حديث الجمعة

كورونا بين فوضى التأويلات والتحليلات والواقع الصعب

 

 

كثيرة هي السرديات التاريخية التي أحاطت بالأزمات الصحية والأوبئة، فالتاريخ يذكر لنا أمراضاً وبائيّة حصدت في طريقها ملايين البشر، فكتب التاريخ ومؤرخوها دونوا في كتاباتهم أوبئة مثل الكوليرا واليرقان والسارس وأوبئة الخنازير والطيور والـ HIV –نقصان المناعة المكتسب، وقد سارع الناس وكذا الأجهزة الصحيّة إلى اتخاذ تدابير فردية تتغلب على تلك التدابير الجماعية، فضلاً عن الإحاطة بالوباء وتأطيره دون الدخول في نظرية المؤامرات.

فالعلامة الفارقة كانت في تلك الفترة عدم وجود وسائل اتصال وانترنت، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير بالحدّ من فوضى التحليلات وتأثيرها على الشعور العام.

اليوم يبدو المشهد مُختلفاً كلياً، حيث إن الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، هما أحد أهم وسائل الحروب في العصر الحديث، حتى أن أي فكرة يُراد إيصالها بطريقة عجائبية، تجد طريقاً لها ضمن تلك الوسائل دون حسيب أو رقيب، ودون حتى تدقيق في مصداقيتها أو تأثيرها العام، لتصبح بذلك هذه الوسائل أداة خوف وترهيب وقلق يعتري الشعوب وليس الأفراد فحسب.

ومن الواضح أن فايروس كورونا مثله مثل العديد من الاوبئة، إلا أن مميزاته التي رافقتها وسائل الاتصال الاجتماعي، جعلت منه أداة تفجير اقتصادي وسياسي ومالي واجتماعي.

وهنا لا ننكر إطلاقاً خطورة فايروس كورونا وتهديداته التي تُصيب بنية أي مجتمع، لكن في الوقت ذاته، لا يُمكننا أن ننكر بأن الشعوب العربية ودول العالم الثالث، ليست مُهيئة بالقدر الكافي للتعامل مع الأخبار المقبلة عبر الشبكة العنكبوتية، وحتى ان الحكومات في هذه الدول تفتقر إلى طريقة يُمكن من خلالها الحد من تأثير هذه الوسائل، نتيجة العديد من التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها، وذلك بخلاف الشعوب الأخرى التي فرضت عليها أنماط الحياة والمجتمع وعياً أكبر لما يتم تسويقه في الإنترنت.

بالعودة إلى فوضى التحليلات والتأويلات التي ترافق فايروس كورونا، يمكننا أن نستشف الواقع الصعب الذي تُعاني منه بعض الدول. وهنا لسنا بصدد مناقشة أي تأويل جاء مُرافقاً لتفشي الوباء، أو مسؤولية واشنطن أو بكين أو أي دولة أخرى عن تفشيه. فالفايروس بات واقعاً على الجميع، ولكن في هذه الجزئية، هناك فروقات تفرض نفسها في طرائق مواجهة الفايروس ومعالجته.

فالدول العظمى لديها أرصدة مالية ومؤونة ومختبرات أبحاث، وشبكات أمان مالية وصحية ومؤسسية، وشعوب عالية التعليم والعلم.

ونشاهد اليوم أمامنا الحشد الكبير المؤسسي والصحي والمالي للرئيس الأميركي ترامب ورؤساء فرنسا وانكلترا وأوروبا، لموجهة وباء كورونا. في حين أن الدول الفقيرة والنامية، تُعاني في كيفية احتواء الفايروس وتأطيره، في ظل تردي الواقع الاقتصادي والخدمي والصحي، لكن في المقابل من الواضح أن الدخول في نظريات تحليلية مُخيفة، وبثها على منصات التواصل الاجتماعي، ساهم وعزز تلك المخاوف في الدول الفقيرة والنامية، رغم ان ماهية أي فايروس يُمكن التغلب عليه عبر إجراءات فردية بسيطة تعتمد على معايير النظافة الشخصية، فضلاًً عن إجراءات وقائية معمول بها عالمياً.

من جديد يبدو النظام العالمي وكأنه في قارب يغرق رويداً رويداً، حيث إن الفشل الجزئي في مواجهة فايروسات خطيرة، يدق ناقوس الخطر لما هو مقبل.

وهذا الأمر من شأنه أن يجعل العالم يعيش تجارب أخرى وشيكة، كما أن مخاطر التغيرات المناخية التي تنكرها كثير من الدول المتقدمة، لمصلحة السيطرة الصناعية، من شأنه أن يلقي بكثير من التحديات الأخرى.

ومن الضروري في هذا الإطار تبادل القدرات وإقصاء الأنانية، لأنها ستبني الصراحة الكاملة التي يقوم على أساسها نظام عالمي يعبر عن الندية، ويستبعد التكاذب، الذي يبدو أنه لا ينسج سوى القصص الخرافية على النمط الأوروبي.

وكورونا هو أيضاً قصة خرافية بإطار واقعي يُسوقها الغرب عموماً تُجاه دولنا الغارقة في النزاعات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، دون تعزيز فكرة الوعي بوصفها سلاحاً للحدّ من النظريات الآتية عبر النظام العالمي ذي الرأس الأميركي.

الدكتور حسن مرهج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق