الوطنكتّاب البناء

لماذا يخالف البعض التعبئة العامة؟

 إيمان شويخ

من السهل أن تحذّر أحدهم من خطر ما لسبب ملموس أو محسوس يمكن رؤيته أو الشعور به، كأن تقول لأحدهم لا تقرب النار لئلا تحرق نفسك، لكن ذلك لا ينطبق على خطر غير محسوس ولا يُرى بالعين المجردة، لا بل جاء من حيث لا يعلم أحد بطريقة فجائية عجز عن معرفة مصدرها أهم العلماء، وصعب على أكبر أطباء العالم إيجاد حدّ له لإبعاده ولكنه بالنسبة للبعض غير موجود حقاً، ولم يسمعوا به من قبل، وهم لن يشعروا به الآن إلا إذا أحرقتهم ناره، اما إذا بقيت ناره بعيدة عنهم فهم سيعملون جاهدين لإشعال هذه النار وسيرمون لها كلّ ما يمتلكون من وقود لتكبر فتبتلعهم قبل أن تبتلع دائرتهم الصغيرة ومن ثم الكبيرة فالبلاد بأكملها.

هذا التوصيف أقرب ما يكون لجماعة «المش فارقة معن كورونا» و «اللي بدو يصير يصير» و «شو وقفت عليّي»… وغيرها من الحجج التافهة التي تحمل نتائج كارثية لا تقع على الفرد وحده بل على كل من هو على احتكاك معه.

فلماذا يجرؤ البعض على أذية نفسه، وإذا كان يمتلك هذه الجرأة فكيف يجرؤ على أذية من يحب وهو فعلاً يحبه؟ ولماذا يهرب من مسؤوليته التي إذا تنصّل منها لن يتحمّل أحد مسؤوليته حتى أقرب الأقربين لضعف العدة والعديد؟ وتبرز هنا الخروقات المتفاوتة مناطقياً وزمانياً منذ إعلان التعبئة العامة في الخامس عشر من آذار وحتى اليوم، فبين من يجلس في بيته ولا يخاطر بفتح باب المنزل لأيّ كان، يتفلت آخرون ويسرحون ويمرحون وكأن لا كورونا ولا من يحزنون. لدرجة أنّ الملتزم في البيت والذي يحرم نفسه من مجرد النزول إلى الشارع لدقيقة واحدة  صار يشعر بالغبن عندما يسمع ويرى أنّ غيره يعيش حياة طبيعية وهو يستقلّ سيارته أو دراجته النارية أو الهوائية لسبب أو بدون سبب، يذهب لممارسة الرياضة في الهواء الطلق، يقوم بالتسليم على غيره كما حصل مع النائب وليد البعريني الذي ظهر في فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي وهو يصافح عدداً من المواطنين من دون التقيّد بالإجراءات الوقائية، او مجموعة من الشبان في عدد من المناطق حاولت خرق قرار التعبئة العامة والنزول إلى مظاهرة في الشوارع، كذلك وفي مشاهد أخرى تحمل في ظاهرها حاجة ملحة للخروج من المنزل كالذهاب إلى محال السوبرماركت أو الصيدلية أو المصارف وأسباب أخرى، يمكن أن يقرأ في باطنها التذرع بضرورة الخروج من المنزل لداعي الخروج وليس للحاجات الملحة.

قد لا تفهم الفئة الملتزمة بالتعبئة العامة وبالتالي البقاء في البيت الدواعي التي تجعل فئة غير ملتزمة أن تخرق التعبئة العامة ضاربة بعرض الحائط كلّ المحظورات ما كبر منها وما صغر، لكن أسباباً نفسية تقف وراء تلك السلوكيات وتجعل من صاحبها يتصرّف على مزاجه. فالأزمة التي حصلت دون سابق إنذار أدّت إلى حالة من اللاتوازن النفسي والذاتي أيّ الشعور بالقلق وعدم استيعاب ما يحصل، حيث أنّ مجموعة من المخاوف أتت دفعة واحدة بدءاً من الخوف من الجوع وانتهاء بالخوف من الموت، وبالتالي فإنّ طريقة إدارة هذه الأزمة تختلف من شخص لآخر وفقاً لحالته النفسية على ما تشرح أخصائية علم النفس العيادي الدكتورة سلام قنديل، حيث يتعامل البعض مع ما يحصل بحالة من النكران وعدم قبول ما يجري ويتعاطى مع الموضوع وكأنه سوف لن يطاله وهذا يشبه إلى حدّ ما البعض المتطرف في الخوف والذي يصل إلى درجة الهوس والقلق الشديد فيقوم مثلاً بغسل يديه كلّ خمس دقائق، واستعمال المعقمات بشكل مفرط، والاختباء في مكان منعزل كليا، وغيرها من التصرفات التي تظهر مبالغة في التقيّد بشروط الوقاية من الفيروس.

وهناك فئة أخرى من الناس تختلق التبريرات لتقنع نفسها بأنها قادرة على الخروج من المنزل، كالذي يتذرع بحاجته للذهاب والتبضّع من السوبرماركت، وشراء الاحتياجات الأساسية، والدواء

الأسباب في ذلك قد تكون قلة المعلومات حسب قنديل أيّ أنّ الشخص المخالف لم يصل بعد إلى الحقيقة التي تقول بأنّ الوباء فعلاً خطر وقد يؤدي إلى الوفاة، والسبب أنه يستقي المعلومات من الوسائل الإعلامية كالتلفاز والإذاعة والسوشال ميديا، وهي لم تقع عليه أيّ أنه لم يصب بعد بالفيروس ولم يصب أيّ من أفراد عائلته أو محيطه وبالتالي فهو يستبعد أن يصيبه لذا فهو يتصرف بنوع من عدم التصديق للخطر ويخرج بشكل شبه طبيعي. جانب آخر لأسباب التعاطي مع التعبئة العامة بالاستهتار هو عدم قدرة الشخص على إدارة الأزمات حيث يتعاطى تارة مع الفيروس بحزم فيلجأ إلى الحجر لعشرة أيام مثلاً وبعد ذلك يفك الحجر ويشعر بأنه قد ملّ من ذلك فيذهب إلى اللامبالاة ويمارس حياته بشكل طبيعي، ايّ أنه يعيش في حالة من الإرباك، وهذا ربما ما حصل مع نسبة كبيرة من المواطنين الذين التزموا في الأيام الأولى ولكنهم قرّروا فجأة أن يلغوا هذا الالتزام دون أن يسمح لهم من قبل وزارة الصحة التي حذرت وما زالت، ولا حتى من قبل الجهات الأمنية التي لا تزال تمارس دورها في فرض الرقابة.

سبب آخر من أسباب خرق التعبئة العامة هو تضارب المصالح لدى المواطن الذي يشعر بأنه يقع بين ناري الخطر الصحي والخطر الاقتصادي، فيرى الاقتصادي في يومياته من جوع أولاده وحاجتهم للدواء والمأكل والمشرب، وعجزه عن تأمين المستلزمات الأساسية لهم بسبب توقفه القسري عن العمل، وشاهدنا كيف عمد أحد سائقي التاكسي في الأيام الماضية إلى حرق سيارته بعد أن قامت القوى الأمنية بتسطير محضر ضبط بحقه، وبالتالي فإنّ الخطر البعيد بنظره وهو إمكانية الإصابة هو أقلّ وطأة من خطر الجوع الذي يدق بابه ويهدّد حياته وحياة أولاده بشكل مباشر.

وقد يلجأ البعض إلى التمرّد على كلّ القوانين والأنظمة بسبب عدم وثوقه بالسياسيين حتى لو كان الأمر متعلقاً بصحته فيعتبر أنه بخروجه من المنزل هو يثور على المنظومة السياسية وكلّ ما يأتي على لسان أيّ من الأطراف لاعتقاده بأنّ ذلك سيزعج السياسيين مثلاً ويضرّهم. إضافة إلى تلك الأسباب فإنّ حالة اليأس والإحباط التي يعيشها المواطن اللبناني بسبب تراكم الأزمات وعدم قدرته على تحقيق أهدافه تدفعه إلى فعل أيّ شيء لأنه «خسران خسران»، وبالتالي فإنّ هذا الأمر يخلق عدوانية لدى المواطن تجاه نفسه وتجاه الغير، أما ظروف البيت فهي أيضاً من الدوافع التي تسبّب حالات التفلت وعدم الالتزام فإذا كان الحجر في منزل مؤلف من غرفة لعدد كبير من الأشخاص دون توافر أدنى مقومات الراحة سيؤدي ذلك إلى انفجار داخل البيت ومشاكل عائلية سببها تغيّر العادات العائلية التي فرضت على الوالدين المكوث لوقت طويل مع أولادهم بعد إقفال المدارس والاحتكاك الدائم معهم أو حتى التواصل المباشر لوقت طويل بين الزوجين بعد أن كان أحدهما أو كلاهما يغادر المنزل للعمل، ما قد يؤدي إلى حالات طلاق قد تتضح نسبتها بعد انتهاء وجود الفيروس.

من هنا فإنّ الرأي النفسي يعتبر أن المرونة النفسية أساس في التعامل مع أزمة جائحة كورونا وكيفية إدارتها على المستوى الفردي من خلال وضع خطة يومية لكيفية البقاء في المنزل لأطول وقت ممكن دون ملل أو اضطرابات قد تؤدي إلى الإنفجار النفسي والخروج من المنزل.

ولكن من ينبه المواطن إلى صحته النفسية التي لا تقلّ أهمية عن صحته الجسدية، في بلد يعتبر فيه البعض أنّ الحديث عن الحالة النفسية يعني الخلل في العقل وبالتالي فإنّ السلوكيات التي تعبّر أصلاً عن خلل في العقل مقبولة و»بتقطع» أما الاعتراف بأنّ نفسية الشخص «ما بتقطع» يبقى من التابوهات التي تحتاج لإماطة اللثام عن الكثير من الأمور الجوهرية التي أتى وقت الحديث عنها ومعالجتها بكلّ جرأة ووضوح قبل أن تخسرنا نفسيتنا صحتنا ووقتها لاينفع الندم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق