أولىكتاب بناء

رعب «كورونا»
 وأهميّة المصالحة الوطنيّة

السفير د. علي أحمد الديلمي _

 

وسط كلّ ما يعيشه اليمن من حروب وصراعات داخلية وتقاسم نفوذ وفساد وأزمات معيشية وسياسية وصحية، يحضرنا السؤال القديم الجديد: ألا توجد في اليمن زعامات سياسية وطنية تحمل على عاتقها مشروع المصالحة الوطنية؟ إنّ مثل هذا العمل وإن كان صعباً وشاقاً، إلا أنه ليس مستحيلاً على مَن يريد أن يقوم بهذا الدور لو توفّرت لديه الإرادة أولاً والدعم والمؤازرة ثانياً.

إنّ كلّ ما مرّ به اليمن خلال السنوات الأخيرة أثبت أنّ أي طرف من الأطراف لم يستطع القضاء على الآخر، ولن يستطيع، وبالتالي فإنّ الأمر يحتاج وبكل بساطة إلى مجموعة من اليمنيّين ممّن لديهم الإرادة الصلبة في سبيل لعب هذا الدور بين الأطراف المتصارعة من خلال التواصل مع هذه الأطراف والضغط عليها لتقديم التنازلات مع بعضها البعض من أجل مصلحة جميع اليمنيين.

إنّ استمرار الصراعات والحروب جعل الشعب اليمني مُقسَّماً بين الأطراف المتصارعة وتفاقمت مع هذا الانقسام معاناة الجميع. وفي سبيل تخفيف ذلك يجب الاعتراف بأنّ الجميع قد ارتكب أخطاء فادحة.

كما أنّ تحقيق مصالحة وطنية شاملة يوجب الاعتراف بما يلي:

أولاً: أهمية الحوار اليمني اليمني والاعتراف بأسباب الصراع والبدء في معالجة هذه الأسباب بما يحقق مصالح الأطراف كافة.

ثانياً: التركيز على أهمية معالجة مسبّبات الصراع المسلح وتحويله إلى نقاش مدني عام يتم فيه بحث كلّ الجوانب الخلافية وتقوية الجوانب الإيجابية بهدف الوصول إلى نقاط مشتركة توفّر عوامل الاستقرار والثقة بين الأطراف.

ثالثاً: أخذ مخاوف كلّ الأطراف بعين الاعتبار والعمل على تقوية جانب التوافق الوطني الذي يحقق مصالح الجميع في إطار المصلحة الوطنية التي يجب أن تسمو فوق كل الاعتبارات.

رابعاً: إشراك أكبر قطاع من المجتمع اليمني من رجال الإعلام والأعمال والدين والمجتمع المدني القادرين على خلق بيئة توافقية تساعد في تقريب وجهات نظر جميع الأطراف تمهيداً لإخراج المشروع الوطني الشامل الذي يساعد على تحقيق المصالحة على قاعدة الاعتراف بالانتهاكات التي حدثت فترة الصراع ومحاسبة الذين ارتكبوا أفعالاً تمسّ بسيادة الوطن وتعرّض حياة اليمنيين للخطر، على أن تتم تلك المحاسبة بالوسائل القانونية وبمنتهى الشفافية، والهدف من ذلك ليس الانتقام وإنما تحقيق العدالة وإحقاق الحقّ والتشجيع على مبدأ التسامح وتعويض الضحايا وجبر الضرر وهو ما يطلق عليه الآن العدالة الانتقالية.

إنّ الهدف الأساس من المصالحة هو خلق علاقات طبيعية وسلمية مبنية على الثقة والتعايش بين مختلف فئات الشعب اليمني من أجل وحدة البلاد وأمنها واستقرارها لبناء أسس دولة مدنية عصرية ديمقراطية، وقابلية الحياة المشروعة والمكفولة لكلّ موطن يمني ضمن إطار العيش الواحد وتحت سقف القانون.

 

لا شك في أنّ مثل هذا الجهد يحتاج إلى وقت طويل قد يستمر لسنوات ويمكن تحقيق إنجاز وطني كبير إذا تضافرت جهود ممن لديهم الرغبة في القيام بمثل هذا العمل الوطني والإنساني من أجل تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة والتي تحتاج، إلى جانب الجهود الوطنية، دعماً إقليمياً ودولياً، بحيث تكون الخطوة الأولى على هذا الطريق هي تشكيل لجنة وطنية عليا مستقلة من أجل المصالحة الوطنية يكون أهم أهدافها بناء جسور الثقة بين جميع الأطراف من خلال وسائل متعدّدة. ولن أدخل هنا في تفاصيل عمل اللجنة بل سأترك ذلك حتى يتم تأسيسها، وأنا وكثر غيري مستعدون لتقديم ما نستطيع لمثل هذه اللجنة في حال تمّ تشكيلها وبدأت عملها.

إنها دعوتي هذه ليس الهدف منها إلا مصلحة الجميع، بعد أن أثبتت كل الدعوات إلى العنف وتكتل طرف ضدّ آخر أو أطراف ضدّ طرف أنها لا تصبُّ إلا في مصلحة أعداء اليمن بينما المتضرِّرون هم اليمنيون جميعاً.

فلماذا لا يتحرك اليمنيون الشرفاء في هذا الوقت الصعب الذي تمرّ به بلادنا باتجاه تأسيس لجنة المصالحة، خاصة أنّ ذلك سيكون بداية بناء الثقة واحتكام اليمنيين إلى لغة المنطق والحوار السلمي بعيداً عن حوار البنادق والمدافع؟

سمعنا عن تشكيل تكتلات ومنهاالطريق الثالثوغيره، ولكن ألا يستحقّ الشعب اليمني التضحية من قبل بعض القادة السياسيين وغيرهم من رجال المال والإعلام والدين والمجتمع المدني والمرأة والشباب بالمبادرة والضغط على المتصارعين لتحقيق المصالحة الوطنية ووضع حدّ لمعاناة أبناء الشعب اليمني؟

قد يقول البعض إنّ هذه الدعوة مثالية ولا يمكن تحقيقها، لكنّني أرى عكس ذلك، وإذا لم نبادر اليوم إلى تحقيق المصالحة، فمن يستطيع أن يضمن ماذا سيحدث غداً؟

لعلّ تجربةكوروناتوقظ ضمائر من يعتقدون أنهم في مأمن من تطورات الأحداث!

*دبلوماسي يمني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق