آراء ودراساتكتاب بناء

اتفاق موسكو
 والسقوف الزمنية المفتوحة

 

} عامر نعيم الياس

أكدت الخارجية الروسية في بيان، أمس، أنّ «التشكيلات الإرهابية في منطقة إدلب لخفض التصعيد شمال غرب سورية أعادت تسليحها وتشنّ هجمات مضادة على القوات السورية»، مضيفةً انّ الفصائل، خصوصاً «تحرير الشام» و«حراس الدين»، ترفض الاعتراف بالاتفاقات الروسية ــــ التركية. وتابع البيان هناك خياران ممكنان فقط: «القضاء على الإرهابيين، أو محاسبتهم جنائياً وفقاً للقانون». واختتم البيان: «ضمان تحقيق المحاسبة هو بالذات ما ترتكز عليه جهودنا الدبلوماسية في اتصالاتنا مع الزملاء الخارجيين»، في إشارةٍ إلى تركيا، فهل تنفذ تركيا التزاماتها، أم يسلك اتفاق موسكو مسار اتفاق سوتشي الموقع في أيلول عام 2018 والذي استمرّ العمل به رسمياً إلى الشهر الثاني من عام 2020؟

يتوقف تنفيذ اتفاق موسكو على تركيا، هذه هي الرسالة التي أرادت الخارجية الروسية إيصالها بوضوح إلى الجانب التركي، والجميع بات يعرف أنّ الميليشيات المتواجدة في إدلب تحت جناح «جبهة النصرة» أو ما تسمّى اليوم «هيئة تحرير الشام»، أو تلك المنضوية تحت جناح «حراس الدين» وهو الفرع الرسمي للقاعدة في سورية، وفق لعبة تبادل أدوار مكشوفة بين فصيلين قاعديين، الأول أيّ النصرة، يراهن الغرب على صبغه بلبوس «فصيل إسلامي سوري ثوري» وفق صحفية «لوموند» الفرنسية، والثاني قد يبرز ورقة مساومة للقول إنّ الدول الغربية وتركيا أدّت دورها في ما يسمّى «مكافحة الإرهاب» عند الضرورة. لكن على الرغم مما سبق فإنّ أردوغان الذي يعوّم الملف السوري في مواجهته مع موسكو وأوروبا، وفي مواجهته في الداخل التركي، لا يمكنه التخلي عن هذه الميليشيات، ولا يمكنه قيادة حربٍ عليها بالوكالة، كما أنّ الرئيس التركي لا يمكن له أن يقبل بشنّ عملية عسكرية بالتعاون مع روسيا وسورية وإيران ضدّ التنظيمات التي ترفض تنفيذ الاتفاقات الثنائية التركية الروسية، فالرجل هنا سيقدّم رأسه إلى المعارضة التركية، ويعلن فشل كلّ سياساته في سورية.

لقد أُرغم أردوغان على توقيع اتفاق موسكو، وعاد ومن ورائه الغرب ممثلاً بالاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة والأطلسي باللعب على ورقة وحيدة هي ورقة التجميد الميداني، مع فقدان كافة الأدوات الوكيلة على الأرض لقوّتها الضاربة على إحداث تغييرات كبيرة في الميدان، أو حتى خرق في خارطة توزّع القوى الميداني، وبالتالي فإنّ تجميد العمليات العسكرية من وجهة النظر الأميركية التركية الأطلسية يحقق الآتي:

أولاً، يؤجّل المعركة المحسومة في شرق الفرات مع قوات الاحتلال الأميركي، هذه المعركة التي يشكّل الجانب الميداني العسكري، وتحرّر القوات السورية من العبء في شمال غرب سورية أحد أهمّ روافعها، وهنا لن ندخل في بلورة شكل المعركة وما إذا كانت مواجهة مباشرة أو دعم للمقاومة الشعبية، فالأساس هو تحرّر القوات السورية من عبء آخر منطقة تحت راية المسلحين في سورية.

ثانياً، إنّ إنهاء ملف إدلب والسيطرة عليها ينسف مسار الحلّ التفاوضي، ويجعل من مقولة «ثورة» و «معقل معارضة» من الماضي، كما ينسف ايّ وجود رسمي لكوارد سياسية مصطنعة من قبيل «الحكومة المؤقتة» أو «حكومة الإنقاذ» من الخارطة، وهذا المسار التفاوضي يشكل أحد مرتكزات الضغط القليلة الأميركية والتركية لأخذ حصة من التسوية الدولية المرتجاة للحرب السورية.

ثاثاً، ملف إدلب وما ظهر من مشاركة مباشرة للحلفاء على الأرض في معركة تحرير الطريق (M 5) يرفع من منسوب القلق الصهيوني، وبالتالي الأميركي، ويكرّس وجود حلفاء سورية أكثر فأكثر على الأرض السورية.

للأسباب التي ذكرت فإنّ تجميد الوضع الميداني يصبّ في مصلحة أنقرة وواشنطن وحلفائهما، واليوم الرهان عليه وعلى إعادة تكرار سيناريو اتفاق سوتشي لجهة السقوف المفتوحة في التطبيق، نظراً لعدم تغيّر طبيعة العلاقات التركية الروسية، والرهان الروسي الاستراتيجي على استمالة أنقرة في المعركة الروسية الأشمل مع الغرب، ومع ذلك يمكن القول إنّ المشهد اختلف اليوم، ونحن أمام وضعٍ أكثر تعقيداً ويستوجب إنهاء السقوف المفتوحة لتطبيق اتفاق موسكو، فالتعزيزات العسكرية للاحتلال التركي مستمرة، والتركي بات لديه 41 نقطة تواجد يصطلح عليها نقاط مراقبة، مع أنّ اتفاق سوتشي حدّد عددها بـ 12 نقطةً. كما أنّ الاختبار الأول للدوريات المشتركة على طريق (M 4) وفق اتفاق موسكو فشل، وهذا الفشل ما كان له ليحدث لولا حصول الميليشيات على أمر عمليات تركي لعرقلة تطبيق الاتفاق وإبقاء طريق حلب اللاذقية مغلقاً. وعليه فإنّ اتفاق موسكو اليوم يجب أن يكون محكوماً بجدولٍ زمنيٍ محدودٍ لتنفيذ أنقرة لالتزاماتها الميدانية والأمنية في ما يخصّ فتح الطرق الدولية، هذا الجدول يجعل تكتيك نزع الذرائع عبر الاتفاقات السياسية أمراً ذا جدوى.

لا ثقة في الجانب التركي، ومراعاة مصالح حلفاء سورية تشكل أولوية، ولكن حتى الهدنة في المدى المنظور لا تصبّ بمجملها في مصلحة تركيا والولايات المتحدة، فاليوم سورية والدول الحليفة باتوا في مواجهة معركة من نوع مختلف مع احتلال عسكري تركيٍ مباشر يستمرّ في زيادة عديده وعتاده يوماً بعد يوم، وهذا يستوجب التحضير للمعركة باعتماد استراتيجية مختلفة في البرّ والجوّ، سواء من حيث حجم القوة المشاركة، أو الأسلحة المناسبة لشطب سلاح المسيّرات التركية من المعركة التي ستحدث مع الاحتلال التركي لتحرير إدلب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق