مقالات وآراء

«اتفاق 17 أيار»… ومحاولة التخلص من المقاومة التي أسقطته وهزمت القوة التي لا تقهر…

} حسن حردان

تحلّ ذكرى اتفاق الذل والإذعان، اتفاق 17 أيار، الذي وقع بين السلطة اللبنانية عام 1983، والعدو الصهيوني، الذي كان جيشه يحتلّ لبنان آنذاك.. والذي استهدف من الاتفاق جعل لبنان محمية صهيونية وتشريع العلاقات رسميا مع كيان العدو الصهيوني ليكون لبنان البوابة الصهيونية الثانية في المشرق العربي، بعد أن نجح قادة العدو في تحويل مصر إلى بوابة أولى من خلال توقيع اتفاقيات كامب ديفيد معها، وكان المايسترو وطابخ هذه الاتفاقيات، في الحالتين، وزيرا خارجية أميركا هنري كيسنجر وجورج شولتز

الحديث عن اتفاق17 أيار والظروف التي أحاطت بولادته واهدافه، يكتسب أهمية هذه الأيام انطلاقاً من المحاولات الدؤوبة لإعادة إنتاج مثل هذا الاتفاق، والسعي إلى تشريع وجود هذا الكيان الغاصب الاستعماري على أرض فلسطين العربية المحتلة، ومحاولة النيل والتخلص من المقاومة التي هزمت الجيش الصهيوني الذي قيل يوماً إنه لا يُقهر، وأسقطت اتفاق 17 أيار ودشنت عصر قوة لبنان بمقاومته وشعبه وجيشه، واضعة نهاية لمقولة «قوة لبنان في ضعفه» التي كانت تجعل من لبنان فريسة سهلة لاعتداءات وأطماع العدو الصهيوني.

لكن مع ذلك لا زال قادة العدو «الإسرائيلي» يحلمون بإعادة لبنان إلى كنف الوصاية والهيمنة الأميركية الصهيونية ليبقى ساحة للتآمر على العرب، ويعبثون من خلالها بأمن الدول العربية التحرّرية، وفي المقدّمة سورية التي دعمت المقاومة وأسهمت في إسقاط 17 أيار وصناعة انتصار المقاومة عام الفين والذي نحتفل فيه بعد أيام في 25 أيار الحالي.. ولهذا عملوا وما زالوا يعملون للقضاء على المقاومة التي شكلت المثال في إثبات القدرة على مقاومة جيش الاحتلال «الإسرائيلي» وإلحاق الهزيمة المذلة به

لقد جاء القرار1559 «الإسرائيلي» الصنع كمحاولة أولى لإحداث انقلاب في لبنان ضدّ المقاومة ولإعادته إلى فلك الوصاية الأميركية الصهيونية، ولدى فشل الإنقلاب بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 شنّ العدو محاولة ثانية، حربه العدوانية على لبنان سنة 2006 بدعم غربي وغطاء من بعض الأنظمة العربية، لسحق المقاومة وضرب المثال الذي قدّمته في مقاومة الاحتلال وإمكان هزيمته وتحرير فلسطين والأراضي العربية. لكن فشل هذه الحرب وانتصار المقاومة التاريخي والاستراتيجي ضاعف القلق الأميركي الصهيوني، ودفع واشنطن و»تل أبيب» إلى التحضير لمحاولة ثالثة تمثلت في تنظيم الحرب الإرهابية على سورية لإسقاط نظامها المقاوم الذي كان له دور مهمّ في تمكين المقاومة من الصمود وتحقيق نصر تموز، ولهذا الغرض حشدت جيوش الإرهابيين من أنحاء العالم وقدمت إليهم مختلف إشكال الدعم العسكري والمالي والتسهيلات من دول جوار سورية، وشُكل تحالف دولي إقليمي عربي وفر الدعم السياسي لهؤلاء الإرهابيين، ومع ذلك فشلت هذه الحرب الأمريكية الصهيونية الرجعية في تحقيق أهدافها في السيطرة على سورية وتحويلها إلى دولة عميلة ومتابعة للاستعمار، وها هي سورية بقيادة الرئيس المقاوم الدكتور بشار الأسد تقف على أعتاب إعلان تحقيق النصر النهائي ضدّ أشرس حرب كونية إرهابية قادتها إدارة العدوان والارهاب العالمي في واشنطن..

إذا كان أمراً طبيعياً أن يعمل أعداؤنا على محاولة إنتاج اتفاق 17 أيار جديد، بلوغاً إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال محاولة إسقاط سورية، ظهير المقاومة، كي يسهل بعد ذلك القضاء على المقاومة، فمن غير الطبيعي أن تنخرط قوى لبنانية وعربية، بأشكال مختلفة، في هذه الحرب ضدّ المقاومة وسورية وعموم جبهة المقاومة، والسعي إلى إعادة إنتاج ظروف مماثلة لتلك الظروف التي أنتجت اتفاق 17 أيار..

إنّ بعض الأصوات الداخلية التي وقفت مع الاتفاق ودافعت عن الاتفاق وصوّتت له هي نفسها لا تزال تنخرط في الحرب الناعمة الأميركية الصهيونية لتشويه صورة المقاومة والإساءة إلى سمعتها في سياق العمل للنيل منها.. وهذه الأصوات هي التي تستمرّ في الدفاع عن الاتفاق وتصويره على أنه يحقق ما سموه جلاء القوات «الإسرائيلية» عن لبنان، بينما تشكل جميع بنود الاتفاق انتقاصاً من سيادة لبنان واستقلاله وتعطي «إسرائيل» مكاسب أمنية وسياسية واقتصادية كانت في طليعة الأهداف التي سعت إليها من اجتياح لبنان سنة 1982 إلى جانب ضرب المقاومة الفلسطينية وتنصيب نظام موالٍ لها في بيروت، والعمل على محاصرة سورية تمهيداً إلى محاولة فرض الاستسلام عليها، بعدما فشلت جميع محاولات الترغيب والترهيب والحصار وتقويض استقرارها الداخلي بثنيها عن التشبث بمواقفها الوطنية والقومية والدفاع عنها.

إنّ الذين يدعون الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله اليوم، والذين يشكّكون في صدقية ومناقبية المقاومة، كان بعضهم في طليعة من وقّع على الاتفاق وصوّت وسوّق له، والبعض الآخر لم يطلق طلقة واحدة ضدّ الاحتلال بل استقبل قادة العدو وسهل لهم دخولهم، ولم يتوان عن لعب دور أمني في حماية الاحتلال من عمليات المقاومة.

فهذا الاتفاق الذي صدّق عليه مجلس النواب اللبناني بتاريخ 13/6/1983 لم يرفضه من النواب، سوى النائبين زاهر الخطيب ونجاح واكيم، اللذين يسجل التاريخ لهما هذا الموقف المقاوم المشرّف للاحتلال وعملائه.. ولقد تمّ التوصل إلى الاتفاق بعد مفاوضات طويلة بين الجانبين «الإسرائيلي» واللبناني، وبرعاية أميركية مباشرة، في ظلّ ظروف وتطورات مهّدت للاتفاق.

ما هي تلك الظروف؟

1 ـ احتلال قوات الجيش «الإسرائيلي» لمعظم الأراضي اللبنانية، بما فيها العاصمة بيروت، وسيطرته على سائر المرافق الحيوية في البلاد، بعد انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة الأميركية، وبلغ عدد القوات «الإسرائيلية» التي اجتاحت لبنان 120 ألف جندي.

2 ـ إجراء انتخابات لرئاسة الجمهورية في ظل الاحتلال وإشرافه وتدخله المباشر بدعم ترشيح بشير الجميّل الذي سارع البرلمان اللبناني، بضغط من «إسرائيل»، إلى التعجيل في عملية انتخاب أمين الجميّل، شقيق بشير الجميّل، بعد مقتل الأخير.

انطلقت المفاوضات بين فندق ليبانون بيتش في خلدة قرب بيروت، ومستوطنة «كريات شمونة» في فلسطين المحتلة قرب الحدود مع لبنان.

3 ـ قيام نظام أمين الجميّل بالتنسيق مع الاحتلال بحملة قمع منظمة للقوى الوطنية واعتقالات واسعة للقيادات والعناصر الوطنية، وحصل تواطؤ مع جيش الاحتلال في ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا التي استهدفت بث الرعب في صفوف المواطنين وخلق مناخات من الاستسلام ومحاولة قتل إرادة المقاومة، والانتقام في الوقت ذاته.

4 ـ ممارسة عملية ترهيب وترغيب مع النواب، لدفعهم إلى الموافقة على الاتفاق أو الامتناع عن معارضته، وحصل تهديد مباشر للنواب الذين أعلنوا رفضهم للاتفاق إذا ذهبوا إلى الجلسة العامة في 17 أيار. (زاهر الخطيب، ونجاح واكيم).

هذه الظروف الذي نشأ فيها اتفاق 17 أيار المشؤوم ووقع عليه البرلمان اللبناني، تشير إلى أنه فُرض بالإكراه وقسراً في ظلّ الاحتلال والسيطرة «الإسرائيلية» الكاملة والضغط المباشر، وكان نظام أمين الجميّل من أشدّ المتحمّسين له.

يؤكد القانون الدولي في هذا المجال أن الاتفاقات التي تبرم في ظلّ الاحتلال باطلة بطلاناً مطلقاً أو قابلة للإبطال من قبل الدولة المقهورة، علماً أنّ لبنان كان عهدذاك مسلوب الحرية ومنتقص الإرادة، ولذلك فإن مثل هذا الاتفاق سمي باتفاق الإكراه والإذعان والاستسلام لشروط الاحتلال «الإسرائيلي».

إذاً كانت هذه الظروف التي جرى في ظلها إنضاج وتوقيع الاتفاق، فإنّ فكرة توقيع اتفاق صلح مع لبنان نشأت بعدما رأت «إسرائيل» أنّ اتفاقيات كامب ديفيد لم تلبّ أهدافها لناحية تحقيق الانفتاح الاقتصادي معه، وتحويل مصر إلى جسر عبور للدول العربية، بل رأت أنّ الفرصة مواتية لبلوغ ذلك عبر لبنان الذي اختير محطة ثانية بعد مصر لعدة عوامل ومبررات أبرزها:

العامل الأول: إن لبنان يشكل المنافس الاقتصادي الأول لـ«إسرائيل» والعقبة الأهمّ أمام أطماعها في تحقيق الهيمنة والسيطرة على الدول العربية، ولذلك أرادت استغلال روابط لبنان مع الدول العربية لتحقيق ذلك.

العامل الثاني: حالة التمزّق التي كان يعيشها لبنان نتيجة الحرب الأهلية، والتي اتخذت منحى تآكلياً فيما انهارت مؤسسات الدولة وتضرّر الاقتصاد اللبناني كثيراً.

العامل الثالث: التذرّع بأمن «إسرائيل» لتبرير اجتياح لبنان واحتلاله إن بحجة وجود المقاومة الفلسطينية، أو بحجة الدفاع عن المسيحيين.

العامل الرابع: توافر مناخ شجع «إسرائيل» على الاجتياح ويتمثل ببعض القوى المتعاملة والمتعاونة معها ولم تكن تخفي تأييدها لإقدام «إسرائيل» على غزو لبنان كي تتمكن، عبر الاستقواء به وبواسطته، من السيطرة على الحكم في البلاد.

إنها الظروف التي أنتجت توقيع اتفاق 17 أيار المشؤوم ونشوء الفكرة «إسرائيلياً» لاختيار لبنان كثاني بلد عربي بعد مصر لتوقيع اتفاق صلح مع «إسرائيل»، في سياق المخطط «الإسرائيلي» الأميركي الهادف إلى تشريع وجود الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين وجعله كيان طبيعي في المنطقة يملك جميع مقومات التفوق والهيمنة فيها، كما قال وأوضح موريس الجميّل في كراس له تحت عنوان «اسرائيل وسياسة النعامة».

انطلاقاً مما تقدّم، ان ما تتعرّض له المقاومة اليوم من حرب ناعمة تشنها ضدّها واشنطن والدول والأنظمة التابعة لها، إنما يندرج في سياق السعي الى تحقيق:

1 ـ محاولة اضعاف والقضاء على المقاومة، التي أسقطت اتفاق 17 أيار والحقت الهزيمة بجيش الاحتلال وحطمت اسطورته عامي 2000 و 2006.

2 ـ إعادة إخضاع لبنان إلى الهيمنة الاستعمارية.. وخصوصا بعدما أصبحت المقاومة تشكل العقبة الكأداء امام هذا المشروع الاستعماري وتسهم في اضعاف سيطرته في المنطقة، وكذلك بعد ان تحولت المقاومة إلى قوة رادعة تحمي لبنان وثرواته من الاعتداءات والأطماع الصهيونية، وتهدد وجود الكيان الغاصب وتجعله في حالة قلق على وجوده، لا سيما بعد انتصارات محور المقاومة في سورية واكتساب المقاومة المزيد من الخبرات والقدرات في الحرب ضد جيوش الإرهاب..

من هنا فإنّ الالتفاف حول المقاومة والتمسك بالمعادلة الماسية، جيش وشعب ومقاومة، هو الضمانة التي أثبتت انها القادرة على حماية لبنان من العدوانية والأطماع والصهيونية، ومنع إعادة لبنان إلى زمن الخضوع للمحتل الصهيوني، والحيلولة دون إنتاج اتفاق مشابه لاتفاق ١٧ إيار المشؤوم الذي اسقطته المقاومة الشعبية والمسلحة وتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق