أولىكتاب بناء

الإقليم والإجراء «الإسرائيلي»

سعاده مصطفى أرشيد*

 

يتداول الإعلام الغربي والعبري منذ فترةٍ أخباراً حول حقيقة الموقف العربي من إجراءات ضمّ أجزاء من الضفة الغربية، ففي حين تعلن دول عربية أنها لا توافق على تلك الإجراءات تكشف الصحافة أنّ (القوم في السرّ غير القوم في العلن) فمواقفها الحقيقية هي غير ما تعلن حيث إنّ هنالك رسائل متبادلة بين تلك الدول والحكومة «الإسرائيلية» السابقة والحالية تظهر أنّ تلك الدول تبدي تفهّماً للإجراء الإسرائيلي المتعلق بالضم وكذلك لحاجات «إسرائيل» الأمنية والاستراتيجيّة التي قضت باتخاذ ذلك القرار حتى ولو كان ذلك على حساب الفلسطينيين وبرغم مخالفته للقانون الدولي والقرارات الصادرة عن المحافل الأمميّة.

هذا في حين أنّ نتنياهو ما فتئ يؤكد على المعلومات الواردة أعلاه بطريقته المتعالية، ويقول إنّ عملية الضمّ لن تلحق أضراراً بالعلاقات مع مصر والأردن وهي لا تؤثر سلباً على اتفاقيات السلام المعقودة بين البلدين و»إسرائيل»، ثم يمضي ليؤكد أيضاً على أنّ الإجراءات الإسرائيلية لن تؤثر على عمليات التطبيع الجارية مع دولٍ عربية أخرى، ويرى أنّ معاهدات السلام والعلاقات التطبيعية هي حاجات وضرورات لمصر والأردن والدول العربية المطبّعة أكثر منها حاجة «إسرائيلية». ما قد يعرقل عملية الضمّ وقد يؤجّلها لبعض الوقت مواقف غير عربية أو فلسطينية، فمجلس المستوطنات الإسرائيلية في الضفة

الغربية مثلاً يرى أنّ الخرائط التي أعدّتها اللجنة الإسرائيليةالأميركية المشتركة لا تعطي أرضاً كافية لهم وبالتالي نراهم يعارضون عملية الضمّ الحالية لأنهم يريدون أرضاً أكثر.

الدول التي يرد ذكرها في الإعلام هي الأردن ومصر والسعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي ولم يصدر عن أيّ منها ما ينفي تلك الأنباء، لهذه الدول مشتركاتها السياسية، ولكن لكلّ منها خصوصياتها أيضاً التي تضخمت وتورّمت في غياب التضامن العربي والمتغيّرات السياسية الإقليمية والعالمية، فجعلت من حسابات البقاء السياسي لدى حكامها وحكوماتها تتفوّق على قضايا المصالح العليا للأمة ومسائل الأمن القومي.

في مصر لا يزال السيسي يعاني من مسألة الشرعية وتثبيت حكمه، ومع مصاعبه المالية وانتشار وباء كورونا كان قد تقدّم بطلب قرض مستعجل من البنك الدولي وحصل عليه وهو بصدد التقدّم بطلب قرض جديد، من المعروف أنّ البنك الدولي لا يقدّم القروض بناء على النظريات المصرفية والحسابية أو كما يدّعي على مقدار التزام الدولة طالبة القرض بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وإنما بقدر التزامها بسياسات الدولة الأهمّ في البنك الدولي (الولايات المتحدة). يعاني السيسي من التواجد التركي في ليبيا الذي جعل من حفتر يتراجع وينهزم أمام السراج المدعوم من أردوغان، كما يعاني أيضاً من الإرهاب وداعش التي لم تعُد متواجدة في سيناء وحسب وإنما في ليبيا ايضاً، ولكن أخطر ما يعاني منه هو العدو الإثيوبيّ والتهديد المائيّ المتمثل في مشروع سدّ النهضة الذي من شأنه أن يؤدّي إلى عطش مصر والسودان، هذا العدو الإثيوبي يملك علاقات ممتازة مع الأميركان والإسرائيليين، حيث أنّ شركات المقاولة الإسرائيلية هي صاحبة الدور الأهمّ في تشييد السدّ. من هنا فإنّ السيسي بحاجة للإسرائيليين لأمنه وبقائه أكثر من حاجته لخصامهم، وهذا ما يفسّر موقفه من عملية الضمّ.

السعودية وإنْ أعلنت رفضها إعلامياً لأية إجراءات أحادية ولأيّ انتهاكات لقرارات الشرعية الدولية ولكلّ ما يقوّض فرص السلام والاستقرار في المنطقة، الا أنّ محمد بن سلمان الذي ارتبط نفوذه داخل العائلة المالكة على صداقته مع إدارة الرئيس الأميركي ترامب التي دعمته ولا زالت تدعمه في مواجهة خصومه من أبناء عمومته والتي من المفروض أن توصله إلى العرش، كما لا يزال محمد بن سلمان يعرف أنّ المدخل الى قلب وعقل هذه الإدارة هو التزامه المطلق بسياساتها النفطية والسياسية بما فيها ما يتعلق بالشأن الفلسطيني. من هنا نرى تفسير الموقف السعودي الذي يرى أنّ معركة العرش والنفوذ لها الأولوية على أيّ شأن آخر بما في ذلك الشأن الفلسطينيّ وعملية الضمّ.

الأردن بدوره يبدي قلقاً من عملية الضمّ كما ورد في تصريحات الملك عبد الله لمجلة «دير شبيغل» الالمانية، ولكنه يبدي خشية اكبر من تداعيات تردّي علاقتة مع «إسرائيل»، من الممكن قراءة الموقف الأردني بداية في النظرة الأردنية لاتفاقية السلام الاردنية الاسرائيلية (وادي عربة) باعتبار انّ تلك الاتفاقية هي التي حدّدت التخوم الغربية للمملكة، ثم أنها ضمنت وجود الأردن كوطنٍ نهائي للأردنيين (وهذا كان رأي الملك الراحل الحسين بن طلال ورأي رئيس وزرائه عند توقيع الاتفاقية الدكتور عبد السلام المجالي)، هذه المسألة تعيدنا الى عام 1921 ومؤتمر فندق «سميراميس» في القاهرة الذي حضره من الجانب الانجليزي تشرتشل ولورنس والسيدة جيرترود بيل ومن الجانب اليهوديالصهيوني وايزمان وبن غوريون وجابوتنسكي، وافق وايزمان وبن غوريون على المشروع البريطاني الذي كان عرابه تشرتشل والقاضي بتشكيل إمارة هاشمية في شرق الأردن، إذ رأى الرجلان انّ الحكمة تقتضي عدم الاختلاف مع بريطانيا العظمى، في حين رفض جابوتنسكي المشروع حيث يرى انّ ضفتي الأردن مشمولتان بوعد بلفور وتحملان اسم فلسطين، التي تمّ منحهم حق إقامة «وطن قومي» على أرضها، فحدّ فلسطين الشرقي حسب ما يراه جابوتنسكي  هو نقطة H4 (على الحدود الأردنية العراقية حالياً) اتخذ خلافه مع الانجليز ومع الحركة الصهيونية شكلاً حاداً إذ خرج من الإطار الصهيوني الرسمي وأسّس الحركة الصهيونية التنقيحية التي كان من تلامذتها مناحم بيغن واسحاق شامير ورئيس الحكومة الحالي نتنياهو، هؤلاء لم يوافقوا رابين وحزب العمل الرأي عند توقيع اتفاقية «وادي عربة»، فهم لا يزالون يرون بالأردن جزءاً من حصتهم التي قد يكونون مستعدّين للتنازل عن بعض منها او عن كلها لإقامة دولة للفلسطينيين، ولعلّ هذا ما دعا نتنياهو للقول انّ اتفاقية «وادي عربة» هي حاجة وضرورة أردنية. يخشى الأردن ان يضرّ تردّي العلاقة مع تل أبيب إلى المسّ بمكانة الأردن في القدس وبالدور الهاشمي في رعاية المسجد الأقصى، وتلك مسألة بالغة الأهميّة أردنياً وهاشمياً، فحين أعلن الملك حسين عن قرار فكّ الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988، استثنى القدس من ذلك القرار لأهميتها الدينية والقومية وعلاقتها بمشروعية الحكم. ملفات أكثر من أن تعدّ تشغل بال دوائر صنع القرار في عمّان، منها الغاز واتفاقياته والمياه وحاجات الأردن الماسّة إليها، واللاجئونلا الفلسطينيون فحسبوأعباؤهم، كلّ ما تقدّم جعل من مقابلة «دير شبيغل» حدثاً ماضياً، ففي خطاب الملك الذي أعقب تلك المقابلة لم يشر لا من قريب ولا من بعيد لعملية الضمّ ولما يؤزّم العلاقة الأردنية الإسرائيلية

هذا هو الحال، وهذه هي مواقف الإقليم من عملية الضمّ، وبهذا تبقى السلطة الفلسطينية وحيدة تعاني العجز وتخلي الآخرين عنها.

 

*سياسي فلسطيني مقيم في جنينفلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق