزمان.

وتأكيده هذا يتماهى مع قوله: «كلّنا مسلمون لربّ العالمين، منّا من أسلم بالإنجيل، ومنّا من أسلم بالقرآن، ومنّا من أسلم بالحكمة»، لأنه أستثنى اليهودية من أن تكون أحد الأديان التوحيدية التي تشكل مخزون أمتنا الروحي. فهل كان سعاده بهذا الاستثناء، وبهذا التأكيد على وصف اليهود بالعدو الأوحد، عنصرياً؟ وهل كان يفتقر الى الثقافة الإجتماعية التي منعته من التمييز بين اليهودية والصهيونية؟ أم أنّ وعيه المجتمعي، وفهمه العميق لحقيقة هذه المجموعة البشرية الفريدة من نوعها بعقائدها الغريبة الجامدة، ميّزاه عن غيره إذ أنّه لم يعتبر هذه الديانة بأنها تشكّل عنصراً من نسيج المجتمع السوري المميّز من جهة، وبأنه الوحيد الذي جلا حقيقة تضارب أهداف هذه الديانة مع حقيقة الأمة السورية وحقوقها وسيادتها؟

دون أدنى شكّ قارب سعاده هذه المسألة إنطلاقاً من مفهوم قومي يستند الى نظرياته في علم الاجتماع، وهو كعالم إجتماع مميّز لا يمكن ان نتهمه بالعنصرية لأنه لم يميّز بين اليهودية والصهيونية. بل يجب أن نقدّر له هذا التحديد الدقيق للمفاهيم الإجتماعية التي على أساسها أسّس نظريته حول القومية والأمة، وانطلاقاً من هذا التحديد استطاع أن يحدّد أيضاً أعداء الأمة. صحيح أنه ركّز على أنّ اليهود هم أعداء الأمة على جميع الصعد، ولكن هذا لا يعني أبداً أنهم العدو الأوحد بالمطلق، لأنّه عندما أكد أنّ أجزاء من أرض أمتنا ما زالت محتلة من الأتراك، وطلب منّا أن لا ننساها، فهذا يعني أنّه وضعهم داخل مفهوم العداء القومي لحين استرجاع الأرض. وهذا العداء يختلف كلياً عن عدائنا لليهود، لأنّ عداءنا هذا كما قلت يستند الى الحق القومي الذي يثبت ملكية الأرض وسيادة أمتنا عليها، بينما عداؤنا لليهود يخضع الى جانب الحق القومي، إلى مبدأ الخلاف الأيديولوجي الروحي الديني من جهة، وإلى مضمون المبدأ الأساسي الرابع الذي يقول بأنّ «الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي». وقبل أن يتجرّأ أحد من المتفذلكين على القول بأنّ اليهود هم أحد أنسجة الأمة السورية وهم بالتالي جزء من وحدتها، بادر سعاده إلى شرح هذا المبدأ مؤكّداً بأنّ هذا المبدأ لا يُمكن أن يؤوّل ليجعل «اليهودي مساوياً في الحقوق والمطالب للسوري، وداخلاً في معنى الأمة السورية». واعتبر أنّ المزيج السوري تشكّل من عناصر وهجرات كبيرة متجانسة باستثناء الهجرة اليهودية لأنّها «خليط متنافر خطر وله عقائد غريبة وجامدة تتضارب مع حقيقة الأمة السورية وحقوقها وسيادتها». وهذا الكلام لم يُطلقه سعاده إلا بعد بحث تاريخي واجتماعي وديني مستفيض ثبّت لديه هذه القناعة. ففي المقال الأول ركّزت على الأساطير التوراتية التي لا يزال اليهود يستغلّونها بخبث لإقناع المؤمنين في العالم بأنّ ما ورد فيها إنما هو أوامر الله التي يجب أن تُنفّذ. من هنا يركّز اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة على إقناع الرؤساء بأنّهم بدعمهم لـ «إسرائيل» فإنما هم يحققون وعد «الله»، لإبراهيم وذريّته والذي يقضي بمنحهم الأرض الممتدة ما بين النيل والفرات. وهذا اللوبي تجاوز المعقول مع الرئيس الأميركي الحالي فأقنعه بأنّه المسيح المنتظر، والذي خلال تجسّده سيحقق رغبة «الله» بقيام مملكة «إسرائيل» التي سيلجأ إليها حتما» كلّ يهود العالم. ومن هذا المنطلق قام ترامب أولاً بإعلان القدس عاصمة أبدية لدولة الإحتلال، ثم أعلن ضمّ الجولان الى هذه الدولة، وأتحفنا قبل نهاية ولايته الأولى بإعلانه عن «صفقة القرن» التي قرّر من خلالها تجاوز كلّ قرارات الأمم المتحدة وحصر قواعد اللعبة بيده ويد النتن ياهو، منطلقاً فيها من مفاهيمه التجارية المادية اللاأخلاقية، وهو ما جعل هذه الصفقة تولد ميتة من رحم الإرهاب المتمثّل بالولايات المتحدة ودولة الإحتلال «الإسرائيلي». ومن المتوقع إنْ فاز بولاية ثانية أن تتفتّق عبقريته عن قرارات أخرى تخدم اليهود إرضاء لإلههم. لذلك ركزّت في المقال الأول على أنّ الوعد الإلهي الذي تحدث عنه العهد القديم، ليس وعداً من إله الكون الذي يعبده المسيحيون والمسلمون، بل هو وعد من الإله يهوه، هذا الإله القبلي النرجسي الذي دعا شعبه المختار الى القتل والتدمير والسرقة والإحتلال، دون أيّ وازع أخلاقي أو إنساني.

فهل من المقبول أن يُطلب منا اليوم، أن نتخلّى عن عدائنا لليهود الذين ما زالوا متمسكين بأساطيرهم على أنّها حقائق إلهية يعملون يومياً بموجبها، قتلاً وتدميراً وتهجيراً وتوسعاً وإحتلالاً، فقط إرضاء للولايات المتحدة وبعض الدول العربية اللاهثة وراء التطبيع؟ وهل قرأ اللبنانيون، الذين يتسابقون اليوم عن كشف عوراتهم الفكرية ويطالبون بالتطبيع مع العدو، أسفار العهد القديم التي جعلت من لبنان الجبل جزءاً لا يتجّزأ من أرض «إسرائيل» التوراتية؟ وهل يعي هؤلاء إلى أين سيقودنا هذا الانبطاح أمام الأوامر الأميركية؟ وأين القضاء اللبناني لا يتحرّك لكي يوقف هؤلاء عند حدّهم انطلاقاً من النصوص الدستورية التي تحدّد «إسرائيل» دولة عدوة، وبالتالي كلّ من يتعامل أو يتواصل معها يلحقه العقاب القانوني؟

دون أن نتعرّف الى عدوّنا لن نستطيع وضع الخطة النظامية الفعّالة القادرة على مواجة خطته الخبيثة المدمّرة والإنتصار عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق