تحقيقات ومناطقكتاب بناء

لبنان متفوّق في مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجدّ الدكتور محمد حمية لـ«البناء»: نخوض حرباً مع عدوّ غير مرئيّ بالعين المجرّدة والكلمة الفصل للعِلم الوعيُ عاملٌ مهمٌ ووزارة الصحة هي المرجعيّة الموثوقة في مواجهة الضخ الإعلاميّ الكاذب المناطق التي لا تلتزم الحَجْر المنزلي تشكل خطراً فعلياً عاماً بخاصة إذا كانت هناك إصابات غير معلنة عودة المغتربين إذا لم تكن مضبوطة تقلب التقدم إلى صفر جديد في الأزمة

حاورته عبير حمدان

أكد نائب رئيس لجنة علماء لبنان لمكافحة الكورونا (lscc) والمتخصّص في علوم الجزيئيّات الذرية والنانوتكنولوجيا الدكتور محمد حمية أن الإجراءات الوقائية التي قامت بها وزارة الصحة جنّبت لبنان كارثة حقيقيّة منذ اللحظة الأولى التي تمّ فيها الإعلان عن أول حالة مصابة بفيروس كورونا المستجدّ «كوفيد19».

اعتمدت وزارة الصحة دراسة حمية التي قاربت الواقع بالأرقام منذ نقطة الانطلاق حتى منتصف نيسان كمرحلة أولى لبلوغ الذروة وبعدها تأتي المرحلة الثانية وصولاً إلى أواخر شهر أيار.

وقال حمية إن العلم يخوض معركة فعليّة في هذه الحرب التي يدخل الإعلام ضمن أدواتها لناحية ضخ الأخبار من دون أي مسوّغ علميّ مما يستدعي الكثير من الوعي في تلقف أي مادة مكتوبة أو مصوّرة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية والحجر المنزلي وصولاً إلى مرحلة كسر العدوى والاحتواء.

هي حرب مع عدوّ غير مرئيّ بالعين المجردة وتتطلب أعلى درجات المواجهة. حرب بيولوجيّة خفاياها غير واضحة وخواتيمها غير معروفة والكلمة الفصل للعلم في ظل التسابق العالمي على إيجاد العلاج المرجوّ.

 

الإعلان عن أول حالة إنجاز يُحسَب لوزارة الصحة

نسأل الدكتور حمية عن طبيعة الدراسة ونقطة البداية قبيل أن يتم اعتمادها من قبل وزارة الصحة، فيقول: «لنبدأ من 21 شباط حين تمّ الإعلان عن أول حالة مصابة بفيروس كورونا المستجدّ من قِبل وزارة الصحة، وهذا إنجاز يُحسَب للوزارة، ذلك لأنه لو لم يتم الإعلان عن الحالة لكانت العدوى انتشرت على مدى أسبوع، وبالتالي لما كنا تمكنا من معرفة نقطة الانطلاق لنعمل على مطابقتها في الدراسة. وهذا ما حصل في الصين حيث لم يتمّ تحديد نقطة الانطلاق لكون العدوى انتشرت قبيل بدء إجراءات الوقاية.

نحن حددنا نقطة الانطلاق في 21 شباط وحتى 27 منه ولكوني كنتُ قد باشرت بدراسة في ووهان بالأرقام قبيل هذا التاريخ عملت على إكمالها في لبنان، وكنت أراقب الهيكليّة التصاعديّة في الصين على قاعدة حسابيّة ففي علم الرياضيّات يتم الاعتماد على مبدأ تكاثر الفيروس، وليس هذا الفيروس المستجدّ وحسب، إنما ما سبقه مثل «الميرس» و»السارس» وقبلهما «الانفلونزا» بمعنى أقرب إلى القارئ يمكن تسميتُها «عائلة كورونا». وهذه العائلة مجزأة إلى أربعة فيروسات وآخرها «كوفيد19» حالياً.

أعلنت عن دراستي بتاريخ 28 شباط وارسلتها إلى الوزارة، وهنا أحبّ أن ألفت إلى أننا في «جمعية علماء لبنان لمكافحة كورونا» التي تضمّ 25 طبيباً ومهندساً عملنا سوياً لنعرف هيكيلة الفيروس بغض النظر عن أيّ دراسة أقوم بها. وهذه الجمعية التي أنشأناها هيئتها الإدارية تتألف من خمسة أعضاء والباقين يتم التعاون معهم بما يتطلب الأمر.

أتى الردّ من الوزارة بضرورة البحث حول مضمون الدراسة وما تطرحه من أرقام مقارنة بدراسة ثانية قدّمتها الجامعة العربية وأشارت فيها إلى أن الأرقام قد تتعدّى عشرة آلاف إصابة. وتم تحديد الموعد مع وزير الصحة الدكتور حمد حسن وحضرنا كلجنة مؤلفة من أربعة أطباء وعرضنا عليه الدراسة التي بدأتها في 21 شباط. ودراسة ثانية وهي عبارة عن عملية بحثية عن كيفية مكافحة كورونا بتقنية طبية معينة. وصرح الوزير أمام مستشاريه وأمامي أن دراستي منطقية لناحية تطابق الأرقام منذ نقطة الانطلاق حتى 15 نيسان. كما طرحت عليه نظرة ثانية وبالأرقام عن وكيف سيكون الخط البياني وصولاً إلى 20 أيار».

نسبة الخطأ 2 %

أما في ما يتصل بنسبة الخطأ الذي يشوب أيّ دراسة، فيقول حمية: «عادة حين أقوم بطرح دراسة عليّ أن أتأكد إذا ما كانت تقارب الواقع لناحية الأرقام. ومن خلال الدراسة التي قمت بها فإن كل الأرقام حتى تاريخ اليوم الذي نجري فيه هذا الحوار أتت متطابقة بنسبة خطأ 2%. من هنا فإن التقرير الذي أعدّته الجامعة العربية في الأول من آذار وتحدثت فيه عن عدد إصابات يتخطى عشرة آلاف بعيد عن الواقع، لذلك اعتمدت وزارة الصحة دراستي وتمّ الاستناد عليها حين تكلّم مدير عام الوزارة عن الأرقام والحالات.

دراستي عبارة عن قسمين، الأول هو هيكلية تصاعد الأرقام منذ 21 شباط بدون وقاية، والهيكلية مع وقاية، والمعيار الأول كان باعتماد نقطة الانطلاق الذي نسمّيه الصفر العلمي أي أول حالة تمّ الإعلان عنها. ويتم العمل على تطبيقها بحساب الرياضيّات وكيفيّة تطور الفيروس منذ 1973 حتى اليوم أي أننا نأخذ هيكلية تطور كل فيروس عبر التاريخ ونبني عليه. والنقطة الثانية لا يتم الأخذ بمسار الدراسة جراء دخول عامل جديد أي القادمين من الخارج، بمعنى أنه خلال فترة الدراسة أي عامل يأتي من الخارج هو ليس ضمنها، ذلك أني أتابع هيكلية المجتمع اللبناني وتطوّر العدوى، ولكن حين يأتي عامل خارج سواء من إيطاليا أو من مصر على سبيل المثال مع الاشارة إلى أن القادمين من مصر في بداية الأزمة شكلوا مشكلة، حيث إنه لم تكن مصر قد أعلنت عن اصابات في حينه؛ وبالتالي الشخصين اللذين أتيا من هناك لم يخضعوا للعزل او الفحص الطبي فإنتقلت العدوى منهما إلى آخرين. وهذا الأمر نحتسبه عامل خطأ ضمن الدراسة، لكنه يبقى غير مؤثر بشكل سلبي».

ويتابع في إطار متصل: «في العودة إلى هيكلية الدراسة منذ نقطة «المريض رقم صفر» فهناك خط بياني تصاعدي ولكل خط معناه العلمي حسابياً، الخط الأول خارج نظام الوقاية يتصاعد بشكل سريع ونتيجته بعد 54 يوماً ستكون 1600 حالة، والخط الثاني ضمن إطار إعلان حالة الطوارئ وضرورة الوقاية الذي شكّل صدمة للمجتمع وأخافه مما جعل الأرقام تتغيّر. ومن هنا ينخفض الرقم من 1600 إلى 960. ومن هنا يطرح السؤال حول إذا ما سبب انخفاض العدد يعود إلى الالتزام بالحجر المنزلي فقط أو أن هناك أشخاصاً تم شفاؤهم في بيوتهم. وهنا علينا التمييز مما يستدعي منا دراسة ثالثة للعمل على اكتشاف واقع الإشكالية. وهنا نذهب إلى تاريخ 20 أيار بمتابعة هيكلية الذين التزموا بيوتهم وإذا ما كانت هناك حالات غير خطيرة لديها مناعة ولم تنقل العدوى إذا ما كانت قد أصيبت بالفيروس. من هنا وبعد نهاية أول مرحلة من الحجر المنزليّ أي أربعة عشر يوماً من الوقاية تمكنّا من الوصول إلى الخط البيانيّ المطلوب لنعرف إلى أين سنصل خلال 54 يوماً».

لبنان تفوّقعلى باقي الدول

وعن المقارنة بين الخطوات التي قامت بها الجهات المعنيّة في لبنان وما يشهده العالم، قال: «إذا قمنا بالمقارنة بين لبنان وباقي الدول أؤكد لك أننا تفوقنا على الجميع منذ تم الإعلان عن أول حالة. وما قامت به وزارة الصحة والحكومة اللبنانية جنّبنا كارثة حقيقيّة. هذا الفيروس محتال ولكن التعبئة العامة وحالة الطوارئ والشعور بالخوف الذي أصاب الناس عوامل مهمة في مكافحة انتشاره».

وأضاف: من موقعي أرى أن التفلت وعدم الالتزام قد يؤدي إلى ما لا نريده جميعنا، ونحن ذاهبون إلى أيار، ولكن بطريقة مدروسة وليس بشكل تصاعديّ مخيف، والذروة ستكون في 15 نيسان، ولكن هذا لا يعني التهاون في الإجراءات، بل يجب أن نتابع على الوتيرة نفسها في الوقاية والحجر المنزلي ولو إن عدد الإصابات سيبدأ بالانحسار».

وأضاف: «هذا الفيروس اجتاح العالم، ولكن ما قمنا بها في لبنان من إجراءات وقائية ساعدنا كثيراً، ولن نقارن أنفسنا مع الصين لناحية الإمكانيات والتطور والانضباط. والمفارقة أن الفيروس ضرب الصين التي تفوّقت عليه وخرجت من الأزمة لنراه يضرب الآن أميركا التي تصدّرت اللائحة لناحية عدد الإصابات بعد أن ضرب أوروبا. إذاً العالم كله في خضم حرب بيولوجية لم تتضح خفاياها بعد ولا نعرف خواتيمها التي هي قيد الدراسة علمياً بانتظار العلاج المرجوّ الذي يتسابق إليه الجميع.

العلم يقول إن أي فيروس يبقى في الهواء لثلاث ساعات بينما فيروس كورونا المستجدّ أو «كوفيد19» يبقى على الأسطح لفترة أطول ويهاجم الجهاز التنفسي بعد أن يبقى في الحنجرة لفترة لذلك فإن الوقاية والالتزام علاج أساسي لكسر العدوى والعمل على احتوائه».

الفيروس أصبح واقعاًولو توفّر لقاح له

أما في ما يتصل بعودة المغتربين في هذا الوقت بالذات، فقال حمية: «لقد طالبت أن تكون هذه العودة مدروسة وفق المعايير الوقائية والطبية ليتم ضبط الأمور بشكل فاعل كي لا نعود إلى نقطة صفر جديدة؛ وبالتالي نضطر لتمديد حالة الطوارئ، ويبدو أن الحكومة تجاوبت مع هذا الطرح كما شهدنا من خلال مقرراتها الأخيرة لآلية عودة من يرغب من المغتربين.

وهذا الفيروس أصبح واقعاً، ولو توفر اللقاح كما نأمل جميعنا، إلا أنه أنضمّ إلى عائلة الفيروسات الموجودة ولا ندري بعد إذا كان موسمياً أو سينحسر مع بداية فصل الصيف. ولكن كل ما قيل عن انتقاله إلى الإنسان بسبب الحيوان وطبيعة الغذاء الذي يتناوله الصينيون غير صحيح. باختصار الانسان هو الذي يشكل خطراً على باقي المخلوقات جرّاء التغير الذي طرأ على هيكليته وجيناته لناحية نمط حياته وتعاطيه المادي الذي يساهم في تدمير كل شيء، وليس الحيوان الذي أصبح ضحيّة كما البيئة والطبيعة».

وختم حميّة: «الإعلام يلعب دوراً كبيراً في هذه المعركة حيث إن حجم الأخبار المفبركة والبعيدة عن أي أساس علمي تربك المتلقي. وهناك صراع حقيقي بين مَن يعتمد مبدأ «علينا أن نكذب ونكذب حتى يصدّق الجميع ومن ثم علينا أن نكذب حتى نصدّق أنفسنا». واليوم حجم النظريات المتداولة إعلامياً مخيف، لذلك على المتلقي أن يقرأ بوعي ولا ينساق بشكل آلي، لذلك فإن المرجعية الوحيدة في لبنان اليوم من وجهة نظري هي وزارة الصحة التي تتعامل مع هذا الواقع بشكل علميّ ومدروس ويجب التقيّد بإرشاداتها لنعبر المرحلة ونبلغ بر الأمان.

المناطق التي لا تلتزم الحجر المنزلي تشكل خطراً فعلياً على المجتمع بأكمله، خاصة إذا كانت هناك إصابات غير معلنة، في العلم لا وجود للتوقعات إنما هناك دراسات وأبحاث وأرقام تحدّد المسار بإطار منطقي».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق