أولى

العقوبات الأميركيّة في زمن كورونا:
جريمة ضدّ الإنسانيّة…!

 العميد د. أمين محمد حطيط _

 

من أجل السيطرة على العالم لا تتورّع أميركا عن استعمال أيّ وسيلة أو سلاح بصرف النظر عن مدى مشروعيته أو لاأخلاقيته أو لاإنسانيته. فالأساس لدى أميركا هو فرض السيطرة وإخضاع مَن يعارضها أو يعرقل سعيها لامتلاك قرار العالم حتى ولو تمّت هذه المعارضة في معرض ممارسة الآخر حقه بالحرية والسيادة والاستقلال واستثمار ثرواته الطبيعية.

وقد تصاعدت وتيرة استباحة أميركا لحقوق الدول والشعوب منذ أن تفكك الاتحاد السوفياتي الذي كان يقاسمها النفوذ والسيطرة على العالم ويضع بوجهها الخطوط الحمر التي تمنعها من الاستئثار بالقرار الدولي، حيث انطلقت أميركا بعد هذا الحدث بذهنية أنها القطب الأوحد في العالم الذي يجب ان تنصاع له المعمورة. وانطلقت معتبرة نفسها أنها الحاكم والقائد والشرطي والقاضي والجلاد لكلّ العالم، وأنّ حاكمها جاء بأمر إلهي وانّ العناية الإلهية اختارته ليكون الضابط والناظم لحكم المعمورة وحركتها، على حدّ ما قال جورج بوش قبل غزوه للعراق في العام 2003،العناية الإلهية اختارتني لأنقذ العالم، وكما ضمّن إعلانه الحرب على العراق بأنّ هدفهنزع أسلحة العراق، وتحرير شعبه، وحماية العالم من خطر قاتم محدق”.

أطلق بوش رئيس الولايات المتحدة هذا القول رغم انّ مجلس الأمن الدولي رفض طلب أميركا غزو العراق ورفض العمل العسكري ضدّه، ورغم هذا تصرّفت أميركا فوق الإرادة الدولية خلافاً للقانون الدولي ونفذت غزوها وتصرفت بذهنية أنها قائد العالم معتبرة انّ تفكك الاتحاد السوفياتي، وعدم قيام الندّ البديل المناهض وامتلاكها القوة بكلّ أنواعها العسكرية والعلمية والاقتصادية والإعلامية، يبرّر لها إقامة نظام عالمي بقيادتها الأحادية يمكنها من السيطرة على المعمورة ويعطيها الحق بأن تلزم العالم بالخضوع والاستسلام لإرادتها او التعرّض لما يفرزه غضبها عندما تصبّه عليه ناراً وحصاراً.

فأميركا المعتدّة بقوّتها والمزهوة بجبروتها تتعامل مع العالم على أساس أنه ميدان نفوذها وأن ليس لأحد حق بالاعتراض على أرادتها، وأسندت موقفها بإطلاق نظريات جديدة كنظريةالتدخل الدولي الإنساني المتقدّم على السيادة الوطنية لأيّ دولةونظرية العولمةالتي تسقط بموجبها الحدود الدولية أمام اجتياح الأقوى إلخوأعطت أميركا نفسها الحق بتقدير مصلحة الشعوب كما تراها هي وتعمل على فرضها وفقاً لتصوّرها، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الشعوب تقبل هذا او ترفضه. فهي مَن يقرّر وهي مَن يتصرف وتنتظر من الآخر الانصياع وإلا كانت العقوبة التي تختار هي نوعها وحجمها ونطاقها، تفرضها بشتى صنوفها المادية وغير المادية شاملاً ذلك الحرب والقتل والتدمير والحصار والتجويع إلى حدّ الموت.

لقد عانى ويعاني العالم من الاستبداد الأميركي المطلق خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة التي أعقبت أربعة عقود أخرى كان فيها نوع من التوازن الاستراتيجيّ الدوليّ الذي كان يقيّد او يحدّ من هذا الاستبداد، معاناة كانت بسبب ما قامت به أميركا من حروب وفتن وثورات مزيّفة بألوان أميركية متعدّدة مترافقة مع تدابير قسرية كيدية نفذتها تحت عنوانالعقوباتالتي تستهدف الدول والمنظمات والأشخاص وكلّ من يقوللالأميركا، التي لم تواجهها علانية ويرفض تسلطها وسياستها العدوانية إلا قلة من المكونات السياسية والشعبية في العالم والتي تبلورت نواتها الأولى في غربي آسيا، حيث تشكلت ما عرفت بالمقاومة، ثم قام محور يقاوم الغطرسة الأميركية الاستعمارية أساسه إيران وسورية وحزب الله وبعض المكونات الفلسطينية، ثم تعاظمت ظاهرة الرفض العالمي العلني للاستبداد الأميركي حتى باتت تشمل دولاً وكيانات وشخصيات وتيارات هامة برزت الصين وروسيا في مقدّمتها.

لم تعبأ أميركا كثيراً بمعارضيها وكانت شبه واثقة بقدرتها على ترويضهم وظنت بأنّ ما تملكه من قوة وعلاقات مع شركاء او حلفاء وفقاً لتسمياتها (في الحقيقة ليس لأميركا شريك او حليف، فأميركا لا تنظر إلى الآخر إلا على أنه تابع وأداة أو عدو وخصم، وأكد بوش الابن على هذه النظرة حيث قالمن ليس معنا فهو ضدّنا”) ظنّت أنها قادرة على إخضاع من يتجرّأ على رفض إرادتها، لكنها صدمت بنتائج المواجهة خاصة نتائج العقد الأخير حيث إنها رغم كلّ ما اعتمدته من تدابير عسكرية وسياسية وغير ذلك من الأعمال القمعية الزجرية ضدّ المناهضين لسياستها، لم تحقق أهدافها في السيطرة ولم يخضع أحد من المعسكر المناهض لها رغم ما نزل بهم من أضرار وخسائر مؤلمة.

لقد نجح معسكر رفض الاستبداد الأميركي في إفشال مساعي أميركا لإقامة النظام الدولي أحادي القطبية ومنع تشكل حالة دولية تكون فيها أميركا القائد الوحيد للعالم، ونجح ذاك المعسكر في الدفاع عن حقوقه رغم أنه لم يشكل حلفاً متماسكاً او منظومة دولية متحدة خلافاً لحال أميركا مع الحلف الأطلسي الذي تمسك به وتستعمله لتنفيذ سياستها الدولية بعد أن غيّرت طبيعته من دفاعية عن أمن الأعضاء إلى هجومية عدوانية لتنفيذ المصالح والأهداف الأميركية.

في ظلّ هذه النتائج السلبية أميركياً للصراع الدولي، حلّت جائحة كورونا في الصين التي اجتاح اقتصادها العالم وتقدّمت على أميركا فيه، وظنّ في البدء أنّ الأمر قد يكون نوعاً من حرب جرثومية تشنّها أميركا ضدّ عدوها الاقتصادي وأنه حلقة من سلسلة حروب لجأت إليها في ظلّ عجزها عن النجاح في المواجهات الأخرى، حرب تترافق مع ما يُقال من تحضيراتها للمواجهة العسكرية مع الصين، ثم تعزز الظنّ هذا عندما اقتحم الفايروس إيران ليجعلها الدولة الثالثة التي يجتاحها الوباء.

لكن تطوّر انتشار الجائحة وسقوط أميركا وشركائها في الحلف الأطلسي فريسة لهذا الفايروس وتقدّمهم كلّ دول العالم في حجم الإصابات والموتى جعل مطلقي نظرية الحرب البيولوجية يتراجعون أو يُخفتون الصوت للانصراف إلى التدقيق بمسائل أخرى أفرزها الفايروس كورونا خاصة في مجال نظام الرعاية الصحية الغربي، والعلاقة بين الحلفاء أعضاء الحلف الأطلسي، وتصرّف الشرق خاصة الصين وروسيا تجاه الغرب الأطلسي، وأخيراً أداء أميركا في معرض مواجهة الوباء.

1 ـ ففي النقطة الأولى تبيّن وضوحاً كم انّ نظام الرعاية الصحية في الغرب واهن وضعيف ويفتقد إلى الجهوزية لمواجهة وباء، وثبت أنّ الذهنية الرأسمالية المادية تغلب المصالح المالية للرأسماليين على الحاجات والحقوق الإنسانية للمواطنين. ما أكد زيف تشدّق الغرب بمقولة حقوق الإنسان التي يتخذها مبرّراً للتدخل في شؤون الدول والشعوب.

2 ـ وفي الثانية فقد ظهر جلياً انّ ما يربط أعضاء الأطلسي ببعضهم هو المصالح والنفعية دون المبادئ والإنسانية، فإذا استوجبت العلاقة التضحية والعطاء فلا يكون للعلاقة أثر او وجود، وأظهر البعض من دول الغرب الأوروبي قدراً من الأنانية وضع مصير الاتحاد الأوروبي كله ومستقبله تحت علامة استفهام كبيرة.

3 ـ أما في الثالثة فقد أكدت الصين وروسيا والشرق عموماً انّ الخلافات الاستراتيجية والسياسية لا تثنيهم عن تقديم المساعدات الإنسانية حتى للخصوم والأعداء، وانّ حاجة ومصلحة الإنسان كإنسان تتقدّم على أيّ اعتبار، وبذلك قدّمت هذه الأطراف نموذجاً فذاً عن التصرّف الإنساني خلافاً للتصرّف الغربي المعادي للإنسانية.

4 ـ أما في الرابعة فقد كانت الفضيحة الكارثة، حيث انهارت صورة أميركا على وجوه ثلاثةالأول داخلي حيث ظهر وهن الروابط الوطنية بين الولايات الأميركية ما ينذر بالتفكك، وعلى الصعيد التحالفي حيث ظهرت الخفة وعدم الاكتراث بمصائب الشركاء، أما الجريمة الكبرى فقد كانت في الأداء الأميركي ضدّ الخصوم خاصة سورية وإيران اللتين تتعرّضان لعقوبات أميركية إجرامية تفرضها أميركا خلافاً لقواعد القانون الدولي، حيث أصرّ ترامب على تشديد العقوبات بدلاً من وقفها ومنع عن إيران وسورية حاجاتهما من الدواء والمواد الأولية التي تستعمل في تصنيعه او في المجال البحثي لإنتاجه، ورأى في الوباء فرصة نادرة لتجعل العقوبات أكثر فعالية في تركيع الدولتين ما يعني أنّ ترامب انْ لم يكن هو مطلق الفايروس فهو مستثمر به بكلّ تأكيد.

لهذا نرى أنّ السلوك الأميركي في التمسك بالعقوبات على سورية وإيران، رغم الطلبات والمناشدات الدولية لرفعها وحتى من الداخل الأميركي، يُعتبر جريمة يؤدّي ارتكابها إلى منع التصدي لوباء بل يسهم في انتشاره، جريمة تتطابق عناصرها مع عناصر جريمة الإبادة الجماعية التي لا تسقط بمرور الزمن وتوجب أن لا يفلت مرتكبها من العقاب. فترامب ومن خلال إصراره على العقوبات ضدّ سورية وإيران وغيرهما رغم التهديد الوبائي الخطير الذي تتعرّضان له إنما يرتكب جريمة ضدّ الإنسانية لا يمكن اعتبارها جزءاً من حروبه ضدّ الدولتين بل تشكل ملفاً قائماً بذاته منفصلاً عن كلّ ما عداه، ملفاً بعنوانجرائم ضدّ الإنسانيةبحق شعبي سورية وإيران، جرائم تحيل مرتكبها إلى مجرم دولي لا يستحق أن يوكل إليه شأن في قيادة العالم

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى