أولىكتاب بناء

ما بعد 24 نيسان…!

زياد حافظ*

لبنان بعد 24 نيسان 2020 لن يكون كما كان قبل ذلك، وبالتأكيد ليس كما كان قبل 17 تشرين الأول 2019. ماذا حصل في هذين اليومين؟ في 17 تشرين الأول انتفض الشعب اللبناني ضدّ طبقة سياسية فاسدة مطالباً بالمحاسبة والإصلاح في آن واحد. فإذا كان 17 تشرين الأول تاريخ انتفاضة الشعب اللبناني على الطبقة السياسية فإنّ تاريخ 24 نيسان هو إمكانية بداية انتفاضة رئيس الحكومة حسّان دياب على الطبقة السياسية. فكلمة الرئيس دياب تأتي في سياق إطلالته على اللبنانيين منذ بضعة أسابيع عرض فيها برنامجه الإصلاحي وبثقة ووضوح أثارت الإعجاب وبعثت الآمال. أما كلمته في 24 نيسان فأظهرت الرئيس الذي يتمنّاه اللبنانيون عندما اخترق الخطوط الحمر في إشارته الى الجهات التي تعرقل جهود الحكومة وخاصة في ما يتعلّق بحاكم مصرف لبنان، المندوب الفعلي لتنفيذ السياسة الأميركية في لبنان.

المهمّ أنّ الرسالة التي وجّهها الرئيس دياب لبعض رموز الطبقة الفاسدة ولحاكمية مصرف لبنان تحمل بنظر البعض تحوّلات لم يكن يعتقد اللبنانيون إمكان تحقيقها ضمن الموازين القائمة. لكن في رأينا فإنّ موازين القوّة الدوليّة والإقليميّة تغيّرت بشكل واضح لصالح القوى التي ترفض الهيمنة الأميركية. لكن استيعاب هذا التغيير ما زالت تشوبه رواسب حقبة ماضية يصعب التخلّص منها لأسباب عديدة موضوعية وذاتية لسنا في إطار تعدادها في هذه المقاربة. فهذه الرواسب تتعلّق بتجذّر المجتمع الطائفي العميق (بدلاً من الدولة العميقة) وبارتباطات رموز ذلك المجتمع بالخارج وتحكّم قاعدة اللعبة الصفريّة بين الأفرقاء، حيث «مكسب» فريق هو حتماً «خسارة» للفريق المنافس بغض النظر عن المصلحة الوطنية. كما أنّ الاقتصاد الريعيّ الذي أوجدته العلاقة بين المجتمع العميق والخارج أنتجت الفساد كأداة لتوزيع المغانم وفقاً لسلّم الولاءات المتحرّكة من حين إلى آخر.

لكن كيف يمكن للرئيس دياب وحكومته الاستفادة من تلك القراءة للموازين الجديدة التي ترعب رموز المجتمع الطائفي العميق وامتداداته الخارجية؟ الخطوة الأولى تكمن في التصدّي للقوى التي تعرقل جهود الحكومة في إعادة هيكلة الدين العام والقطاع المصرفي وهي حاكمية مصرف لبنان. فـ «الخط الأحمر» الذي تريد فرضه الإدارة الأميركية في حماية حاكمية مصرف لبنان هو يقين المعركة للإصلاح. لا يمكن أن تنجز الحكومة اللبنانية إصلاحاً ما طالما الحاكمية في مصرف لبنان في شكلها الحالي. مسألة إعادة بنية القطاع المصرفي بدءاً بحاكمية المصرف المركزي ليست مسألة قانونية كما يدّعي البعض بل واجب وطني. فهناك أكثر من مخالفة ارتكبها النظام المصرفي وعلى رأسه الحاكمية منها عدم القيام بواجبها في حماية الليرة. وهنا المفارقة أن تكون نهاية سياسة حماية الليرة الممتدة على ثلاثة عقود بعكس ذلك! لسنا هنا في إطار تعداد المخالفات والإخلال بالثقة العامة من قبل الحاكمية بل إن المسألة تستوجب قطع العقدة الغوردية بأسرع وقت ممكن. والعقدة الغوردية تعود إلى الامتحان الذي واجهه إسكندر المقدوني بحلّ كتلة الخيوط التي شكّلت عقدة اسطورية في مقاطعة غورديوم في غرب الهضبة الأناضولية والتابعة آنذاك للحكم الفارسي. وفكّ العقدة كان امتحاناً لمن يطمح أن يفتح آسيا فلم يستطع أحد فكّها لأنه كان من المستحيل لأيّ طامح أن يجد طرفا يبدأ من خلاله فكّ العقدة. ما قام به إسكندر المقدوني هو القطع بالسيف للعقدة فاستطاع فتح آسيا. ليس المطلوب من الرئيس دياب وحكومته فتح آسيا بل القضاء على رأس الحربة للمشكلة المفتعلة في الأزمة المالية والنقدية. فهل يقدم الرئيس دياب وحكومته على ذلك؟ أم المسألة تنتهي بتسوية على الطريقة اللبنانية لا يموت فيها الذئب ولا يفنى الغنم؟

صحيح أنّ حاكمية مصرف لبنان هي المنفّذة لسياسات حكومات سابقة منذ 1993 ولكن هذا لا يعفيها عن المسؤولية في المشاركة. كان بإمكانها الاستقالة وكشف أبعاد تلك السياسات المضرّة بالمصلحة الوطنية. كما أشار إليها آنذاك عدد من خبراء ونوّاب، بل العكس فقامت بهندستها وترويجها والدفاع عنها وما زالت، وذلك بكلّ أبعاد معنى الكلمة. المشكلة التي تواجه رموز الطبقة الفاسدة تكمن في أن الحاكمية تحمل أسرارها وتستطيع فضحها. ومن هنا نرى رموز هذه الطبقة الفاسدة تعطيها الغطاء السياسي للاستمرار. حملها لهذه الأسرار قد تكون بوليصة التأمين لها لكن أيضاً هي مصدر تهديد لها من قبل موضوع الأسرار التي تحملها. لا ندري مدى الحماية الداخلية والخارجية التي يمكن أن تستفيد منها لكن يمكن أن تتحوّل الحاكمية إلى عبء عليها. المجتمع الطائفي العميق وامتداداته الخارجية قد يقدم على التضحية برمز ثمين للحفاظ على ما تبقّى. عصابات المخدّرات في اميركا الشمالية والوسطى «تتفاهم» من حين إلى آخر مع رموز السلطة وتضحّي ببعض الرموز وببعض الكميّات من المخدّرات لحماية الوضع القائم عبر «تلميع» صورة الشرعيّات القائمة. فهل تقدم الحاكمية على «تفاهم» ما مع السلطة وتقدّم قرباناً من بعض رموز الطبقة الفاسدة أو هل يقدم المجتمع الطائفي العميق على تفاهم مع الحكومة لحماية الأهمّ عبر التضحية بالحاكمية؟ أسئلة مطروحة ولكن هل يخطو الرئيس دياب وحكومته الخطوة ويقطع الطريق على «المساومات» التي يمكن أن يطرحها المجتمع الطائفي العميق مع امتداداته الخارجية؟

قطع العقدة الغوردية تساهم إلى حدّ بعيد في تنفيذ رحلة الإصلاح والخروج من الأزمة. فلا إعادة هيكلة الدين العام ممكنة من دون مشاركة مصرف لبنان، ولا إمكانية إعادة هيكلة القطاع المصرفي من دون المشاركة الأساسية لمصرف لبنان ممكنة ولا إمكانية لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني من دون إعادة هيكلة الدين العام والقطاع المصرفي. لذلك تبدأ الرحلة بمصرف لبنان وهذه هي الخطوة الأولى.

من جهة أخرى هناك خرافة أن وجود الحاكم الحالي ضرورة لاستقرار الوضع النقدي وأنّ غيابه قد يطيح بودائع المودعين في القطاع المصرفي. هذا نوع من الابتزاز لعدم المساس بشخصه. في رأينا هناك كفاءات عديدة تستطيع أن تقوم بالمهام الموكلة لحاكمية مصرف لبنان. من هذه الكفاءات وزير سابق، ومسؤول إداري كبيرة في وزارة سيادية، وخبير سابق في إحدى المنظمات المالية الدولية، وجميعهم على قدر كبير من المسؤولية التقنية والسياسية والوطنية اللازمة. لبنان غني بالكفاءات الذين يستطيعون بدورهم تعبئة المزيد من الكفاءات لإنقاذ الوضع الاقتصادي.

فهل سيُقدم الرئيس دياب وحكومته على تلك الخطوة وهو الرجل الذي أظهر صفات عديدة في وضوح الرؤية والتروّي في الخطوات والصلابة في وجه العراقيل والانتقادات؟ وهنا نكرّر ما ذكرناه سابقاً أنّ شرعية الرئيس دياب وحكومته الدستورية هي في مجلس النوّاب بينما شرعيتهما السياسية هي في انتفاضة الشعب اللبناني في 17 تشرين الأول 2019. وإذا استطاع ان يحظى وحكومته بتأييد المزاج الشعبي المناهض للفساد فعليهما ألاّ يخشيان الآخرين سواء كانوا من الداخل أو الخارج. الكرة قد لا تكون في ملعبهما بل في القوى الداعمة له التي تنظر إلى اللوحة العامة وليس فقط إلى المشهد المالي. فالضغوط الأميركية كبيرة وليس من السهل تجاوزها من قبل القوى الفاعلة التي تساند مبدئياً الرئيس دياب وحكومته. من الواضح أنّ كلّ خطوة يتقدّم بها الرئيس دياب وحكومته تحظى بتأييد شعبي وارتياح لكن هل هذا كاف في مواجهة الصراع مع الموقف الأميركي؟ فالصراع ليس داخلياً كما يتصوّره البعض بل هو جزء من الصراع الكوني الذي تشهده المنطقة والعالم برمّته وإن كان البعد اللبناني محطّة اهتمام اللبنانيين فقط. الأوراق التي يمتلكها الرئيس حسّان دياب وحكومته ليست ببسيطة، ولكن هل هي كافية لتمكينهم من اجتياز العراقيل التي توضع في وجههما؟ عليهما أن يأخذا بعين الاعتبار تداعيات الصراع القائم في المنطقة مالياً وأمنياً وفي لبنان وخاصة على القوى التي تسانده.

من ضمن هذه الأوراق التي يمتلكانها أن لا بديل لهما في الظرف الراهن. فالظروف غير مؤاتية لتشكيل حكومة بديلة كما أنّ إجراء انتخابات مبكرة مستحيلة في الظرف الراهن. هذا لا يعني أنّ الرئيس حسان دياب يستطيع أن يستغني عن المشاورات مع الكتل النيابية الرئيسية، ولكنه لا يجب أن يكون أسيراً لها. فتحديد الأولويات التي لا يمكن المساومة عليها تساعده في اتخاذ الإجراءات اللازمة بدعم من الشعب اللبناني. والمعضلة هنا في تحديد الأولويات التي تعود إلى تسمية الأشخاص في مشاريع الحكومة للإصلاح. في المقابل هناك عامل الحراك الشعبي، فإذا كان الحراك الشعبي مشلولاً بسبب الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي فوسائل التواصل قد تكون بديلة عن ذلك. فعبرها تمّ إطلاق الانتفاضة وهي قد تكون الحاملة للتغيير إذا استطاع الرئيس وحكومته قيادتها. فالحكومة حتى هذه الساعة برهنت أنه بإمكانها مواجهة وتجاوز جائحة كورونا. يبقى عليها أن تبرهن أنها تستطيع مواجهة كورونا الفساد. فغالبية اللبنانيين يضعون آمالهم في هذه الحكومة ورئيسها لما أظهروه من جدّية في معالجة ملفّات ضاغطة أبرزها أزمة كورونا. هذا هو التحدّي الأكبر للرئيس حسان دياب وحكومته فهل يستطيعان تلبية النداء؟

 

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق