آراء ودراساتكتاب بناء

فلسفتنا السياسية لمعالجة الأزمة الرئاسية

} أسعد تركي سواري

 تُعَدُّ السوابق القضائية مَنهجاً معتمداً في الفقه الدستوري يسير بموازاة منهجيَّة التعديل الدستوري لترميم النواقص الدستورية التي تغيب عن المشرّع الدستوري لحظة التأسيس، الذي يشوبه عادةً التعجّل والارتجال والأدلجة من قادة النظام السياسي، خشيةً من الثورة المضادة لأنصار النظام السياسي الذي أطيح به، فتظهر الحاجة إلى تلك السوابق القضائية والتعديلات الدستورية عند السلوك السياسي والممارسة العملية في الحياة السياسية، وبروز المتطلبات الجديدة للمجتمع وأجياله المتجدّدة عبر مرور الزمن، ولكي يؤتي المنهجان الثمار المأمولة من اعتمادهما، لا بدّ أنْ يُحدّد الفقه الدستوري بوضوح الجهة المخوّلة القائمة على كلا من المنهجَين، سواء السوابق القضائية أم التعديلات الدستورية، لضمان عدم تداخل الصلاحيات وتجنّباً للارتباك الدستوري الذي ينجم عنه اهتزاز أركان النظام السياسي، فالمرجعية العليا لكلّ مؤسسة سياسية، فضلاً عن عدم تداخل الاختصاصات يُعَدَّان من أهمّ عوامل استقرار الأنظمة السياسية.

التأويل الدستوري والتكليف الجمهوري

يعاني النظام السياسي العراقي عند كلّ عملية مخاض حكومي من أزمة التأويل المتباين للنصوص الدستورية، ممّا يعيق عملية انبثاق الحكومة التي لا تولد إلاّ بعد تدخّل جراحي داخلي وخارجي، فبعدما تمّ إجهاض التكليف الثاني الذي جاء بعد استقالة رئيس مجلس الوزراء العراقي، بعث رئيس جمهورية العراق كتابه ذا العدد (٧٩٩) في ١٦ /٣ /٢٠٢٠ بعنوان (صلاحية تكليف) إلى السيد رئيس المحكمة الاتحادية، يستفتيه حول صلاحية التكليف الواردة في الفقرة (ثالثاً) من المادة (٧٦) من الدستور العراقي الدائم لعام ٢٠٠٥، المتعلقة بعملية التكليف الثالث لرئاسة مجلس وزراء العراق، بعد استقالة رئيس مجلس الوزراء وفشل عملية التكليف الثاني، وجاء جواب المحكمة الاتحادية بقرارها ذي العدد (٢٩ /اتحادية / ٢٠٢٠) الصادر في ١٦ /٣ /٢٠٢٠ الذي قضى بمنح رئيس الجمهورية الصلاحية الحصرية بتكليف مُرشَّح جديد لرئاسة مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ فشل التكليف السابق، ليعرض حكومته على مجلس النواب خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً، على وفق الفقرة (ثالثا) من المادة (٧٦) من الدستور، مما دفع بالسيد رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى أنْ يدلي برأيه لتفسير نصّ المادة (٧٦) من الدستور بتاريخ 18 /3 /2020، الذي أشار فيه ما نَصّه أنَّ (المادة ٧٦) من الدستور تضع نَصّاً حاكماً بعنوان مُرشّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي نرى أنَّها الكتلة الفائزة في الانتخابات، وليست التي تتشكل في ما بعد، حسب رأي المحكمة الاتحادية الذي لا نتّفق معه بخصوص تفسير مفهوم الكتلة النيابية الأكثر عدداًوحقّ تكليف المرشّح، بدون موافقة الكتلة التي رشّحته، لا ينتقل لرئيس الجمهورية مُطلقاً، لأنّ هذا التفسير خاطئ خاصّةً وأنَّه صَدَر عن محكمة ناقصة النّصاب قانوناً)، فَمَن هو صاحب الاختصاص المخوّل بتفسير النصّ الدستوري الذي ستكون له الكلمة الفصل؟

الاختصاص القضائي لتفسير النص الدستوري

 تتكوّن السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادّعاء العام، وهيئة الإشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الأخرى التي تنظم وفقاً للقانون، على وفق المادة (٨٩) من الدستور، إلا إنَّ الفقرة (ثانيا) من المادة (٩٣) نَصَّت على أنَّ المحكمة الاتحادية العليا هي التي تختصّ بتفسير النصوص الدستورية، كما أنَّ المادة (٩٤) نَصَّت على أنَّ قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتَّة ومُلزمة للسلطات كافَّة، وبذلك لا يبقي أيّ أثر قانوني لتصريح رئيس مجلس القضاء الأعلى، فضلاً عما دوّنَه من المؤسسات والهيئات القضائية في ما يتعلّق بتفسير النصوص الدستورية كافَّة، ومن بينها تفسير المادة (٧٦) محلّ النزاع، المتعلّقة بموضوع تكليف رئاسة مجلس الوزراء.

الكتلة البرلمانية الأكبر ورئيس الجمهورية في مفترق التكليف الثاني

انبثق اتجاهان بشأن الصلاحيَّة الدستورية المتعلّقة بالتكليف الثاني لرئيس مجلس الوزراء، فالاتجاه الأول يدعم الكتلة البرلمانية الأكبر التي تمَّ إعلانها في الجلسة البرلمانية الأولى بعد المصادقة على نتائج الانتخابات وبقاء صلاحيّتها الدستورية بتقديم مرشّح لرئاسة مجلس الوزراء إلى رئيس الجمهورية الذي يتوجّب عليه تكليفه دستوريّاً، والاتجاه الثاني يدعم انتقال الصلاحيَّة الدستورية من الكتلة البرلمانية الأكبر إلى رئيس الجمهورية، عند التكليف الثاني وما بعده، وكلّ اتجاه يسوق أدلّته وعلى النحو الآتي:

أولاً: أدلَّة الاتجاه الداعم للكتلة البرلمانية الأكبر التي أعلنت في الجلسة البرلمانية الأولى

يَستدلُّ أنصار الكتلة البرلمانية الأكبر على بقاء صلاحيَّتها الدستورية بالترشيح عند كلّ عمليَّة تكليف لرئاسة مجلس الوزراء بأنَّ نَصّ الفقرة (ثالثا) من المادة (76) من الدستور العراقي الدائم، مُقيَّدٌ بأنْ يكون المرشّح من الكتلة النيابية الأكثر عدداً لأنَّ الفقرة (ثالثاً) تقول يُكَلّفُ مُرشَّح جديد، والمرشّحُ لا يكون مرشَّحاً إلا بترشيحٍ من جهة ما، وليس في المادة (٧٦) سوى جهة ترشيح واحدة هي الكتلة النيابية الأكثر عددا، وبالتالي فعلى رئيس الجمهورية تكليف مُرشَّح الكتلة الأكثر عدداً، ولا ينتقل الخيار له لوحده مطلَقاً.

إشكالاتٌ على الدليل

يمكن الردُّ على الاستدلال أعلاه بوجهين:

1 – الوجه الأول: يمكن القول بأنَّ القصد من كلمة (مُرَشَّح) تشير إلى معنى أنَّ الُمرَشّح لحظة التكليف سيبقى مُجرَّد مرشح لتولّي رئاسة مجلس الوزراء ولن يتولاها دون حصوله على ثقة البرلمان، بقطع النظر عن الجهة التي رشَّحته، ببيان آخر، إنَّ توصيفه بوصف (مُرشَّح) يشير إلى أنَّه لم يُحسَم تولّيه منصب رئاسة مجلس الوزراء، وإنَّما سيبقى مُرشَّحاً لتولّيته، ومَنْ يحسم تمرير الترشيح وإتمامه من عَدَمه هو نَيْل ثقة البرلمان لاحقاً، وبذلك لا تعني بالضرورة أنْ يكون مُرشًّحاً من جهةٍ محدّدة.

2 – الوجه الثاني: إنَّ الفقرة (ثالثاً)، والفقرة (خامساً) من المادة (76) من الدستور المختصّتان بالتكليف الثاني وما بعده، لم تذكرا الكتلة البرلمانية الأكبر، كما فعلت في الفقرة (أولاً) من المادة ذاتها، وبذلك يمكن القول بأنَّ كلمة (مُرّشَّح) تشير إلى أيّ مُرَشَّحٍ يُكَلّفهُ رئيس الجمهورية، بقطع النظر عن جهة ترشيحه، فوصف المرشَّح لا يتوقف إضفائه على وجوب أنْ يكون مُرشَّح الكتلة الأكبر.

ثانياً: أدلَّة الاتجاه الداعم لرئيس الجمهورية

يَستدلُّ أنصار الاتجاه الداعم لرئيس الجمهورية الذين يرون انتقال الصلاحيَّة الدستورية من الكتلة البرلمانية الأكبر إلى رئيس الجمهورية، عند التكليف الثاني وما بعده، بالأدلَّة الآتية:

1 – الدليل الأول:

إنَّ رئيس الجمهورية يلتزم بتكليف مُرشحَّ الكتلة الأكبر فقط عند التكليف الأول على وفق الفقرة (أولا) من المادة (76) من الدستور، التي أشارت إلى الكتلة البرلمانية الأكبر، أما في حالة التكليف الثاني وما بعده، فيكون الخيار لرئيس الجمهورية على وفق الفقرتين (ثالثا) و (خامسا) اللتين لم تشترطا أنْ يكون الترشيح من الكتلة البرلمانية الأكبر، وهذا يَدلُّ على أنَّ المشرّع الدستوري قد تخلّى عن الكتلة البرلمانية الأكبر في التكليف الثاني وما بعده.

إشكالاتٌ على الدليل الأول

ويُشكَل على الدليل الأول بوجهين:

1 – الوجه الأوّل: تسالَم الفقه الدستوري على أنْ تكون اللغة الدستورية شديدة الاقتضاب والاختصار والتركيز، ولذا اكتفى المُشرّع الدستوري بالإشارة إلى الكتلة البرلمانية الأكبر في الفقرة (أولا) من المادة (76)، وإعادة ذكرها في الفقرات اللاحقة للمادة الدستورية ذاتها، التي تعالج موضوعاً واحداً، وهو موضوع تكليف رئيس مجلس الوزراء، يُعَدُّ تطويل بلا طائل، وهو خلاف اللغة الدستورية.

2 – الوجه الثاني: باتَ منَ البديهيات المطويَّة في الفقه الدستوري أنْ تُعّدُّ المواد الدستورية السابقة حاكمةٌ على المواد الدستورية اللاحقة في الدستور الواحد، والفقرات السابقة تكون حاكمة على الفقرات اللاحقة للمادة الدستورية ذاتها، ما لم تَردُ قرينة دالَّة على خلاف ذلك في الفقرة الدستورية اللاحقة، ولذلك اقتصرَ المشرّع الدستوري على الإشارة إلى الكتلة البرلمانية الأكبر في الفقرة (أولا) من المادة (76) من الدستور، بوصفها الجهة الوحيدة التي تمتلك الصلاحيَّة الدستوريَّة لترشيح رئيس مجلس الوزراء ليُكَلّفَه رئيس الجمهورية، ولم يُكَرّر الإشارة إلى الكتلة البرلمانية الأكبر في الفقرتين (ثالثاً) و (خامساً) من المادة (76)، لأنَّ الفقرة (أولاً) حاكمة على كلتا الفقرتين.

2 – الدليل الثاني

يستدلُّ بعض أنصار الاتجاه الداعم لرئيس الجمهورية بأنَّ الفعل (يُكَلّف) يفيد التقييد والفعل (يتولّى) يفيد الإطلاق، اللذان وردا في المادة (٧٦) من الدستور،، فقد ورد الفعل (يُكَلّف) مرتان، عند التكليف الأول في الفقرة (أولاً) ونصّها: (يُكَلّف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً…)، وعند التكليف الثاني كرّر المشرّع الدستوري الفعل (يُكَلّف) في الفقرة (ثالثاً) ونَصّها (يُكَلّف رئيس الجمهورية، مرشحاً جديداً لرئاسة مجلس الوزراء…) ولكنَّه لم يذكر الكتلة البرلمانية الأكبر،

أما الفعل (يتولّى) فَيُفهَم منه الإطلاق ففي الفقرة (ثانياً) أطلَقَ صلاحيَّة رئيس مجلس الوزراء المًكَلَّف، ونصّها (يتولّى رئيس مجلس الوزراء المُكلَّف تسمية أعضاء وزارته…) فلم يشترط عليه أنْ يكون أعضاء وزارته من أيّ جهة، وكرّر المشرّع الدستوري الفعل (يتولّى) الذي يُفهَم منه إطلاق صلاحيَّة رئيس الجمهورية عند التكليف الثالث في الفقرة (خامساً) من المادة (٧٦) التي تنصّ على أنْ ((يتولّى رئيس الجمهورية تكليف مرشحٍ آخر بتشكيل الوزارة…)، ولم يشترط على رئيس الجمهورية أنْ يكون ذلك المرشّح من جهة معيّنة، وبذلك تنتقل الصلاحية الدستورية في ترشيح المكلَّف لرئاسة مجلس الوزراء، عند التكليف الثالث على أضعف استدلال، الوارد في الفقرة (خامساً)، من الكتلة البرلمانية الأكبر إلى رئيس الجمهورية.

إشكالاتٌ على الدليل الثاني

يُشكَلُ على الدليل الثاني بوجهين:

1 – الوجه الأول (الوجه اللفظي): تجيب المعاجم اللغوية على هذا الاستدلال، إذْ أبان المعجم الوسيط معنى كلمة (يتولّى) الأمر بأنّها تعني، يتقلَّده ويقوم به، أما معجم المعاني فقد أوضح بأن كلمة (يُكَلّف) أمراً، فتعني يُوجب ويَفرض ويُوكل ويعهد به لإنجازه، وممّا تقدّم يتّضح بأنَّه لا إشارة للإطلاق والتقييد اللذين استدلّ بهما لغوياً لتدعيم اتجاه منح الصلاحية الحصرية لرئيس الجمهورية لتكليف مُرشَّح جديد بعد الإخفاق الأول لعملية التكليف.

2 – الوجه (الوجه الدلالي): إنَّ كلمة (يُكَلّف) وردت مرتين، المرة الأولى في الفقرة (أولاً) قَيَّدت الترشيح في الكتلة النيابية الأكبر، أمّا المرة الثانية في الفقرة (ثالثاً) من دون ذكر الكتلة النيابية الأكبر، بمعنى أنّها أطلَقَت الترشيح، لعدم ذكر أيّ جهة مسؤولة عن الترشيح، وذلك يعني أنّ كلمة (يُكَلّف) بدايةً أفادت التقييد وثانياً أفادت الإطلاق، بمعنى يُحتَمَلُ فيها الإطلاق والتقييد كلاهما، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال، كما يُعَبّرون في علم المنطق.

فلسفتنا السياسيةلمعالجة الأزمة الرئاسية

تنطلقُ فلسفتي السياسية في معالجة الأزمة الرئاسية من الفلسفة التي ابتغاها الفقه الدستوري في إقامة الكتلة البرلمانية الأكبر في الأنظمة السياسية البرلمانية ومنها النظام السياسي العراقي، فقد أوجبت المادة الدستورية (٧٦) على رئيس الجمهورية تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر، إذ تنصّ في الفقرة (أولا) على أنه ((يُكَلّف رئيس الجمهورية، مرشَّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً، من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية)، ومع أن الفقرة (ثالثا)، و الفقرة (خامسا) من المادة (٧٦) ذاتها، قد أوجبا على رئيس الجمهورية، تكليف مُرشَّحٍ جديد، في حالة إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة، وحالة عدم نيل الوزارة ثقة البرلمان، دون أنْ يشترط النصّ الدستوري في الفقرتين (ثالثا) و(خامساً) على رئيس الجمهورية في أنْ يكون المُكلَّف الجديد مُرَشَّحاً من الكتلة النيابية الأكبر، إلا أنَّه تُعّدُّ من البديهيات المطوية في الفقه الدستوري، أنْ تكون المادة الدستورية السابقة حاكمة على المادة الدستورية اللاحقة، مالَمْ يَرد نَصَّاً صريحاً خلاف ذلك، وبذلك ستكون الفقرة (أولاً) حاكمة على الفقرتين (ثالثاً) و (خامساً) قولاً واحداً، بما يُوجب على رئيس الجمهورية تكليف مُرشّح الكتلة النيابية الأكبر،

وفلسفتي في المعالجة تكمن بأنَّ مصداق الكتلة البرلمانية الأكبر يتجدّد عند كلّ تكليف جديد، فمصداقها متعدّد بتعدّد التكليف، لأنَّ فلسفة الفقه الدستوري بأنْ يكون رئيس مجلس الوزراء مُرشَّحاً من الكتلة البرلمانية الأكبر، تهدف بدايةً إلى تمرير كابينته الوزارية عند عملية التصويت عليها لنيل ثقة البرلمان، ولاحقاً لتمرير مشاريعه الحكومية بعد تولّيه منصب رئاسة مجلس الوزراء، بما يحقّق البرنامج الحكومي خدمةً وتحقيقاً لمصالح المجتمع،ولذلك أطرح رأياً ثالثاً مخالفاً لرأي المحكمة الاتحادية القاضي بمنح الصلاحية الحصرية للسيد رئيس الجمهورية بتكليف مرشح لرئاسة مجلس الوزراء بعد فشل التكليف السابق، من جهة، ومخالف لرأي السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يرى بأن الكتلة الأكبر هي الكتلة النيابية التي أعلنت بعد الانتخابات في الجلسة الأولى وهو ما كان سائداً طيلة الدورات البرلمانية السابقة عند تشكيل الحكومة،

والرأي الذي أطرحه هو أنَّ الترشيح يبقى منْ صلاحية الكتلة البرلمانية الأكبر، ولكنّها ليست تلك الكتلة التي تمَّ إعلانها في الجلسة البرلمانية الأولى وحسب، وإنّما الكتلة البرلمانية التي تُعلَن عند كلّ عملية تكليف مرشَّح جديد لرئاسة مجلس الوزراء، وذلك تحقيقاً لفلسفة إقامة الكتلة البرلمانية الأكبر التي تقوم على مُبّررَيْن هما:

المبرّر الأول: هو لحيازتها على أكبر نسبة من احتمالية حصولها على ثقة البرلمان من باقي الكتل البرلمانية الأخرى، بما يُسهّل عملية ولادة الحكومة بأسرع وقت.

المبرّر الثاني: هو لتمرير مشاريع الحكومة بعد انبثاقها بحكم توافر الثقل التصويتي الأكبر الداعم للمشاريع، الذي يتمثّل بتصويت أعضاء الكتلة البرلمانية الأكبر.

إذْ إنّ بقاء الرأيَيْن الأولَيْن، سيحول دون ولادة الحكومة فضلاً عن إمكانية تحقيق برنامجها الحكومي وتمرير مشاريعها لاحقاً، وبالتالي يتم إفراغ الكتلة البرلمانية الأكبر من فلسفتها، فتغدو سالبةً بانتفاء المحمول، كما يُعبّرون في علم المنطق، وكل ذلك سيؤثر على المصالح العامة للمجتمع بما ينعكس سلباً على استقرار النظام السياسي.

الصياغة المقترحة لمعالجة الأزمة الرئاسيةبقرار جديد من المحكمة الاتحادية

ينطلق الفقه الدستوري والقانوني في تشريعاته من مبدأ تحقيق المصالح العامة للمجتمع ودرء المفاسد عنه، ولذا نرى الدساتير تُعدّل على الرغم من سموّها، بل إنَّ القرآن الكريم وهو النصّ الإلهيّ المُقَدّس، قد تَضَمَّنَ آيات قرآنية نَسَخَت آيات سبقتها، بمعنى عَدَّلتْ أو عَطَّلَت أحكام الآيات التي سبقتها، لحكمة إلهيَّة استهدفت التدرّج في تربية وتكامل المجتمع الإنساني، وبذلك يمكن القول بنسخ وإلغاء أيّ قرار صادر عن أيّ مؤسسة مهما بلغ سموّها، طالما كان ذلك يُحقّق المصالح العامة للمجتمع، ولذا أقترح النصّ الآتي لمعالجة قرار المحكمة الاتحادية الذي قضى بانتقال الصلاحية الحصرية إلى رئيس الجمهورية في التكليف الثالث لرئيس مجلس الوزراء،

 والنصّ المقترح هو:

(نظراً لمقتضيات المصالح العامة للمجتمع وتجنّبا لأزمة الجمود السياسي المحتملة عند كل عملية تكليف لرئاسة مجلس الوزراء، تقرَّر إلغاء قرارنا السابق ذي العدد (٢٩ / اتحادية / ٢٠٢٠) الصادر في ١٦ / ٣ / ٢٠٢٠ الذي قضى بمنح رئيس الجمهورية الصلاحية الحصرية بتكليف مُرشَّح جديد لرئاسة مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ فشل التكليف السابق، ويحلُّ َمَحلَّه القرار الآتي:

 يُكَلّفُ رئيس الجمهورية مُرشَّحَ الكتلة النيابية الأكثر عدداَ التي يتمّ إعلانها عند كلّ عملية تكليف لرئاسة مجلس الوزراء، وليست التي تُعلن في الجلسة البرلمانية الأولى بعد إعلان نتائج الانتخابات وحسب، وذلك بهدف زيادة فرص انبثاق الحكومة، وتحقيق برنامجها الحكومي لوجود كتلة برلمانية أكبر داعمة لها خدمةً للمجتمع وتحقيقاً لمصالحه العامة، على وفق الفقرة (أولا)، و(ثالثا)، و(خامسا) من المادة (٧٦)، خلال خمسة عشر يوماً، من انتخاب رئيس الجمهورية، وعند كل عملية تكليف لرئاسة مجلس الوزراء).

الــخــاتــمــة

تبيّن في ما تقدَّم وجود تباين حادّ داخل السلطة القضائية، يُنذرُ بخطر جسيم، سيدخل النظام القضائي ومن خلفه النظام السياسي بمنزلق خطر جديد، كما يُعبّر بوضوح عن غياب المرجعية المؤسسية في النظام السياسي القائم،

وإذا كانت السلطة القضائية هي الملاذ المرتجى لفض نزاع السلطتين التشريعية والتنفيذية، فبمن تلوذ السلطة القضائية عند تنازع أجنحتها المؤسسية؟!

وهي بذلك مصداقٌ لقول الشاعر: إلى الماء يَسعى من يَغُصُّ بلُقمَةٍإلى أين يَسعى مَنْ يَغُصُّ بماء؟!

كما يصدق عليها ما قاله المتنبي:… فيك الخصامُ وأنت الخصم والحَكَم،

لا شَكَّ أنَّ ما يمرّ به العراق الجديد يُعد بمثابة الإرهاصات التي تقتضيها حداثة التجربة لكل نظام سياسي ناشئ يخوض تجربة ومخاض التحوّل الديمقراطي، والمدى الزمني اللازم لنضوج التجربة، ومقدار التضحيات الكفيلة بتحقيق الاستقرار للنظام السياسي والمجتمع، مرهونة بدرجة الوعي السياسي للقوى الفاعلة في المجتمع، وبمستوى النزاهة والوطنية لدى القوى السياسية المتصدّية لقيادة النظام السياسي،

 حفظ الله تعالى العراق العظيم وشعبه الكريم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق