مرويات قومية

كلمة في سيادة المطران جبران رملاوي

 

الامين د. ادمون ملحم 

كنت تحدثتُ عن الاب، فالمطران جبران رملاوي في اكثر من نبذة، ثم نشرتُ عنه نبذة خاصة تحدثت فيها عن بدء معرفتي به حين كنت (وكان) في «مدرسة مار الياس بطينا» ، الى موضوع انتمائه الى الحزب، فلقائي الاخير به حين كنت في زيارة حزبية الى سدني.

من حضرة الامين د. ادمون ملحم هذه الكلمةالرثاء كتبت على اثر وفاة سيادة المطران جبران الرملاوي ونشرت في العدد العاشر (آذار 1999) من مجلة «الزوبعة»، وكان الامين ملحم يتولى في حينه مسؤولية ناظر الاذاعة والاعلام في منفذية ملبورن.

ل. ن.

* * *

الموت في العقيدة المسيحية هو انفصال بين الجسد الترابي الفاني والروح الباقية الخالدة.. فالجسد هو مسكن مؤقت للروح معرَّضٌ في أية لحظةٍ من اللحظاتِ للملاشاة والإنحلال والفناء بعد ان تنفصل عنه الروح وتنطلق إلى عالم الخلود.

هذه الحقيقةُ التي تُعبِّرُ عن الموت الحتمي للجسد نجدها أيضاً في العقيدة القومية الإجتماعية التي تعتبر أن الأجساد ساقطة لا محالة ولكن النفوس تبقى حية خالدة بأعمالها وأخلاقها.. وبهذا المعنى يقول سعاده العظيم: «قد تسقط أجسادنا اما نفوسنا فقد فرضت حقيقتها على هذا الوجود ولا يمكن ان تزول».

إن التاريخ سجَّلَ وما زال يُسجّلُ لنا ألوف الوفيات من مختلف الأجناس والأديان. فالموت حقيقة شاملة لجميع البشر ولا يمكن ان يفلت منها إنسان مهما طال عمره. وبالأمس القريب، وفي لحظة مباغتة، جاء الموت ليخطف جسداً سكنته روح مؤمنة بخالقهافي تلك اللحظة، توقَّفَ القلب وسقط الجسد الطاهر وصعدت الروح النبيلة إلى ملكوت السموات لتواجه خالقها ولتعانق أرواح المؤمنين الخالدين في فسيح جناته.

هكذا رحل رجل الدين والورع، صاحب السلطة الروحية والمركز المتقدم في هرمية طائفته الأرتوذكسية الكريمة وفي مجلس الكنائس المسيحية، سيادة المطران جبران الرملاوي السامي الإحترام.

رحل رجل الإيمان والمحبة وبرحليه فقدت جاليتنا السورية قيمة روحية وأخلاقية سامية عُرفت بنزاهتها وبتجردها وتميزت بوعيها لجوهر الدين وأغراضه وبإيمانها الكبير برسالة السيد المسيح وبتعاليمه المناقبية.

وبرحيل سيادته فقدت جاليتنا إمكانية إجتماعية جليلة بأعمالها وبمحبتها للخير العام ومعروفة بمواقفها المتصدية للتعصب الديني والمذهبي والداعية لفصل الدين عن الدولة وللتسامح والآخاء القوميين. ففي كل طروحاته وعِظاته، كان سيادته يُشدِّدُ على نبذ التخاصم والتنابذ والعنف والحقد ويدعو للمحبة والتعاطف والتآخي بين أبناء الشعب الواحد..

وبرحيل سيادته الذي كان سخياً بكتاباته وأبحاثه المتناولة شؤون اللاهوت والفلسفة والإجتماع والثقافة وغيرها من المجالات نكون قد فقدنا قيمة فكرية متفوقة، متميزة بخبرتها وموضوعيتها ومتسلحة بسعة إطلاعها وبجرأتها على قول الحقيقة وكشف الأضاليل.

وبرحيله فقدت جاليتنا بكل طوائفها وأبنائها رجلاً وطنياً بكل ما للكلمة من معنى. فسيادته كان يوزع محبته لأبناء شعبه من كل الطوائف وكان يفتخر بولائه لكل الوطن. كان يجهر بإنتمائه القومي ويؤمن بحقيقة وطنه العلمية التاريخية وبوحدته الأثنيةالجغرافيةكان صوتاً مدافعاً عن الحق القومي ورافضاً للإغتصاب الصهيوني وشاجباً لأعماله البربرية. وإقتداءً بالسيد المسيح، كان حاملاً سوطه ضد تجار الهيكل وعبّاد الطوطم الذين يدمّرون حضارتنا ويدنّسون مقدساتنا في فلسطيننا المغتصبة وفي أورشليم الكنعانية، مدينة القداسة والسلام.. فمن منا لم يسمعه عبر الإذاعات أو يقرأ  له في الصحف مستنكراً مجازرهم الوحشية وكاشفاً أضاليلهم الدينية وداحضاً إدعاءاتهم الكاذبة ومدافعاً عن حقنا وملكيتنا لفلسطين؟

في وداعك أيها الراحل الكبير، يعجز القلم عن وصف صفاتك وخصالك وعن اختصار عطاءاتك السخية وأعمالك الصالحة. الموت فاجئك وهذا مصير الإنسان في أية لحظة. فكما يقول زعيمنا الخالد، «كلنا نموت، ولكن قليلين منا من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة». وعزاء أبناء النهضة السورية القومية الإجتماعية الذين عاشروك وعرفوك في الوطن وفي المغتربات، أنهم سيتذكرون مواقفك الجريئة ووطنيتك المخلصة وتفانيك في سبيل خير الإنسان وسعادته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق