آراء ودراسات

في البدء كانت الكلمة وستبقى لأنها كلمة حق في وجه سلاطين الفساد

} علي بدر الدين

للمرة الأولى، أشعر أنني في مأزق ومتردّد وفاقد لبوصلة الكتابة، وعن أيّ موضوع أكتب، ولمن أكتب، رغم ازدحام الأزمات والمشكلات والملفات الساخنة التي تفتح الشهية على الكتابة وتجعل الأخرس ينطق لشدّة وطأتها ومأساويتها على الشعب، وهي التي تقضّ مضاجع اللبنانيين وترهقهم وترعبهم وتضغط بقوة على أنفاسهم وحياتهم ومعيشتهم من دون أن يحرّكوا ساكناً أو يتحرّكوا لرفع كلّ هذه الضغوط والأعباء عنهم. لكن يبدو أنهم استسلموا لقدرهم، وسلّموا أمرهم وقرارهم لصاحبة الأمر والربط والشأن الطبقة السياسية التي هي أيضاً استسلمت لمصالحها وحصصها وأطلقت العنان لفسادها وتسلطها وقوة نفوذها الذي تحوّل إلى تسونامي أخذ كلّ شيء في ذروة هيجانه ورمى بها في أحضان وامبرطوريات هذه الطبقة المترامية، وخلف وراءه الدمار والخراب والفقر والجهل والجوع والبطالة ولسان حالها يقول «من بعدي الطوفان»، و «أنا ولا أحد»، وهي إنْ قالت فعلت من دون تردّد أو إحراج أو مخافة من الله وعقابه.

هذه الطبقة التي أفرغت خزينة الدولة من المال العام، وسرقت أموال أكثر من مليوني مودع، وصادرت المؤسسات وأفقرت الشعب وجوّعته وحوّلت الوطن إلى ما يشبه الكانتونات أو إلى مزارع قبلية وعشائرية بعناوين طائفية ومذهبية، لا تزال تمعن عن سابق إصرار وتصميم في سياسة إنهاك لبنان وانهياره وإفلاسه حتى أنها تحاول مصادرة الهواء لخنق شعبها بعد أن حرمته من تنشقه نظيفاً ومن الكهرباء والماء والدواء ومن المحروقات واللحوم ومن العملة الصعبة ومن كل ما أنعمه الله على البشرية، وقد سلبته حياته وآماله وأحلامه وحوّلته إلى آلة على شكل إنسان فاقد الأهلية الإنسانية والوطنية وبات بين خيارين البحر أمامه والطبقة السياسية خلفه وعليه أن يرفع العشرة ويرضى بما رسمه له أولياء أموره ونعمته. حتى بات ضرباً في المجهول الرهان على هذا الشعب الذي ارتضى بواقعه البائس ومصيره المجهول وخسارته لكلّ حقوقه أمام حيتان المال والسياسة والسلطة والمتغوّلين على كلّ شيء، وقد وصل بهم الجشع والطمع الى المتاجرة برغيف خبز الفقراء وبمادة المازوت التي أحوج ما يكون إليها المواطن في معيشته، وتلاعبوا بالعملة الوطنية التي انهارت أمام العملات الأجنبية.

لمن أكتب وعن أية قضية أو أزمة او موضوع، ولكثرتها وتمدّدها وأثقالها انهار لبنان واختنق شعبه بها وفقد كلّ أمل او بصيص نور خافت عله يجد ضوءاً في نهاية النفق المظلم. لمن أكتبلطبقة سياسية لا تقرأ ولا تتعظ ولا همّ لديها او عندها سوى مصالحها وحساباتها المصرفية في مصارف الداخل والخارج، وعقاراتها التي تملأ سنداتها ذات اللون الأخضر خزائنها وجوارير مكاتبها، واستمرار سماسرتها بالبحث عن كلّ ما سقط منها سهواً وإعادة التقاطه لأنه بالزيادة إفادة. وهي لن تتخلى عن مواقعها السياسية والسلطوية حتى تعرّي المواطن من ثيابه وهي قادرة على هذا وأكثر لأنها تملك القوة والنفوذ والمال والسلطة. ولأن الشعب لم يع دوره ومسؤولياته بالتغيير وكأن ما يحصل وما يتعرّض له لا يعنيه ولا يخصه مع انه أصبح في الأسفل وتحوّل الى جسر عبور للباحثين عن السلطة والشهرة والجاه والمال.

لمن أكتب والدولة سلطة وحكومة ومؤسسات غائبة او مغيبة او عاجزة عن القيام بمسؤولياتها ومشلولة الفعل والتفكير واتخاذ القرار الصحّ وفرض هيبة الدولة والقانون وملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم، وقد جعلوا للفساد قيمة وأصبح شطارة وتجارة وعلى عينك يا تاجر والحاضر يعلم الغائب أنه بات ثقافة ومورد رزق وعدمه جهل وغباء، و«الشاطر بيلحق حاله قبل فوات الأوان»، خاصة انّ الفاسدين في مأمن ولهم حماية طائفية ومذهبية وهناك خطوط حمر لا يُسمح لأحد تجاوزها قبل نيل الموافقة والمباركة.

لمن أكتب وحال البلد والشعب من سيّئ إلى أسوأ وكرة نار الأزمات تتدحرج لتحرق كلّ شيء إذا بقي شيء يمكن تحويله الى رماد بعد أن صادر السياسيون الحاكمون على مدى ٣٠ سنة كلّ شيء.

هل أكتب لهذه الحكومة او عنها وعن إنجازاتها المعدومة او وعودها التي أتخمت فيها بطون الجوعى او عن عدد اللجان التي شكلتها والمستشارين الذين تضجّ بهم مكاتب الوزراء، او الدفاع عنها وردّ التصويب عليها بسهام الذين سبقوها وهم أساس الداء والمصائب التي تحلّ بالبلد وناسه؟ وهل أتحول الى دليلها للكشف عن أوكار الفساد والفاسدين والشعب يعرفهم بالأسماء؟ وهل يُعقل أن يبقى فاسدو السوق السوداء في الدولار والمازوت والسلع والمواد الغذائية يسرحون ولا يقدر عليهم أحد حتى وصل الفساد الى فحصpcr  حيث يباع الفحص السلبي في السوق السوداء! يا له من سوق عصيّ على الكشف وكأنّ أسياده وتجاره أشباح او يلبسون طاقية الإخفاء.

ورغم الإحساس بالألم وربما العجز عن إحداث خرق في جدار الأزمات المتراكمة المزمنه والسائدة والآتية بالطبع لانسداد الأفق أمام المعالجات والحلول ولو بحدّها الأدنى. ورغم انكفاء السياسيين وكثير من الشعب عن القراءة وجهل ما يعانون منه ومن سبّب لهم الوجع القاتل والمدمّر وسكوتهم المريب وهذا والخنوع لقدر السياسيين سأظلّ أكتب وأكتب لأنه في البدء كانت الكلمة وستبقى السيف المسلط على ايّ فاسد وستنال منه ولو بعد حين. وكلمة الحق ستقاوم مخرز الباطل والسلاطين الجائرة والفاسدة وهي حتماً ستحدث الفرق. وانّ غداً لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق